الحوار المتمدن - موبايل


مجتمع ابو البكرة وتاريخية الاستغلال والموت (٩)

وليد المسعودي

2020 / 11 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المؤسسة الدينية واشكالية السلطة والمجتمع

ولم تشتد المعارضة بين الحكومة الجديدة وبين المؤسسة الدينية الا بعد صدور قانون الانتخاب العام لجميع العراقيين ، وهذا بالطبع من القوانين الحديثة التي لم تتعود عليها اكثر شعوب المنطقة حينذاك ، بسبب وجود التبعية الاجتماعية للمجتمع الديني والعشائري ولان المؤسسة الدينية حينها لا تؤمن باستقلالية الفرد والمواطن فهو في نظرها من العوام الذين ينبغي لهم الطاعة وليس القيادة والاختيار والانتخاب ، والاخير تم تحريمه بشدة من قبل اكثر المراجع والمجتهدين ، فهذا ابو الحسن الاصفهاني يصفه اي الانتخاب بانه يميت الامة الاسلامية وبالتالي لا يحرم على كل رجل ممارسته فحسب بل تحرم عليه زوجته وزيارته ولا يجوز رد السلام عليه ولا يدخل حمام المسلمين ، ولا يختلف بقية المراجع في حرمة الانتخاب والاراء الغريبة التي نراها اليوم ضمن طبيعة فهمنا المعاصرة (١٣ ) بدءا بالخالصي والنائيني ، وبقية المراجع ورجال الدين في النجف وكربلاء وبغداد (١٤)
وعلى اثر هذه المعارضة من قبل اكثر رجال الدين ذوي الجنسية الايرانية ومن ضمنهم مهدي الخالصي تمت اولى عمليات التسفير الحديثة لرجال الدين او لمواطنين مقيمين في العراق لاسباب سياسية متمثلة بالتدخل في شؤون البلاد وحث الناس والاهالي على الامتناع عن الانتخاب العام . (١٥)

ولم يتم الموافقة على عودة جميع رجال الدين والمراجع الى العراق الا بعد التعهد للحكومة الملكية ولشخص الملك فيصل بعدم التدخل في الامور السياسيّة ، وبالفعل بعد مراسلات اكثر مراجع الدين الى الملك فيصل تلك التي تتضمن الموافقة على عدم التدخّل في الأمور السياسية تمت الموافقة على عودة جميع رجال الدين الايرانيين الى العراق ما عدا العراقي ذو الجنسية الايرانية مهدي الخالصي الذي كثيرا ما لام بقية المراجع بخذلانه والتخلي عنه بارزا اهم الاسباب التي قادت هؤلاء المراجع الى العودة الى العراق متمثلة ب

١ _ ان المجتهدين كانوا سيئي الضن بالايرانيين
٢ _ انحسار الرئاسة فقط في النجف الاشرف
٣ _ شيخ المجتهدين في ايران هو عبد الكريم اليزدي لا يرغب بوجودهم لانهم يزاحمونه في الرئاسة. (١٦)

في حين يرى الانكليز الامر مرتبط بالاملاك والمنافع الاقتصادية لهم في العراق وبالتالي تم التوسط لهم من اجل العودة بعد الاقرار بعدم التدخل في الامور السياسيّة .

تغير الحال

وهكذا بعد ان كان الصراع على قدم وساق بين القديم والحديث ، بين رجال الدين والافندية مع ظهور البذور الاولى للحداثة في العراق ، في مجتمعاتنا حتى تسفير المراجع من المجتهدين وعودتهم الى العراق عام ١٩٢٣ وتعهدهم بعدم التدخّل بالامور السياسيّة ، توقف ذلك الصراع وبدأ يأخذ شكلا اخر مغايرا ، اي بين الافندية انفسهم حيث الانقسام بين موالي للسلطة وبين معاد لها او كما يقول علي الوردي اصبح الامر مثل لعبة الاطفال " دولاب الهواء " صاعد نازل بين هؤلاء الافندية وبين هؤلاء المعارضين لهم ، وهذا التطابق او المقياس ينطبق على المجتمع المندمج ضمن العملية السياسيّة التي تسيرها وتحيطها ووتتمسك وتلعب بخيوطها السلطة الملكية انذاك تحت حجج الديموقراطية والانتخاب وتغير الوجوه الصاعدة والنازلة من هؤلاء الافندية ومعارضيهم .
وخارج هؤلاء الافندية هناك افندية آخرين، هناك البداية الاولى للصراع خارج اطار السلطة سوف ينمو شيئاً فشيئا في العراق في بيوت الصرائف والطين والفقراء لدى وعي الماركسيين المعارضين (١٧)

ولكن بعد عام ١٩٢٣ هل تقلص دور رجال الدين حقا ضمن الشكل الكامل من التحريض والتحريم الاجتماعيين لجميع مضامين الحداثة واي سلوك جديد على المجتمع ، بالطبع سوف يكون الامر ليس بالهين فالقديم طبقة ارضية صلبة ، سميكة ، يأتي الجديد فيغطيه بطبقة ارضية اخرى قد تكون ضعيفة او صلبة تقوى او تضعف وفقا لمديات الانتصار السياسي للسلطة الداعمة لها ولا يوجد امحاء للقديم ضمن طبقات المجتمع الثقافية والاجتماعية ، حيث ان القديم يغدو مجاورا ومحيطا للحديث في تجربتنا الحداثية ، ابنية حديثة تحيطها ازقة فقيرة ذات وعي وايمان قديم ، وهذه التوليفة تكاد ان تكون سمة عامة لدى اغلب المدن العربية وليس العراقية ، وبذلك يغدو القديم ذات تهديد مباشر للحديث مع مرور الزمن ، وكما قلنا انه من الصحيح قد تغيرت خارطة الصراع بعد ذلك التاريخ المذكور اعلاه ، ولكن ظلت الحواضن والبذور تنشر افكارها وتحريمها وعدم قبولها للحداثة هنا وهناك ، حيث يذكر علي الوردي ان اكثر من خمسة كتب الفت ضمن هذا التاريخ لرجال دين تحرم حلق اللحية وهم كل من محمد حسين كبة، قاسم الجليلي ، هبة الدين الشهرستاني ، حسن الصدر، محمد حسن الاديب ، وهؤلاء بالطبع من زاوية علم الاجتماع ينطلقون من تكويناتهم الاجتماعية كما يقول الوردي او من الصناديق والنماذج التي تعود عليها الانسان طيلة حياته ولا يتصور ان الحياة مقبلة على اشكال اختلافية متغيرة بشكل دائم ومستمر (١٨)

المصادر والهوامش

(١٣)

المفارقة تكمن في الاختلاف بعد اقل من مائةعام بين ١٩٢٢ وبين ٢٠٠٣ وما بعدها حول قضية الانتخاب وماهية سلوك وفتاوى رجال الدين من المراجع ، وكلنا يتذكر الوجوب بتنفيذها بل شرعنة وجودها اكثر فاكثر ويحرم كثيرا على الرجل زوجته ليس في ممارستها بل في عدم انتخاب القائمة الشيعية سيئة الصيت (٥٥٥)

(١٤)

ومن المفارقة الاخرى ايضا هي تضامن بعض رجال الدين المسيحين في الموصل مع دعوى تحريم ومقاطعة الانتخابات وبكافة الوسائل والطرق ومن ضمنها كيل الشتائم بحق من يمارسها هناك .

(١٥)

تم تسفير جميع المراجع من رجال الدين واكثرهم يحملون الجنسية الايرانية ومن ضمنهم مهدى الخالصي العربي ولكنه استطاع الحصول على الجنسية الايرانية حاله حال الكثير من العرب العراقيين وقتها لاسباب تتعلق بالتهرب من التجنيد بدلا من الجنسية العثمانية اما بقية المجتهدين ورجال الدين ، وهم ابو الحسن الاصفهاني وحسين النائيني وجواد الجواهري وعلي الشهرستاني وعبد الحسين الشيرازي واحمد الخراساني ومهدي الخراساني واحمد الطابطبائي وعبد الحسين الطابطبائي .

(١٦)

علي الوردي / لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث / الجزء السادس ص ٢٤٧ _ ٢٤٨

(١٧)

يقول علي الوردي ان الساحة الاجتماعية بعد عام ١٩٢٣ اصبحت فارغة للافندية بعد ان كانوا يتصارعون مع الملائية من رجال الدين ، وهؤلاء كانت معارضتهم للسلطة اجتماعية فقط من اجل البقاء على مكانتهم في قلوب الناس وليست سلطوية مثلما يفعل الافندية لان رجال الدين اذا اتجهوا سلوك الافندية في السعي الى السلطة سرعان ما يفقدون مكانتهم بين الناس وبالتالي اتهامهم بانهم باعوا الدين بالدنيا ، هكذا كان الوردي يصفهم ولا يدري انه بعد ( ٢٠٠٣) سوف يجدون هذه المكانة على طبق من ذهب ولكن دون الفقدان الكلي حيث الحضور والبقاء على نفس الوتيرة من المكانة والتقديس وان قل الاعتبار بعد طول زمن الفساد ضمن حدود النسبي ، يراجع علي الوردي / لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث / الجزء السادس / ١٩٧٦ ص ٣١٦ .

(١٨)

وهذه الكتب هي:

١_ ارشاد اهل الحجى في حرمة طلق اللحى
٢_ تحريم حلق اللحية
٣_ التفتيش في حلق الريش
٤_ ذكرى ذوي النهى في حرمة حلق اللحى
٥_ زينة الرجال

خاتمة الجزء السادس ص ٣٦٤








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بودكاست بعد أمس - ميسي وبرشلونة.. -زواج كاثوليكي-؟


.. نشرة الصباح | إيران.. إقرار رسمي بضعف أجهزة المخابرات واخترا


.. نازحون من مخيم اليرموك في دمشق يأملون بعودة قريبة إلى منازله




.. شاهد.. احتجاج بطريقة مبتكرة.. دمى باندا بدلا من الزبائن في م


.. أكبر حلبة تزلج في الهواء الطلق بموسكو