الحوار المتمدن - موبايل


مستقبل الفكرة القومية العربية(2-2)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 12 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إننا نقف أمام إجماع خفي متراكم في الوعي الاجتماعي والسياسي المعاصر في العالم العربي على ضرورة تأسيس نظم للحياة تستمد مرجعياتها الفكرية والروحية من التاريخ الثقافي للحضارة العربية. ومن ثم تحويل جهادها واجتهادها في مختلف الميادين إلى "قطب روحي" فعال في الصراع الحضاري. وهو جهاد واجتهاد يؤدي بالضرورة إلى تنشيط سياسي لمكونات الحضارة العربية (والإسلامية). وبالتالي، فإن كل ما جرى ويجري في العالم العربي على امتداد القرنين الأخيرين هي أشكال ومستويات مختلفة ومتباينة لهذه الظاهرة. بعبارة أخرى، إن هذه المركزية هي تعبير تاريخي ضروري وعابر أيضا، أي حلقة في سلسلة أو تاريخ المركزية الثقافية العربية. أنها تعكس في تناقضها وديناميكيتها زمن القرن التاسع عشر – العشرين الميلادي، وتاريخ القرن الرابع عشر – الخامس عشر الهجري. ذلك يعني أن حقيقتها الباطنية تعبر عن تاريخ وعي الذات القومي والثقافي، أما صورتها الظاهرية فتعبر عن زمن القرن التاسع عشر – العشرين. وبما أن المقياس الزمني الظاهري هو مجرد قشور لا قيمة لها بالنسبة لتاريخ المركزية الثقافية، من هنا قيمة تتبع المسار التلقائي الذاتي القائم في تنشيط الظاهرة القومية المعاصرة.
إن هذا الإدراك الفلسفي التاريخي للفكرة القومية العربية الحديثة يعادل تأسيسها بمعايير الفكرة المستقبلية، أي أن الفكرة القومية العربية هي فكرة عربية حديثة، ومن ثم فهي مستقبلية. بمعنى أنها جزء من فلسفة البدائل المستقبلية، التي تستند بقدر واحد على منطق التاريخ ومنطق الاحتمال. بمعنى تأسيس منطق التاريخ المستقبلي بوصفه احتمالا، ومنطق الاحتمال بوصفه تاريخا. والمقصود بالتاريخ هنا هو تاريخ الاحتمال العقلاني والبدائل الإنسانية. وذلك لأن التاريخ لا يعرف إلا ثلاثة أشكال ومستويات ذاتية له وهي التاريخ الزمني أو الوجودي، والتاريخ الواقعي والفعلي أو تاريخ الزمن العقلي، والتاريخ الحقيقي، أي تاريخ الاحتمال العقلاني والبدائل الإنسانية. انطلاقا من أن التاريخ هو صيرورة دائمة من الاحتمال. وإذا كان للاحتمال ماهيته الخاصة، فإنها تتطابق مع حقيقة منطقه الذاتي، أي مع تلقائية التطور الحر للأمم وتاريخها القومي. وبدون ذلك لا يتعدى التاريخ، بوصفه جوهر الوجود الإنساني وأسلوب صيرورته وديمومته، أكثر من زمن ساري يتكافأ بمعايير الحقيقة والمعنى (الإنساني) مع الهباء الكوني والجفاء الطبيعي لوجود الأشياء.
إن العلاقة بين منطق التاريخ ومنطق الاحتمال يتطابق مع مسار الارتقاء من الوجود الطبيعي إلى منطق الوجود الماوراطبيعي. وذلك لأن تجارب الأمم والروح الحضاري الكوني مرهونة بكيفية تأسيس العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة والدولة والثقافة، أي في منظومة الوجود المادي والمعنوي وكيفية ربطهما في مرجعيات ثقافية متسامية – ما فوق تاريخية.
