الحوار المتمدن - موبايل


الصعود الأول للوعي القومي العربي الذاتي

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 12 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تحليل ونقد الفكرة القومية العربية(1)


يتبلور وعي الذات القومي الحديث، بعد مرارة انقطاعه عن أصوله الأولى، بهيئة تمرد عادة ما يكون معقولا بمعايير اللغة ووجدان القلوب الفوارة. وقد تمثلت التقاليد الحية للنهضة الثقافية العربية في العصر الحديث هذه الحالة عبر تلازم لغة الحرية ووجدان الذات الثقافي. وكانت هذه بدورها السكة الموازية للغة القومية الصاعدة ووجدان وعيها الذاتي. وتمثل هذا الوعي بصورة نموذجية كل من نجيب عازوري وعبد الحميد الزهراوي. أما من حيث صيرورتها وكينونتها الحقيقية فقد تراكمت الفكرة القومية ووعيها الذاتي من فعل وفاعلية وتأثير عشرات الشخصيات الكبرى العاملة في مختلف ميادين المعرفة من أدب ولغة وتاريخ وتربية وتعليم وسياسة ودبلوماسية وحركات اجتماعية دينية ودنيوية مختلفة ومتعارضة. فقد كان هذا المسار الأولي يصنع دون أن يرى كما لو أنه لعبة القدر الجديدة بوصفها قدر الفكرة القومية الصاعدة. لكنها شأن كل حركة متداخلة من روافد عديدة عادة ما تؤدي إلى المصب في نهر الوجد التاريخي والوجدان القومي او التبخر والتلاشي في فضاء الزمن العابر. وفي كلتا الحالتين لابد لهما من أن ينتجا أما حركة لها خريرها في جداول الحياة الحية او تخريبها في سيول الدمار وأخاديد الموت المتحجرة!
وقد تلازمت هاتين الحالتين في آن واحد في الصيرورة الحرجة للحظة التأسيسية الأولى للفكرة القومية العربية الحديثة. وقد يكون نموذجها الرمزي في مقدمات ونتائج المؤتمر العربي الأولي ومصير اغلب شخصياته الكبرى. فقد وضعوا للمرة الأولى أسس وقواعد الفكرة القومية في إطار منظم، وبالقدر ذاته تعرضوا إلى قتل وتشريد. وتشير هذه الحالة المتناقضة من حيث رمزيتها بقدر واحد إلى وجدان وفقدان الفكرة القومية الحديثة. وكان يصعب حدوث شيئا غير ذلك في ظل الفاعلبة الخربة والهائلة للزلل التاريخي الذي تعرضت له الكينونة العربية بعد سقوط مراكزها الثقافية السياسية الكبرى ثم سباتها العميق في ليل العثمانية المظلم، ونهوضها المستقل والجديد في مواجهة كولونيالية اشد بأسا ومكرا.
غير أن للقدر مصيره أيضا، بوصفه جزء من مسار التاريخ الذاتي، أي تهذبه وتشذبه بوصفه جزء من تجربة لها حدودها سواء بمعايير المنطق أو الواقع. وقد كان المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس عام 1913 اللحظة التأسيسية الكبرى في صيرورة الوعي القومي الجديد. ومن ثم مؤشر ودليل عليها بصورة ترتقي إلى مصاف التنظيم المعتدل، أي المكثف لتجارب ما يقارب قرن من الزمن في تجمع وتبلور الفكرة القومية. وذلك لأن مقدماته الفكرية والنظرية كانت تشق لنفسها الطريق في مجرى تنظيم الفكرة الإصلاحية الإسلامية وفكر النهضة الأدبية. وقد تكون شخصيته القابعة في الضمير والوجدان السياسي قد جسدها بصورة نموذجية عبد الرحمن الكواكبي. بعبارة أخرى، إن المؤتمر استطاع للمرة الأولى بلورة الفكرة القومية بوصفها مطلبا سياسيا شاملا له أسلوبه وغاياته الكبرى الآنية والمستقبلية، ومشروعا عربيا خاصا في بناء الدولة والمجتمع والعلاقة بالآخرين (الأتراك والدولة العثمانية والأوربيين)، أي أنه وضع للمرة الأولى فكرة الأنا القومية بوصفها قيم مستقلة بحد ذاتها. وبالقدر ذاته كان يحتوي على إدراك تاريخي ذاته من خلال تمثل ما يفهمه ويضعه ويسعى إليه بوصفه استمرارا لفكرة النهضة العربية والإصلاحية بشكل عام، كما هو جلي في القضايا الجوهرية التي وجدت انعكاسها في وثائق المؤتمر ومواقف شخصياته الأساسية.
فقد كانت الفكرة الأساسية بالنسبة لوعي الذات تنطلق من إدراك القيمة الكبرى لفكرة النهضة. وذلك لما لها من أهمية وبروز جلي متغلغل في الإعداد النظري للمؤتمر، ومن ثم تحديد مساره السياسي. ذلك يعني أن فكرة النهضة التي تراكمت في مجرى قرن من الزمن او اقلل بقليل كانت قد بلغت ذروتها النظرية عبر تمركزها في الوجدان السياسي الصاعد للنخبة المثقفة. إذ جرت الإشارة في وثائقه إلى أن "من مميزات النهضة العربية، أنها ظهرت من شعور عام عند طبقة المنورين بالحاجة إلى اطراح رداء الخمول والأخذ بأسباب الحياة. لاسيما أن العرب هم سلائل واضعي الشرائع ورافعي معالم العمران وناشري أنوار التهذيب" . أما الغايات الكبرى للمؤتمر فقد جرى حصرها في غايتين او هدفين أساسيين هما أولا "حفظ كيان الأمة العربية". والثاني هو "إزالة العقبات من طريق ارتقائها حتى يتسنى لها التجهز بأدوات الحضارة" . إننا نقف هنا أمام تطويع مستقبلي لتاريخ النهضة عبر تحويلها إلى فكرة مستقبلية وقومية. فالإجابة على السؤال القائل: لماذا نهضة العرب؟ مبني على فكرتين الأولى وهي أن "العرب يؤلفون عنصرا مهما بعدده" ، والثاني هو أن "لهذا العنصر ميزة بين العناصر الأخرى وهي وحدة لغته وعاداته ومصالحه وميوله" . بعبارة أخرى إننا نقف أمام إدراك كمي ونوعي للعرب والعالم العربي وكينونته الذاتية ضمن الدولة العثمانية. إنهم الأكبر عددا والأكثر تميزا وخصوصية. وأن لهذه الخصوصية سمات جوهرية أربع وهي اللغة والعادات والمصالح والميول .
وقد كانت تكمن في هذه الرؤية السياسية والمدخل العملي فكرة العروبة القومية والثقافية والسياسية بوصفها نسبا كامنة. إذ نعثر هنا على عبارات تتحدث عن "الأرض المترعة بدم الآباء العظام ورفات الأجداد الأباة" ، وكذلك الدعوة للتحرر من الاستبداد، والمطالبة بالإصلاح على أساس اللامركزية، والتشدد بعبارات مثل "إننا أمة عيوف الضيم لا تستنيم لذل ولا تستكين لمسكنة" . مع ما رافقها من دعوة صريحة للاستقلال كما في العبارة القائلة، "إننا أمة مستمسكة ذات وجود حي لا ينحلّ، ومقام عزيز لا ينال، وخصائص قومية لا تنتزع، ومنزلة سياسية لا تقرع" . فالعرب ليسوا فقط ذوي عدد هائل، بل وصفات تميزهم عن غيرهم في الدولة العثمانية جرى حصرها في اللغة والعادات والمصالح والميول، بحيث جرى رفع ذلك إلى مستوى الشعار القومي كما في العبارة القائلة، "للعرب مصالب خاصة بصفتهم عربا" . بل ونسمع احدهم يشدد (قدورة مطران) على أن "العرب منذ الفتح لم يخضعوا لسلطة فاتح"، وأن "البلدان العربية كانت على الدوام تتمتع باستقلال" (نسبي)، وأن "العرب متحمسون بالجنس قبل الدين وهي فضيلة الشعوب الحية".
وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى الخلافات والاختلاف في تحديد ماهية الأمة على أنه اجتهاد فكري سياسي يعكس فعالية الفكرة القومية والبحث عن تأسيس نظري لها قابل للتجسد في مشروع سياسي واضح المعالم. فقد كان اختلافهم حول شكل ونمط الفكرة القومية، أي حول تحديدها او تأطيرها بنموذج معين. من هنا تصارع وتنافس نماذج الفكرة الألمانية والايطالية والفرنسية. بمعنى اعتبار وحدة اللغة والعنصر (الفكرة الألمانية) هي العناصر الأكثر جوهرية، بينما اعتبر البعض الآخر وحدة التاريخ والعادات (الفكرة الايطالية) الأكثر استجابة لماهية الأمة العربية الجديدة، في حين تمثل الآخر الفكرة الفرنسية القائلة، بوحدة الطموح السياسي . بينما سعى البعض الآخر لتوحيد العناصر الكبرى في كافة هذه النماذج (كما هو الحال عند عبد الغني العريس) الذي قال، بأن العرب "تجمعهم وحدة اللغة ووحدة العنصر ووحدة التاريخ والعادات والمطمح السياسي"، و"نحن عرب قبل كل صيغة سياسية" ، وأن "العرب هم قاعدة الدولة العثمانية. وبالتالي لا يمكن أن تطبّق عليهم أو تنطبق قاعدة "حق الفتح" عليهم .
إننا نقف هنا أمام اجتهاد متنوع يعكس ملامح الصعود المنظم للفكرة القومية من خلال الاستفادة من تجارب القومية المتطورة (الأوربية) من جهة، والاجتهاد التوليفي المستقل من جهة أخرى، بحيث يقف نموذج الفكرة القومية العربية الجديد خارج إطار الزمن العثماني وتقاليد "الفتح" (الاحتلال) أيا كان شكله ونوعه ومستواه. ووجد كل ذلك انعكاسه الدقيق في دقة الإشكاليات الكبرى للمؤتمر. فقد كانت موضوعاته الأساسية تتمحور حول أربع قضايا أساسية وهي كل من الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال، وحقوق العرب في السلطنة العثمانية، وضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية، والمهاجرة من سورية او إلى سورية . وإذا كانت قضية اللامركزية الصيغة الأكثر جلاء وإثارة وبروزا، فلأنها الصيغة غير المباشرة للقوة الكامنة وراء الفكرة القومية الجديدة. وليس مصادفة أن تصبح اللامركزية المطلب الرئيسي للمؤتمر . وفي الوقت نفسه تصبح أسلوب إعادة بناء الدولة العثمانية على المستوى القومي والإداري والسياسي والثقافي والقانوني. فقد توصل المؤتمر إلى أن اللامركزية هي تقوية للعرب والدولة العثمانية، وأنها شرط إصلاح الدولة وإنقاذها من السقوط، كما أنها أسلوب التربية السياسية والنشاط السياسي، وأخيرا أنها تفترض إشراك الجميع ومساواة الجميع أمام القانون، مع ما يترتب عليه من إنشاء سلطة عليا نيابية على أساس النسب الصحيحة، واستقلالية تامة في الشئون الداخلية .
لقد بلغت الفكرة القومية الجديدة هنا ذروتها الأولية من حيث التأسيس والأسلوب والغاية، بوصفها رؤية ومشروعا واقعيا وعقلانيا. وقد يكون انتشار الرؤية النقدية والعقلانية والواقعية الصيغة الأكثر وضوحا بهذا الصدد. تميز المؤتمر وخطاباته بروح نقدي وعقلاني في تناول القضايا الأساسية. إذ نعثر فيه بقدر واحد على نقد الدولة العثمانية، ونقد العصبية التركية، دون أن يسكب ذلك في إعلان ضرورة هدم الدولة العثمانية، كما لم يؤد إلى إثارة النعرة القومية الضيقة ضد الأتراك. على العكس لقد سارت الفكرة صوب توليف الواقعية والعقلانية من خلال إعلان أهمية وقيمة الدولة العثمانية القوية من خلال وضعها على أسس قانونية جديدة ومتكافئة من حيث تفعيل مقوماتها القومية. فقد كان الإدراك السائد يصب في تأسيس الفكرة القائلة، بأن سبب فساد الحياة هو فساد النظام السياسي الاستبدادي . الأمر الذي دفع بالبعض (قدورة مطران) للتشدد في فكرة سلامة وضرورة ارتباط العرب بالدولة العثمانية وتوثيق العلاقة بالأمة التركية، لأنه "اسلم عاقبة وخيرا من أي ارتباط سواه" .
وحددت هذه الأفكار والمواقف ما يمكن دعوته بالحلول والبرامج الواقعية للفكرة السياسية القومية. ولعل أكثرها عمقا من حيث التأسيس والوسيلة والغاية هي الفكرة التي وضعها عبد الحميد الزهراوي عن أهمية التربية السياسية عبر الدعوة إلى "خلق جيل فعال سياسيا" . إذ جرى التوصل إلى أن الذين لا تربية سياسية عندهم لا تثبت مصالح عامة لهم . وأن الغاية من وراء هذه التربية السياسية هو بلوغ هدف تثبيت اللامركزية . مع ما يترتب عليه من ضرورة وجود حكومة تعمل لمصلحة الشعب وعليها رقيب (فكرة الرقابة) . فإذا ثبت أن للعرب وجود قومي وسياسي مستقل، فإن ذلك يستلزم حقوقهم في كل من السلطة والقوة التشريعية والقوة الاجرائية (التنفيذية) . وهذا بدوره يعني أن الارتباط بالسلطنة مرتبط بمدى تحقيق حقوق العرب. وذلك لان الواقع يشير إلى غبط حقوق العرب في التمثيل (مجلس الأعيان + النواب) . وحدد هذا أيضا ضرورة وجود فاعل في السلطة التنفيذية (الوزارة). من هنا بلورة المؤتمر لست مطالب كبرى أساسية وهي كل من تحويل العالم العربي إلى كيان مستقل، وإيجاد الوحدة بين الوزارة والأمة (وحدة مطلقة)، وتحديد نسب المشاركة في كل شيء، انطلاقا من أن العرب نصف المملكة (وبالتالي لنا نصف القروض أيضا)، وحق اللغة (عبر تحويل العربية إلى لغة رسمية)، والشراكة في إدارة الدولة العامة، وأخيرا الاستقلال التام في إدارة الشئون الخاصة .
واستتبعت هذه الرؤية العامة والشاملة من حيث تنظيمها الداخلي للأولويات جدولة النتائج العملية السياسية للمؤتمر، كما هو جلي في اتخاذه لسلسلة القرارات الأساسية الداعية إلى اعتبار الإصلاحيات الحقيقة واجبة وضرورية للمملكة وينبغي أن تنفذ بسرعة، وأن يكون مضمونا للعرب التمتع بحقوقهم السياسية وذلك بالاشتراك في الإدارة المركزية اشتراكا فعليا، وإنشاء إدارات لا مركزية في كل ولاية عربية، واستقلالية ولاية بيروت مع مطلبين: الأول وهو توسيع سلطة المجالس العمومية، والثاني وهو تعيين مستشارين أجانب، واعتبار اللغة العربية لغة معتبرة في مجلس النواب العثماني وكذلك اللغة الرسمية في الولايات العربية، وأن تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الحالات القصوى، وأن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل تحسين ماليتها، وأخيرا تأييد مطالب الأرمن في اللامركزية. كما جرى إدراج ملحق بهذه المطالب يحتوي على قضيتين أساسيتين الأولى: امتناع الأعضاء العرب في العمل في مناصب الدولة ما لم تنفذ هذه القرارات، والثانية: أن تكون هذه القرارات برنامجا سياسيا للعرب العثمانيين .
إن تحويل الفكرة إلى برنامج سياسي، والبرنامج السياسي إلى فكرة هو التعبير النموذجي عن بلوغ الفكرة القومية وعيها الذاتي بوصفها مشروعا تاريخيا جديدا. لهذا لم يكن يخلو من ثقل الزمن العثماني وأثره المباشر وغير المباشر في توسيع مدى الأوهام أيضا، إلا أنها أوهام النمو الثقافي والسياسي. فقد كانت أوربا بالنسبة لتقاليد فكرة النهضة الحديثة العربية نموذجا أو منارا أو مرتعا أو ملجأ كما كان الحال بالنسبة لأولئك الذين بلورا الفكرة العربية في بدايتها، وأصحاب المؤتمر القومي بشكل خاص. الأمر الذي جعل من أوربا عالما لا علاقة له بالجغرافيا السياسية ومطامعها، إلا أن لهذا الوهم ما يبرره على خلفية الجغرافية السياسية العربية المتهرئة في ظل السلطنة العثمانية. من هنا التصور والحكم المتناقض في الموقف من أوربا ودورها بالنسبة للعالم العربي. ففيه نعثر على اعتراف سليم نسبيا عن دورها الحضاري الحديث بالنسبة للعالم العربي كما هو واضح في العبارة التي أقرتها وثائق المؤتمر عن أن "المدنية الأوربية العصرية هي التي انتشلتنا من سباتنا العميق" . وتوسيع مدى هذا التصور والحكم إلى ميدان العلاقة السياسية. بمعنى الانطلاق من مقدمات سليمة نسبيا والتوصل إلى أحكام خاطئة من حيث المعنى والحقيقة، كما هو جلي في الحكم القائل، بأن "أوربا هي مرتع الحرية، وليس يعنيها سوى هم تحرير العرب من السيطرة العثمانية أو تحرير العثمانية نفسها من الاستبداد".
إلا أن المعنى التاريخي الأعمق للبرنامج السياسي القومي للمؤتمر يقوم أساسا في إعلاء شأن الفكرة القومية بوصفها فكرة سياسية واجتماعية من طراز جديد. ومن ثم حل إشكالية الديني والدنيوي بطريقة تكفل حيوية وفاعلية ومستقبل الفكرة القومية بوصفها فكرة دنيوية ومدنية. فقد أشارت وثائق المؤتمر إلى انه لا صفة دينية فيه. وأن كل أعماله تنحصر في الشئون الاجتماعية والسياسية. وذلك لأن الرابطة الدينية عجزت دائما عن إيجاد الوحدة السياسية . بل نسمع الزهراوي يقول أن الرابطة الدينية لا توجد إلا حيث توجد حكومة إسلامية، والعاطفة الإسلامية لم تقدر مرة من المرات أن تحمل أميرا مسلما على التنازل عن حقوقه لأمير أخر من المتدينين . ذلك يعني أن "الحكومة الإسلامية" لم توجد من حيث كونها نظاما مفترضا، بينما الواقع يشير إلى البديل الواقعي والعقلاني والفعلي هو الذي يتمسك بقواعد الفكرة المدنية والنظام الاجتماعي الدنيوي. وهذه بدورها ليست إلا المكونات الضرورية للفكرة القومية الحديثة.
إن بلوغ هذا المستوى النظري والعملي كان يحمل في طياته معاناة الصعود الأول للفكرة القومية وشروق شمسها اللامعة! وشأن كل شروق من هذا القبيل يحمل في أعماقه نهضة الناهض ونعاسه! إذ ارتقت الفكرة القومية للمرة إلى مستوى المشروع السياسي العام للعالم العربي ككل. كما أنها وقفت أمام مهمة تحديد ماهيتها. وقد كان ذلك السؤال الفلسفي الأول والأكبر من أجل الانتقال إلى إشكاليات الكيفية والسببية. كما استطاعت أن تجعل من نفسها السكة الموازية لتقاليد الحرية ووجدان الذات الثقافية عبر بلورة تقاليد جديدة للغة القومية الحديثة ووعيها الذاتي. وبهذا تكون قد بلورة بوعي أو دون وعي الأسئلة المتعلقة بمقدمات ظهورها التاريخي الحديث. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الأولية لإدراك الحدود التلقائية الذاتية للفكرة وغاياتها.
ومن الممكن رسم المعالم الظاهرية لهذه الحالة الحرجة بالنسبة للفكرة القومية على مثال رسم معالم النسبة الفعلية بين تبلورها التاريخي ضمن العثمانية (كما هو الحال عند الزهراوي) وبين تأثرها بالحداثة الأوربية (كما هو الحال عند نجيب عازوري). من هنا هيمنة الطابع السياسي عليها. ومن ثم أثره بالنسبة لتعرضها الشديد لضغوط العثمانية (القومية التركية المبطنة والمتخلفة) والأوربية (القومية الكولونيالية العلنية والمستفحلة)، مع ما ترتب عليه من "حدود" التشويش والتشويه فيها وعليها. إلا أنها تراكمت رغم كل العقبات التي اعترضت مسارها الطبيعي، ومن ثم نمو وتراكم وعيها الذاتي الخالص الذي نعثر على صورته النموذجية الأولى في أعمال ونتائج وقرارات وأفكار الصيغة النظرية الباطنية للمؤتمر الأول.
إلا أن الانقطاع الراديكالي الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى قد أدى إلى تحلل واندثار العثمانية (بالنسبة للعالم العربي) وعوضا عن وحدته المتفسخة ظهرت دويلات نشطة جديدة. الأمر الذي أدى إلى عدم التقاء الإرث المتراكم في الفكرة العربية والإصلاحية الإسلامية، بسبب انقطاعهما عن الأرضية المشتركة لوحدة الهموم والمتطلبات العملية المباشرة. فعوضا عن ظهور مركز سياسي واحد وموحد ظهرت مراكز، وعوضا عن الوحدة الحية للصراع وما يترتب عليه من اجتهاد يناسبها، نشأت حالة الهوس الملازمة لتشتت القوى والتوجهات بفعل تباين المهمات وحدود الجغرافيا السياسية للدولة المستحدثة. ومن ثم اختلاف الوسائل والمهمات والغايات. الأمر الذي أدى إلى انقطاع إمكانية تبلور نخبة فكرية ثقافية سياسية واحدة وموحدة فيما يتعلق بفكرة المرجعيات الكبرى المتسامية في العالم العربي (الشام والعراق) و(الجزيرة).
فقد تعرضت مرحلة النشوء الأولية وتراكم الفكرة والهموم في أواخر العثمانية المتفسخة إلى هباء منثور في طي الاحتمالات اللاعقلانية الجديدة التي جعلت منها الكولونيالية الأوربية "مشروعا حداثيا"! فقد أدى ذلك إلى رمي كل الحصيلة الكبرى للمعاناة التاريخية للنهضة والإصلاح في رياح الجديد والتجديد الجزئية والمفروضة بقوة الاحتلال الكولونيالي الأوربي. إلا أن ذلك لم يقض على قوة البراعم الناشئة بأثر صعود الفكرة القومية. لاسيما بعد أن قطعت هذه الفكرة الشوط الضروري الأولي، أي الانتقال من حيز العدم والإمكان إلى حيز الوجود والأعيان. إذ تحولت الفكرة إلى مشروع سياسي عام. كما بلغت فكرة بناء الكيان السياسي للقومية وعي تجسيدها الجغرافي، أي بلورة حدود الجغرافيا السياسية للفكرة القومية.
فإذا كانت التجزئة الكولونيالية قد أجهضت مشروع الدولة – الأمة الموحدة، بوصفه مشروع الفكرة القومية العربية الحديثة، فأنها لم تفعل في الواقع إلا على جعله مشروعا مؤجلا (وليس معطلا). وعوضا عنه ظهرت مختلف المشاريع الجزئية والمصغرة والمتباينة والمتنوعة والمختلفة والمتضادة للدولة الوطنية (أي القومية المؤجلة). بحيث تحولت الدولة الوطنية (القطرية) إلى عالم صغير لعالم كبير (عربي). وم ثم قلبت الحالة الطبيعية للمنطق وجعلت منها حالة طبيعية عبر تقديم الواقع على الإمكان! لكنه لم يكن بإمكانها إعدام هذه الدورة. على العكس! أنها وضعتها ضمن سياق تاريخ آخر أطول وأعسر وأعقد، لكنه واقعي أيضا. ومن ثم تحويل كل الاحتمالات الكامنة في هذه الحالة الجديدة إلى جزء من مسار ومصير ملهم ومعذب للتاريخ الواقعي والفكري على السواء.
***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو