الحوار المتمدن - موبايل


ضعف مشاركة الشيعة في حكومات عراق ما قبل عام 2003 ... مسؤولية من ؟

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


إبتداء أقول أن ما سأتحدث به هنا , إنما يمثل وجهة نظر شخصية قابلة للخطأ والصواب , بقصد تسليط الضوء على مشكلة باتت تتفاقم في العراق يوما بعد آخر , وتستغلها أطراف خارجية لا تهمها مصلحة العراق , حيث تقوم بتأجيج الصراعات والفتن الطائفية بين أبناء البلد الواحد الذين عاشوا في كنف وطن واحد آلاف السنين , دون أن يفسد الإختلاف في الرأي والعقيدة أواصر الود والمحبة بينهم , فإختلاف الأراء بين الناس حالة طبيعية تشهدها بلدان العالم المختلفة . وددت أن أتحدث هنا عن حالة ضعف مشاركة الشيعة الفاعلة في حكومات عراق ما قبل 2003 . لا أتحدث هنا نقلا عن مصادر أو وثائق تاريخية , إنما عن تجربة حياة إمتدت عدة عقود عايشت خلالها فترة الحكم الملكي والحكومات الجمهورية المختلفة , لامست من خلالها بوضوح ضعف مشاركة الشيعة, بتولي مواقع قيادية في الحكومات العراقية التي تعاقبت على حكم العراق, منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 التي لعب الشيعة بولادتها وتأسيسها دورا أساسيا , بدءا بثورة العشرين التي إندلعت في الثلاثين من حزيران في مدن الفرات الأوسط ضد القوات البريطانية الغازية , بمشاركة عشائرها ومباركة مراجعها الدينية , وإنتهاءا بتنصيب الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة , ملكا متوجا على العراق.لم يبدي الشيعة رغبة واضحة بتولي قيادة العراق يوما , إذ أنهم لم يرشحوا شخصا من بينهم لعرش العراق ولا حتى لرئاسة الوزراء بعد إنسلاخ العراق من الدولة العثمانية وتأسيس دولته, كما لم يترأس أي منهم رئاسة حزب سياسي , ربما بإستثناء جعفر أبو التمن الذي أسس الحزب الوطني وترأسه. إنصرف بعضهم لممارسة التجارة التي برعوا بها كثيرا , وتحالف كبار شيوخ عشائرهم مع رؤساء الحكومات الذين منحوهم قطعا أميرية لللتصرف بها زراعيا لحسابهم , ليصبحوا إقطاعيين كبار على حساب فلاحيهم الذين ذاقوا شظف العيش.
وبرغم كل ما قدمه أبناء محافظات وسط وجنوب العراق من تضحيات جسام ,إلاّ أنه يلاحظ لم يكن لهم دور يذكر بتشكيل الحكومات أو تولي مناصب قيادية فيها . ولعل من المفيد أن نشير هنا قبل الدخول بتفصيلات موضوعنا هذا, أن من رشحوا لتولي عرش العراق , سواء فيصل بن الحسين أوطالب النقيب أو الشيخ خزعل الكعبي أمير منطقة الأحواز الخاضعة حاليا لسيطرة إيران الذي كان يطمح هو الآخر لتولي منصب ملك العراق, كانوا جميعا من أصول غير عراقية , وكأن العراقيين بأطيافهم المختلفة غير مؤهلين لحكم بلادهم .
كان عبد الرحمن الكيلاني أول من تولى منصب رئيس الوزاء , وهو من أصول غيرعراقية كما يدل أسمه على ذلك ومن الطائفة السنية . ومنذ ذلك الحين بقي هذا المنصب حكرا على أبناء الطائفة السنية حتى العام 1947 , حيث تولى فيه صالح جبر من الطائفة الشيعية هذا المنصب لأول مرة, بعدها تغيرت الوزارات (16) مرة حتى سقوط نظام الحكم الملكي عام 1958, تولى خلالها ثلاثة من أبناء الطائفة الشيعية فقط هذا المنصب ,هم : محمد الصدر وفاضل الجمالي وعبد الوهاب مرجان . كانت جميع المناصب العسكرية العليا المتمثلة برئاسة أركان الجيش وقيادة الفرق العسكرية وبقية تشكيلات الجيش والشرطة حكرا على أبناء الطائفة السنية , أما الجنود وضباط الصف كانت غالبيتهم من الشيعة .