فكلما ترتقي الأمم في ميدان صنع المرجعيات المتسامية، أي الخروج على منطق التاريخ الطبيعي العادي، كلما تقترب أكثر من تاريخ الطبيعة ولكن بمعايير الرؤية الكونية. وبالتالي، رؤية أبعاد الوحدة الفعلية للوجود بوصفه سر الوجود نفسه والمعنى الكامن فيه. وفي حال تطبيق ذلك على تجارب الأمم الفعلية، فإننا نقف أمام "أسرار" لا تتناهى في هذه العملية المثيرة للعقل والوجدان والقائمة في واقع وفكرة تقولان، بأن للتاريخ ألعابه الماكرة مع الأمم، كما أن للأمم مآثرها ومهازلها في تاريخها الذاتي. الأمر الذي يجعل من الصعود والهبوط، والفوز والهزيمة أطراف معادلة محكومة بكيفية ونوعية تذليل مستويات الرقي الثقافي في التاريخ الذاتي والعالمي. ولكل مرحلة تناقضاتها الكبرى التي يتوقف على كيفية حلها تحول فكرة التاريخ والوعي الذاتي القومي إلى طرفين لتأمل الماضي ونقد الحاضر والحلم العقلاني بالمستقبل. بمعنى جعل التاريخ احتمالا دائما (اجتهادا) والاحتمال تاريخا فعليا (جهادا) بوصفه مقدمة الوجود والكفاح من أجل المتسامي. الأمر الذي يعطي لي إمكانية القول، بأن كل ما جرى على امتداد القرنين الأخيرين ومعاناة الفكرة القومية هو جزء من "مكر" التاريخ العربي، أي من تاريخنا الخاص.
إن الخروج من هذا المأزق، على الأقل في مجال الرؤية النظرية، يفترض تأسيس منظومة فلسفية ثقافية للتاريخ العربي تشكل الأساس العلمي للعمل السياسي، أي الصيغة النظرية المجردة للفكرة السياسية. مما يفترض بدوره إعادة النظر النقدية والتحليلية والتوليفية لكل التراث العربي على امتداد تاريخه، أي إعادة تأسيسه بمعايير المعاصرة والمستقبل. من هنا جوهرية ما أدعوه بالعقل التاريخي الثقافي بوصفه أسلوبا موازيا ومكملا ونافيا لوحدة العقل النظري والعملي. فهو الأسلوب الضروري لتوسع مدى العقلانية والنزعة الإنسانية من جهة، وتذليل نفسية وذهنية الأيديولوجيات المتحزبة والانغلاق المعرفي والاستلاب الثقافي في موقفها من الفكرة العربية (القومية)، من جهة أخرى.
فالعقلانية الثقافية واحدة من حيث الباطن والظاهر. أنها الصيغة المنطقية للتجربة التاريخية بوصفها تراكما وحلقة في صيرورة الأمم. أما مظهر انعكاسها المباشر والمحدد فيجد تعبيره في "منظومة المرجعيات الثقافية المتسامية" الهادفة إلى نقد الواقع وتخطي حالة الزمن صوب تأسيس التاريخ الفعلي بمعايير التجربة الذاتية للأمم وفكرة المستقبل. بعبارة أخرى، إن العقلانية الثقافية هي الصيغة المجردة والملموسة لتمثل التطور التلقائي للأمم بمعايير الرؤية المستقبلية.
وعندما يجري تطبيق ذلك على ماهية القومية والفكرة القومية العربية وآفاقها، فمن الممكن اختصارها بالشكل التالي: إن القومية هي المستوى الرابع في تطور التجمعات البشرية. إنها المرحلة التي تنفي وتجمع في ذاتها مرحلة المعشر القبلي والقوم والشعب. وبالتالي، فإن القومية هي الصيغة المتطورة للتجمع البشري. ومن ثم فهي الصيغة العملية لارتقاء الوعي الذاتي من الغريزة الفجة والحية ونفسية الانتماء الذاتي إلى مستوى الغريزة العقلية، أي الارتقاء إلى مصاف الفكرة العقلية لوعي الذات وتأسيس الانتماء. وهذه تعادل حالة الانتقال من قرابة الدم الشخصية إلى دم القرابة العرقية والاجتماعية. وفي مجرى هذا الانتقال تتبلور كيفية ونوعية القومية. فمنها ما يقف عند حدودها الذاتية بمعنى البقاء ضمن الفكرة القومية بوصفها فكرة انتماء عرقي. ويتوقف نوعها وفاعليتها على كمية الفكرة العرقية أو الاجتماعية. مما يحدد بدوره أما طابعها العرقي الضيق أو طابعها القومي الاجتماعي. ومنها ما يتعدى ويذلل أو ينفي الحدود العرقية للقومية عبر تذليل ونفي الفكرة النفسية والعقلية للانتماء الذاتي. وهنا يبدأ إنتاج فكرة الأمة بوصفها "قومية" ثقافية.
