الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مستقبل الفكرة القومية العربية (1-2)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 11 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن تحليل ودراسة تطور الفكرة (القومية) العربية الحديثة والمعاصرة تكشف عن هيمنة وسيادة الفكرة الأيديولوجية تجاهها. ولم يكن ذلك معزولا عن الحالة التاريخية التي عاش فيها وكنب اصحاب الفكرة القومية الحديثة والمعاصرة. كما أن المدخل الأيديولوجي كان وما يزال في اغلبه تعبيرا عما يميز الأيديولوجية من نفسية وذهنية "الاستقامة السهلة" و"الصراط المستقيم" في الموقف من كل شيئ. كما إنها كانت وما تزال الوجه الآخر للرد على تيارات الاغتراب الثقافي وانحسارها العقلي والوجداني. بعبارة أخرى،
لقد كان صعود الأيديولوجية الوجه الآخر لهزيمة العقل الثقافي العربي وفكرة المستقبل. بحيث أصبح، بأثر ذلك، الاهتمام بالسياسة من أولويات الفكر والتفكير، مما أدى إلى تبذير الكلّ النظري وعناصره المتراكمة ومفاهيمه الضرورية بالنسبة لصنع مرجعيات ثقافية كبرى، بما في ذلك للفكرة القومية.
إن الفكرة القومية من وجهة نظري هي حس أو عقل أو حدس الانتماء الفردي والاجتماعي للأصول الطبيعية والماوراطبيعية الموحدة الكبرى للعقل والضمير القومي. ولها صيغ متنوعة ومستويات متباينة تعكس نوعية ومستوى تجارب الأقوام في الارتقاء من أشكالها البدائية إلى مستوياتها الراقية، بوصفه وعيا ذاتيا لصيرورة تاريخية وكينونة ثقافية ذات مرجعيات متسامية واحدة وموحدة. وعادة ما تمر هذه الفكرة بمراحل الارتقاء من القبيلة إلى المعشر، ومنه إلى القوم ثم الشعب فالأمة.
وقد مرّ العرب في مجرى تاريخهم بكافة هذه المراحل الخمس في تراكم مشاعر الانتماء القومي. فقد بلورت الجاهلية فكرة القبيلة والمعشر والقوم، بينما رفعها الإسلام لاحقا إلى الشعب ثم الأمة. وتداخلت فكرة القوم والشعب في فكرة الأمة الإسلامية الأولى، أي الفكرة العربية المترقية إلى مصاف الفكرة الثقافية. وذلك لأن فكرة الأمة الإسلامية كانت المثال النموذجي والصيغة الفعلية للفكرة القومية العربية الأولى. وتداخلا للدرجة التي تحولت فيها فكرة الأمة إلى مرجعية مثالية، شكلت الوعاء المناسب، الذي أبدعه الإسلام، بالنسبة لصيرورة الحضارة الإسلامية وإرساء أسس مرجعياتها الثقافية. ومع انحلال المراكز الثقافية السياسية للخلافة العربية، تهشمت تدريجيا وتلاشت فكرة الأمة العربية الإسلامية بوصفها كيانا مستقلا. واندثرت مع هيمنة الانحطاط التام بحيث تحولت إلى مناطق جغرافية تتنافر فيها بقايا الأمة بهيئة شعوب وأقوام ومعاشر وقبائل. بمعنى الرجوع إلى ما قبل البنية التي أرسى الإسلام أسسها بالنسبة للوحدة.
أما الفكرة القومية الحديثة، فإنها لم تنشأ من خلال دراسة التاريخ الذاتي لصعود الأمة العربية وانحلالها. الأمر الذي أدى إلى غياب الفكرة الفلسفية التاريخية عند جميع منظري الفكرة القومية العربية الحديثة. أما المحاولات النظرية للبعض منهم، فقد كانت من حيث الجوهر تقليد وتطويع للنظريات الأوربية. بينما الأخيرة كانت نتاج التطور التلقائي للأمم الأوربية. وقد حدد ذلك مفارقة الخاتمة المنطقية للفكرة القومية العربية، والتي تقوم في عدم اختتام ذاتها بذاتها، ولم يتحقق منها شيء، باستثناء الكشف عن بأسها الشديد في مواجهة كمية ونوعية الانحطاط التاريخي الذي تعرض له العرب على مدار قرون عديدة بعد سقوط وتحلل مراكزه السياسية الثقافية.
لقد واجه صعود الفكرة القومية فراغ التاريخ السياسي القومي. وكان ينبغي ملئه بجهود المعاناة النظرية والعملية من أجل الاستواء لاحقا لتأمل الأفق المرئي للمستقبل. وليس مصادفة أن يكون مصير جميع منظري الفكرة القومية العربية الحديثة مأساويا! فقد أعدم الأتراك العثمانيون عبد الحميد الزهراوي. وحكموا بالإعدام على نجيب عازوري، الذي لاقى حتفه على غفلة في مجرى الصراع الدامي من أجل إيقاظ الأمة العربية من سباتها في ظل النير العثماني. كما أعدم "الوطنيون" اللبنانيون انطون سعادة شنقا حتى الموت بسبب مواجهته للاحتلال الفرنسي للبنان! ومات الارسوزي مريضا محاصرا بوعي ذاتي بحيث نراه وهو في نزعه الأخير يرفض استقبال "رجال البعث" معتبرا إياهم خونة للفكرة القومية. كما مات الحصري مجهولا محاصرا. وتشرد عفلق وطورد من قبل أتباعه، وجرى محاصرته في قفص ذهبي، ثم نبش قبره وجرى "تسفيره" من بقعة أرض إلى أخرى في عالم اعتبره عربيا واحدا على مستوى الحس والعقل والحدس.كما مات زريق مجهولا منسيا!
إن هذه المفارقة المأساوية تعكس أولا وقبل كل شيء مأساة العرب المعاصرة والفكرة القومية والتفكير القومي. الأمر الذي يشير بدوره إلى وجود خلل على مستوى التاريخ الفعلي والفكرة السياسية والمنهج النظري. ووجد كل ذلك انعكاسه في غياب منظومة فلسفية للفكرة القومية العربية الحديثة، لها منهجها وتراثها الخاص، وتاريخها الذاتي. بمعنى أنها لم ترتق بعد إلى مصاف تأسيسها النظري بمعايير التجارب الذاتية للعالم العربي.
لقد كان هذا الخلل وما يزال نتيجة لافتقاد العالم العربي لتاريخه السياسي القومي المستقل على مدار قرون. مما أدى إلى انهيار مراكزه الثقافية الكبرى. بحيث جعل من نهوضه الأخير مضغوطا بتجارب الدول الكولونيالية، بمعنى افتقاده الفعلي لتلقائية تجاربه الخاصة فيما يتعلق برؤيته لإشكاليات وجوده التاريخي الحديث. وقد كانت هذه الحالة جلية بما في ذلك في مساعي القوى العقلانية العربية من أجل بعث نهضتهم الجديدة. وليس مصادفة أن يجري جذب كمية النشارة المتراكمة في أواخر العثمانية من نهضة أدبية وانبعاث ثقافي وإصلاحية إسلامية وأفكار قومية إلى مغناطيس القوة الكولونيالية الأوربية آنذاك. من هنا دورانها في أفلاكها، مما افقدها حرية الإرادة، وجعل من اغلب جهودها مجرد تقليد على هامش التاريخ الكولونيالي (الأوربي). مع ما ترتب عليه من اغتراب وتقليد وجد انعكاسه في ضعف مناعة ونقص معاناة التجربة التاريخية للذهنية النقدية العربية. من هنا غلبة الوجدان والنفس الغضبية على نوعية وطبيعة تأسيسه للوعي الذاتي. وليس مصادفة أن تتجه أغلب مكونات إنتاجه النظري والعملي صوب غلبة اللاهوت الديني والدنيوي. والاستثناء النسبي كان للتيار الإصلاحي الإسلامي والقومي العربي .
لقد أبدع الفكر القومي العربي في محاولاته تذليل حالة الخلل الجوهرية في التاريخ العربي، ووعي الذات العربي، والمستقبل العربي المراحل النظرية الأولى والضرورية من خلال الانتقال من الإنهاض (الزهراوي) إلى الإيقاظ (عازوري) ثم الوعي اللغوي القومي (الارسوزي) ثم التنظيم الذاتي لتربية الروح القومي (الحصري) ثم العمل السياسي من أجل الفكرة القومية (سعادة) ثم تحويلها إلى شعار خالد شامل (عفلق). وما بينهما ومن خلالها وفي مجراها تراكمت مختلف النصوص النظرية والمساعي العملية لإيجاد نسب منها وما بينها وتجسديها وتحقيقها في مختلف المشاريع. ومع ذلك لم يصل الفكر القومي الحديث إلى إدراك حقيقة الفكرة القومية العربية على أسس فلسفية. وليس مصادفة أن ينعدم فيها جميعا وجود الإدراك الفلسفي الخاص للتاريخ العربي. من هنا اكتفاءه بالبحث عن صيغ متنوعة وتركيبات مختلفة لعدد من الصفات أو المكونات أو العناصر الجوهرية للقومية، كما هو جلي في البحث عنها في اللغة والتراب والتاريخ والدين والعرق والنظام السياسي والاقتصادي وأشياء أخرى قد لا تخطر على بال. ولكل منها جديته وأثره ومعناه وقيمته وواقعيته وعقلانيته. إلا أن كل هذه الاجتهادات لم تصل إلى توحيد هذه العناصر في منظومة متجانسة. والأهم من ذلك إبراز العنصر الأكثر فاعلية في توحيدها وإثارتها، أي العنصر القادر على أن يكون مكونا مجردا فيها وخارجا عنها في نفس الوقت، أي رابطا ومنظما لوحدتها واعتدالها، أي مرجعية متسامية مخفية وذائبة في كل مسام الوجود التاريخي. بمعنى البحث عن العنصر القادر على أن يكون أسلوبا وغاية بقدر واحد، ومن خلاله تنظيم الرؤية التاريخية الدقيقة وفكرة الاحتمال المستقبلية في كلّ عقلاني واحد، يذلل الأبعاد الأيديولوجية والحتمية في الفكرة القومية.
إن هذا العنصر بالنسبة للعرب هو الكينونة الثقافية للقومية العربية، أي كل ما جعل ويجعل منها فكرة ثقافية وليست حتى قومية بالمعنى الدقيق للكلمة. فالقومية تفترض قوم محدد له أصوله العرقية، بينما تكمن الكينونة الجوهرية للقومية العربية في طابعها الثقافي. لاسيما وأنها البؤرة الميتافيزيقية الكبرى لتحقيق ما فيه. والرجوع إليها، كما هو الحال عند الأمم الحية جميعا، يفترض تذليل بدائية العرقية والتعالي على مختلف غرائز الجسد الفردي من أجل الارتقاء إلى وعي ذاتي اجتماعي وقومي متجانس. وإذا كان انكماشها التاريخي قد جرى بفعل مسار الاحتلال الأجنبي لقرون عديدة وانحلال المراكز الثقافية العربية الكبرى (دمشق وبغداد والقاهرة) وتلاشي مرجعيات الحضارة العربية الإسلامية، فإن تنشيطها الفعلي والمتجانس يفترض تأسيسه على فلسفة عربية للتاريخ العربي، هي ما أدعوه بفلسفة المرجعيات الثقافية وفكرة التأويل المستقبلي.
فالقومية العربية من الناحية الوجودية هي كينونة ثقافية، ومن الناحية المجردة هي فكرة ثقافية، أي أنها تحتوي في ذاتها بقدر واحد على أسس وجودية ومعنوية واحدة. وإن الهوية الثقافية هي جذرها وأصلها وأسلوب تحقيقها. وإذا كان للفكرة الثقافية عناصرها المتبدلة والمتغيرة من حيث مواقعها في منظومة الوحدة التاريخية للفكرة القومية العربية، فإن رؤيتها كما هي يفترض إدراك حالتها وموقعها ضمن مسار التطور التلقائي للتاريخ العربي. والمقصود بذلك هو معرفة موقع النفس في سلم أو درجات التطور التاريخي الثقافي.
فالتاريخ (الطبيعي) العالمي يمر في مساره الداخلي (أو تطوره)، وصراعاته (الخارجية) بسبع مراحل أساسية، أربع منها "طبيعية" وثلاث "ماوراطبيعية" هي مراحل التطور الثقافي الحر والخالص، أو "التاريخ الحقيقي". مع أن التاريخ كله حقيقة. إن هذه المراحل السبع هي على التوالي:
• المرحلة العرقية - الثقافية،
• المرحلة الثقافية - الدينية،
• المرحلة الدينية - السياسية،
• المرحلة السياسية - الاقتصادية،
• المرحلة الاقتصادية- الحقوقية،
• المرحلة الحقوقية – الأخلاقية،
• المرحلة الأخلاقية - العلمية.
ويمر العالم العربي الآن في المرحلة الثالثة. رغم تباينه النسبي ضمنها. ففي داخله عوالم متباينة من حيث مستوى تطورها التلقائي، كما انه متباين من حيث "مناطقه الثقافية الكبرى"، وهي كل من منطقة الجزيرة العربية، ومنطقة المشرق العربي (الهلال الخصيب)، ومنطقة مصر والسودان، ومنطقة المغرب العربي وموريتانيا، وخامسة محتملة (الصومال وجزر القمر وزنجبار ودول افريقية محتملة). بمعنى انه يمر بمرحلة المركزية القومية الحديثة. مع ما يلازمه بالضرورة من محاولات الرجوع إلى النفس من خلال تنشيط مرجعياته الذاتية أو إبداع الجديد منها، بوصفها جزء من معترك البدائل. الأمر الذي يجعلها مركزية ذاتية من حيث علاقتها بنفسها وبالآخرين، أي إن نياتها ومساعيها وجهودها المدركة وغير المدركة، العقلانية والوجدانية موجهة صوب تنشيط مكوناتها التاريخية - الثقافية الخاصة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مدير الاستخبارات الأميركية: أوكرانيا قد تضطر للاستسلام أمام 


.. انفجارات وإصابات جراء هجوم مجهول على قاعدة للحشد الشعبي جنوب




.. مسعفون في طولكرم: جنود الاحتلال هاجمونا ومنعونا من مساعدة ال


.. القيادة الوسطى الأمريكية: لم تقم الولايات المتحدة اليوم بشن




.. اعتصام في مدينة يوتبوري السويدية ضد شركة صناعات عسكرية نصرة