لم يختلف الحال في العقود الجمهورية اللاحقة كثيرا كما قد يعتقد البعض , حيث بقيت قيادة البلاد والعباد بيد أبناء الطائفة السنية , وإن لم يكن ذلك نابعا من منطلقات طائفية , لكنه كان معبرا عن واقع حال العراق السياسي الذي يلعب فيه السنة دورا قياديا تحت مسميات وواجهات سياسية مختلفة يومذاك , فقادة إنقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 كانوا جميعا من القادة العسكريين السنة بحكم تركيبة الجيش العراقي التي أشرنا إليها قبل قليل , بإسستثناء ناجي طالب الذي أسندت إليه وزارة الشؤون الأجتماعية في تشكيلة الحكومة الإنقلابية, التي تولى فيها عبد الكريم قاسم منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة , وعبد السلام عارف منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية , وطاهر يحيى منصب مدير الشرطة العام , وأحمد صالح العبدي رئيسا لأركان الجيش , وجلال الأوقاتي قائدا للقوة الجوية وجميعهم من ابناء الطائفة السنية , وأنيطت قيادة الفرق العسكرية إلى ضباط من الطائفة نفسها, ولم ينل الشيعة من المناصب الوزارية سوى ثلاثة حقائب , هي وزارة الإقتصاد التي شغلها السياسي اليساري المستقل إبراهيم كبة , ووزارة الزراعة التي شغلها ممثل الحزب الوطني الديمقراطي هديب الحاج حمود , ووزارة الإعمار التي شغلها يومذاك الشاب المهندس المعماري فؤاد الركابي أمين عام حزب البعث العربي الإشتراكي. وحتى عندما كان الحزب الشيوعي يطالب بإشراكه بالحكومة عبر المظاهرات الواسعة التي شهدتها بغداد ومعظم محافظات العراق عام 1959 , لم تتم إستجابة مطلبه , إلاّ بتعيين نزيهة الدليمي وزيرة للبلديات.
وبرغم خلو وزارة عبد الكريم قاسم من قيادات سياسية بارزة , فقد حظيت حكومته بتأييد شعبي منقطق النظير , وبخاصة في محافظات الوسط والجنوب دون النظر إلى خلفيات قادتها ووزرائها الطائفية , بل تغليب هوياتهم وتوجهاتهم السياسية معيارا للوطنية. كان أبناء محافظات الوسط والجنوب أشد المدافعين عن حكومة عبد الكريم قاسم حيث قدموا آلاف الضحايا دفاعا عنها بوجه إنقلابي الثامن من شباط الذين تمكنوا من الإطاحة بهذه الحكومة الوطنية على الرغم من بعض المآخذ عليها .
وبقي أبناء الطائفة الشيعية يعانون غبنا طائفيا مقصودا كان كما يرى البعض , أو غير مقصودا كما يدعي آخرون , فالحال واحدا إذ أن هناك توزيعا غير عادل بإشغال الوظائف القيادية ,التي لم تراعى فيها معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة , إنما أساسها المحسوبية والمنسوبية والمناطقية والولاءات السياسية, وربما بعض الإنتماءات العشائرية والدينية والطائفية , والتي جميعها تتقاطع مع مبدأ الإنتماء الوطني الذي يفترض أن يسمو فوق كل إنتماء . إحتكر أبناء المحافظات الشمالية والغربية جميع المواقع القيادية العسكرية والمدنية في جميع مرافق الدولة العراقية حتى العام 2003 , الأمر الذي ولد شعورا بالإحباط والغبن لدى قطاعات وشرائح واسعة لدى سكان محافظات العراق الأخرى .
لو ألقينا نظرة سريعة على كافة التشكيلات الحكومية منذ تأسيس الدولة العراقية حتى العام 2003 , لوجدنا أن معظم قياداتها من نسيج واحد, وإن تعددت الأشكال والواجهات والمسوغات والمبررات , فمعظمهم من أبناء محافظات معينة , وكأنهم وحدهم من لديه القدرة على إدارة البلاد دون سواهم , فهل حقا أنهم كذلك , أم أن هناك ثمة أسباب معينة أدت إلى ذلك ؟.هنا نقول أن هناك ثمة أسباب ذاتية وموضوعية أدت إلى هذه الحالة الشاذة التي إستمرت إلى يومنا هذا , وتفاقمت إلى حد الإحتراب والإقتتال الإثني والطائفي بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003, التي يمكن أن نوجزها بالآتي :
1. ألقى الأرث التاريخي للعراق بضلاله الطائفية الثقيلة على العراق , حيث حكم العراق ولاة وقادة معادين للشيعة مذهبيا منذ عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين الذي إمتد قرونا عديدة , الأمر الذي نجم عنه شعور بالخوف والريبة لدى الشيعة من الحكام عموما , وحالة إنفصام وعدم ثقة بين الطرفين حكاما ومحكومين , وشعور لديهم بالغبن ومصادرة حقوقهم ,بل شعور بأحقيتهم بالحكم من سواهم , وخوفهم المستمر من بطش السلطة , وبخاصة أنهم يمثلون أقلية سكانية في إمبراطوريات مترامية الأطراف, وهم بهذا الوصف لم يكن متاحا لهم المشاركة بأي قدر في السلطة ولو كان قدرا يسيرا.
2. ولأن الدولة العراقية الحديثة قد تمخضت من الدولة العثمانية المنهارة , فأنه أمر طبيعي أن تستعين الدولة العراقية الفتية ببعض الكوادر العراقية المدنية والعسكرية التي خدمت الدولة العثمانية , ليكونوا نواة الدولة الجديدة , وهو ما حصل فعلا عند تأسيس المملكة العراقية حيث تولت هذه الكوادر قيادة العراق وهم جّلهم وإن لم يكن جميعهم من أبناء الطائفة السنية , الذين بدورهم فتحوا المجال واسعا أمام معارفهم من أبناء مناطقهم , لتزداد بذلك قبضتهم على مقاليد الحكم وتتعزز سيطرتهم . ومما زاد الأمور سوءا عزوف أبناء الطائفة الشيعية (على قلة المؤهلين منهم ) من المشاركة في الوظائف الحكومية بمختلف مستوياتها لمدة طويلة بتحريض من بعض رجال الدين بدعاوى باطلة , مفادها فساد الحكام وإغتصابهم المال العام خلافا للشريعة الإسلامية , وعدم جواز تلقي الموظفين أية رواتب منها .
3. إمتناع معظم أبناء محافظات الوسط والجنوب من الإلتحاق بالمدارس الحكومية لمدة طويلة بدعوى أنها تعلم التلاميذ علوم مخالفة للشريعة الإسلامية , كي لا يخرجوا عن طاعة سلطة رجال الدين , وبذلك حرموهم من فرص التعليم الحديث , وتسببوا بتأخر محافظاتهم عن بقية محافظات العراق , وبالتالي حرمانهم من الوظائف الحكومية ناهيك عن المواقع القيادية فيها . ويتضح ذلك جليا بفحص تاريخ العراق الحديث حيث نرى أن أغلب أطباء العراق وكوادره العلمية المتقدمة في سنوات تأسيس دولته كانوا من اليهود والمسيحيين والطوائف الأخرى كما تؤكد ذلك السجلات الرسمية, لدرجة كنا نتخيل فيها أن هذه المهن حكرا على تلك الطوائف دون سواها . يكفي أن نشير هنا إلى البعض منهم على سبيل المثال لا الحصر . فمن منا لا يعرف ساسون حسقيل أول وزير مالية يهودي عراقي , وجاكي عبود أشهر طبيب أعصاب يهودي عراقي , والمسيحي الدكتور متي عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد , وبعده الصابئي المندائي العالم الفيزيائي الفذ الدكتورعبد الجبار عبد الله , والدكتور عبد العزيز الدوري أستاذ التاريخ الإسلامي, وآخرين كثر لا يتسع المجال لذكراهم في صنوف العلوم والمعارف المختلفة الذين الذين أسهموا ببناء دولة العراق قبل أن تنالها يد العدوان . تميزت المحافظات الشمالية والغربية بإندفاع أبناؤها نحو التعليم , ولا عجب أن نرى أن أبناء مدن صغيرة مثل راوة وعنه وحديثة وتكريت وسامراء قد خرجت أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين والعلماء والمفكرين , تفوق أعداد المتخرجين من مدينة كبيرة كالبصرة والحلة ذات الثقل السكاني الأكبر والأرث الحضاري العظيم الذي أثرى الحضارة الإنسانية , ناهيك عن أعداد المتخرجين من مدينة الموصل.
4. عزوف معظم أبناء الوسط والجنوب من الإلتحاق بصنوف القوات المسلحة المختلفة , بخلاف ما عليه الحال في المحافظات الشمالية والغربية , الأمر الذي عزز سيطرة أبناء هذه المحافظات على جميع المواقع العسكرية القيادية , وتقوية مواقعها القيادية في الدولة , حيث لعب الجيش دورا قياديا في إدارة الدولة العراقية في الحقب المختلفة . ولا عجب أن تقوم سلطة الإحتلال الأمريكي بحل الجيش العراقي برمته عندما غزت العراق وإحتلته عام 2003, لتأمين سيطرتها وهيمنتها على العراق لأطول فترة ممكنة.
5. وعندما أدرك أبناء هذه المحافظات أهمية التعليم الحديث , وإلتحقوا بمدارسه توجه الكثير منهم ممن نال قسطا من التعليم نحو الأحزاب السياسية الثورية اليسارية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي , والأحزاب القومية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الإشتراكي , حيث كان معظم كوادرهذه الأحزاب المتقدمة والمؤسسة لها من أبناء محافظات الوسط والجنوب , الأمر الذي عرض الكثير منهم للملاحقة من السلطات الحاكمة وسجنهم وتشريدهم وحرمانهم من الوظائف الحكومية وابسط وسائل المعيشة لفترات طويلة .
6. شهدت البلدان العربية في عقد السبعينيات من القرن المنصرم تنامي حركات الإسلام السياسي في أعقاب هزيمة العرب الكبرى من قبل إسرائيل عام 1967 , ومنها العراق الذي برزت فيه أحزاب الإسلام الشيعية التي إلتحقت بها أعداد غير قليلة من أبناء محافظات الوسط والجنوب , حيث قامت هذه الأحزاب ببعض الأعمال المسلحة ضد السلطة الحاكمة , التي قامت بدورها بتصفية الكثير من عناصرهذه الأحزاب دون رحمة , الأمر الذي عمق لديها روح العنف والحقد الطائفي الذي تجلت بعض مظاهره بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003.
من ذلك يتضح أن ضعف مشاركة الشيعة في حكومات ما قبل العام 2003 , إنما يعود إلى أساب ذاتية وموضوعية , يتعلق الجانب الموضوعي بالبيئة التاريخية الموروثة للعراق , وفي الجانب الذاتي ضياع الشيعة لفرص التعليم مقارنة مع الطوائف الأخرى لاسيما أنهم يعانون من عقبات الموروث التاريخي التي تحتم عليهم بذل جهد أكبر لنيل حقوقهم .لذا ليس مستغربا أن تتحرك القوى الأخرى لشغل الفضاء السياسي المتاح لها وإقصاء كل خصومها بجميع الوسائل الممكنة , وبخاصة أن معظمها حكومات مستبدة تستمد شرعيتها من إمتلاكها وسائل القوة والقدرة على تكميم الأفواه .
وأخيرا نقول أن نيل الحقوق لا يتم منحة أو تبرعا من أحد , إنما ينتزع بالجهد والعمل الدؤوب. ويكمن خلاص العراق من أدران الطائفية , بإقامة نظام حكم مدني ديمقراطي على أساس الإنتماء الوطني للعراق , وسيادة القانون والحكم الرشيد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م


.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو




.. التوسعتان الأولى والثانية للحرم المكي الشريف شكلتا بعداً جما


.. الاتحاد الأوروبي يدعو روسيا لسحب قواتها من الحدود مع أوكراني