إن الارتقاء صوب القومية الثقافية مرتبط بنوعية الفلسفة الكامنة في أساس حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والدولة والثقافة. وبالنسبة للعرب فقد ارتبط مسار الفكرة القومية ونوعيتها من الناحية التأسيسية والتاريخية بالإسلام. فالإسلام عربي المظهر والتجربة الأولى، لكنه كوني المضمون والحقيقة. وذلك لأن فكرته الجوهرية في التوحيد. والتوحيد الإسلامي هو الفلسفة الكامنة في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والدولة والثقافة. وفيما يتعلق بصيرورة الانتماء والتجمع التاريخي ووعيه الذاتي، فإنه ارتبط بفكرة الفرد المسلم المؤمن، والجماعة بوصفها جوهر الأمة، والأمة بوصفها كينونة روحية فكرية ثقافية وليست عرقية. ولا ينفي ذلك حالة العرق بوصفه حالة وجودية(طبيعية) وليس حقيقة جوهرية (ماوراطبيعية). من هنا تذليل فكرة قرابة الدم ودم القرابة أيا كان شكله ومحتواه بفكرة الأمة الجامعة. وترتب على ذلك صيرورة العرب بهيئة أمة وليس بهيئة قومية. بمعنى صيرورتهم بهيئة قومية ثقافية.
فقد كانت فكرة أو مبدأ الانتماء الأول للعرب والعروبة يعادل انتماء الروح (الإيمان الإسلامي)، بينما لغتهم القومية هي لغة روحية وليست قومية (لغة القرآن وليس لغة الجاهلية). من هنا أولوية وجوهرية الأمة الإسلامية على القومية العربية في الوعي الثقافي. ومنذ ذلك الوقت أصبح الوعي العربي وعيا ثقافيا. كل ذلك وجد تعبيره في صيرورة القومية العربية بوصفها أمة ثقافية. وهذه بدورها ليست إلا احد الأشكال الخاصة والمتميزة لصيرورتها التاريخية وكينونتها الثقافية. فقد ذابت الفكرة القومية في فكرة الأمة الإسلامية. من هنا تنوعها في الشكل ووحدتها في المضمون. وليس مصادفة أن تتطور وتتراكم وتتنوع القومية العربية في مناطق تاريخية ثقافية أربع واحتمال متزايد فيها وهي
• منطقة الجزيرة العربية،
• ومنطقة المشرق العربي (الهلال الخصيب)
• ومنطقة مصر والسودان،
• ومنطقة المغرب العربي.
• ومنطقة الاحتمال الإضافي (الصومال وجزر القمر وزنجبار ودول افريقية محتملة).
وقد حدد ذلك حالة الأمة العربية الحالية أيضا، التي تتكون من قوميات (وطنيات) عربية. في إطارها التاريخي الثقافي والجغرافي تتوزع على المناطق الأربع المشار إليها أعلاه، مع احتمال زيادتها بما ادعوه بمنطقة الاحتمال الإضافي. وضمن كل منها قوميات (وطنيات) عربية. وفي تكامل كل منها بذاته وضمن منطقته الثقافية الجغرافية أسلوب للتكامل العام بهيئة أمة عربية موحدة.
ويختلف العالم العربي من حيث مستوياته في هذه المرحلة الثالثة. إن هذا التحديد يوجه بدوره الرؤية النظرية والعملية صوب تأسيس البدائل أو "المشاريع" المستقبلية. كل ذلك يوصلنا إلى الاستنتاج القائل، بأن مختلف النظريات التي ظهرت وتطورت وحاولت تجسيد نفسها في الفكرة القومي العربية الحديثة، قد تعرضت إلى مختلف أنواع الفشل بسب عدم إدراكها وتحقيقها لمضمونها التاريخي الثقافي والبقاء ضمنه من أجل تأسيس البدائل الواقعية والمستقبلية بهذا الصدد.
فالفكرة القومية العربية الحديثة لا يمكنها أن تنجح في حال تقديمها بهيئة قومية خالصة، أو قومية جغرافية أو مجموعة عناصر، أو إسلامية خالصة، أو خلط وتوفيق لمختلف هذه الصيغ. وذلك لأنها تظل أما جزئية وأما ناقصة. بينا الحل الأمثل والأكثر واقعية، والذي يحتوي وينفي مختلف الصيغ التي جرى تحليلها ونقدها،يقوم في الرجوع إلى فكرة الأمة الثقافية بوصفها صلب الفكرة القومية البديلة، وصيغها الملموسة في فكرة المناطق الثقافية وتكاملها الذاتي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن عمر ناهز 166 عاما.. رحيل أكبر معمرة أمريكية


.. النووي الإيراني.. طهران ترفض بالكامل مبدأ خطوة بخطوة


.. شاهد: فرق الإطفاء تحاول السيطرة على حرائق الغابات في جنوب إف




.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي