الحوار المتمدن - موبايل


مارتن هايدغر والنّازية: العلاقة الغامضة

بوناب كمال

2020 / 12 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في منتصف الأربعينيات من عمره، اُنتخب مارتن هايدغر عميدًا لجامعة فرايبورغ نهاية أفريل 1933، وأصبح بعدها عضوا في الحزب النازي؛ واُشتهر هايدغر بكتاب "الكينونة والزمان" سنة 1927، والذي يعتبر من أكثر كتب الفلسفة صعوبة وتفسيرا وإثارة للجدل، علاوة على مقالات ودراسات متنوعة حول الفن واللغة والتكنولوجيا والشخصيات الرئيسية في التقاليد الفلسفية الغربية من بارمينيدس وأناكسيماندر وصولا إلى هيجل وكانط ونيتشه؛ ومن بين معاصريه يمكن أن يكون فتغنشتاين منافسا وحيدا له في عمقِ وتأثير فكره؛ فالفلسفة بالنسبة لـ هايدجر لم تكن مجرّد سعيٍ فكري بقدر ما كانت توضيحًا عن "الكون الأصيل" في مسعى البحث عن المعنى.
إنّ مكانة هايدغر كفيلسوف وتأثيره الهائل واهتمامه بمشكلة الأصالة تجعلُ من تولّيه رئاسة جامعة فرايبورغ وارتباطه بالنازيين عام 1933 أمرا مُزعجا للغاية؛ قد يعترض البعض على أنه لم يكن في الإمكان التنبؤ بالطابع الهمجي للنظام النازي في ذلك الوقت المبكّر؛ هذا الحكم تدحضه عديدُ الشواهد، ففي شهر فيفري (شهرين قبل تعيين هايدغر في منصبه) أُصدر مرسوم الطوارئ لحماية الشعب والدولة، والذي علّق فعليًا الحقوق المدنية، وفي شهر مارس ،وبالقرب من داخاو، تمّ افتتاح أول معسكر اعتقال للنازيين تحت إشراف هاينريتش هيملر، وفي أفريل تمّ سنّ تشريع إعادة بناء الخدمة المدنية والذي دعَا إلى تقاعد جميع موظفي الخدمة المدنية الذين هم من أصلٍ غير آري؛ لقد عايشَ هايدغر برنامج التنسيق أو إعادة البناء (Gleichschaltung) الهادف إلى جعل جميع جوانب الحياة الألمانية ،بما فيها الحياة الأكاديمية، متوافقةً مع مُثل الدولة الاشتراكية القومية.
ما الذي يعنيه أنّ مفكّرا في مكانة هايدغر ، يتحدّى السطحية وعمى العصر المظلم، أن يكون عميدا لجامعة فرايبورغ في لحظة تنجرف فيها الجامعة الألمانية إلى المجهول؟ ما كانت علاقته بالنازيين؟ وما هي الصّلات ،إن وُجدت، بين فكره والفكر الاشتراكي القومي؟ وما هي انعكاسات سلوك هايدغر أثناء وبعد رئاسته الجامعة على السلطة الأخلاقية لفلسفته؟
يوفّرُ نشر وثيقتين في تلك الفترة ،ذات صلة بمهنة هايدغر، فرصة مناسبة للنظر في هذه الأسئلة؛ الأولى هي "تأكيد الذات للجامعة الألمانية" وهو الخطاب الذي ألقاه هايدجر في ماي 1933 بمناسبة تولّيه منصب مدير الجامعة، والثانية هي "إدارة الجامعة 1933/ 1934 حقائق وأفكار"؛ بدايةَ، يمكن تلخيص كرونولوجية إدارة هايدغر للجامعة في تولّي عالم التشريح البارز فيلهلم فون مولندورف للمنصب في 16 أفريل 1933، ونظرا لأنه ديمقراطي اشتراكي لم يكن مولندروف مقبولا للنظام الجديد وتمّ إجباره على التّنحي؛ يقول هايدغر أنه وافقَ خلافته على مضض شديد، حيث لم تكن لديه أي خبرة إدارية ولم يكن منتسب سياسيًا؛ كتبَ في حقائق وأفكار "لذلك لم يكن الأمر مؤكّدا، ما إذا كان أولئك الذين في مركز السلطة السياسية سيستمعون إلي وإلى ما يبدو لي ضرورة وذا أهمية"؛ ولكن على الرغم من أنه لم يكن ينتمي في السابق إلى أي حزب سياسي، وافق هايدغر على الانضمام للحزب النازي بعد فترة وجيزة من توليه منصب رئاسة الجامعة، وهو يدّعي في حقائق وأفكار أنه "انضمّ فقط لمصلحة الجامعة، وبشرطٍ صريح هو أنني لن أتولّى منصبًا حزبيا أو أنخرط في أي نشاط حزبي"؛ وبالفعل، كانت فترة هايدغر في رئاسة الجامعة وفي عضوية الحزب قصيرة؛ تحدّى فيها بشكل متكرر السياسة الرسمية، إذ عيّن عمداء يهود وحظر نشْر ما يسمى بـ "إشعار اليهود" على ممتلكات الجامعة ومنعَ حرق كتبهم، وهو ما أدّى به إلى صراع مع السلطات النازية؛ ووصلت الأمور إلى ذروتها مع نهاية فبراير 1934، حين طُلب من هايدغر عزل اثنين من العمداء الذين عيّنهم (مولندورف في كلية الطب، و إريك وولف في كلية الحقوق)، رفض ذلك، وبعد عشرة أشهر فقط من تولّيه منصب رئاسة الجامعة استقال هايدغر احتجاجا.
دافعت حنّة أرندت عن مواقف هايدغر، ورأتْ أنه صحّح خطأه في أسرع وقت ممكن، كما أنه لم يكن مبرمجًا على الأيديولوجية النازية، وفهمه للفاشية مشتقٌّ من المستقبليين الإيطاليين أكثر من الاشتراكية القومية، كما أنّ الانجذاب إلى الاستبداد ،حسب أرندت، يمكن إثباته نظريًا لدى كبار الفلاسفة والمفكرين بدءًا من أفلاطون، ويمكن استثناء كانط من ذلك؛ حنّة تجزمُ بأنّ هايدغر لم يقرأ كتاب كفاحي ولم يكن معاديًا للسامية.
في ما يتوافق مع دفاع أرندت، شرحَ هايدغر في خطابه شعار تأكيد الذات للجامعة الألمانية بـ "أنْ نضعَ مهمّتنا الخاصة ونقرّر لأنفسنا الطريقة التي تُحقّق ذلك"؛ هذا الطموح لم يتوافق مع المقولة النازية بالخضوع المطلق للدولة؛ في خطابه لم يذكر هتلر و العِرق والاشتراكية القومية، وما يدعمُ حجج أرندت أكثر هو سحبُ النازيين خطابه عن التداول بعد استقالته وتقييد أعماله واستبعاده عن الوفود الألمانية في الاجتماعات الفلسفية، وفي عام 1944 أصبح فيلسوفًا مُستغنًى عنه وأُرسل لفترة وجيزة لحفر الخنادق بمحاذاة نهر الرّاين الأعلى.
في مقابلةٍ مع جريدة دير شبيغل سنة 1966 قدّم هايدغر نفسه على أنه بطل غيْري يخدم جوهر الجامعة الألمانية فوق الاقتتال الداخلي والسياسة الأكاديمية التافهة، وهو الأمر الذي يَنفيه المؤرخ الألماني هوغو أوت حين يؤكّد أنّ هايدغر لم يُنتخب بالإجماع لإدارة الجامعة وأنه كان يهدفُ إلى أن يصبح الزعيم الروحي لجامعة الفوهرر ولنظام الجامعة الألماني بأكمله، لقد راسل فعليًا هتلر بتاريخ 20 ماي 1933، وكتب جوزيف سوير في مذكراته أن الزميل والتر يوكين اشتكى من أنّ هايدغر يتصرّف فقط لمصلحته الخاصة وفق نظام الفوهرر؛ من الواضح أنه يشعر بأنه الفيلسوف المولود والقائد الروحاني للحركة الجديدة والمفكّر العظيم منذ هيراقليطس.
حَصرَ هايدغر مهمّته في أنها تكمنُ في التّغلب على التجزئة والانقسام الاصطناعي بين التخصصات التي أوجدها التخصص المفرط منذ 1913، وكذا معارضة الحرس القديم للجامعة الذي كان يسعى إلى الحفاظ على الوضع الرّاهن؛ غير أنّ تعاميه عن شرّ النازية خلال فترة إدارته للجامعة وتراجعه إلى الهدوء السياسي المطلق في السنوات اللاحقة، من شأنهما أن يكونا تهديدًا دائمًا لسلطة إلهامه الأخلاقية والفلسفية؛ فاللغة الأكاديمية المتطوّرة التي تُوازن بين هذا وذاك تساهم ماديًا في ظهور اللامبالاة، فكيف يمكن منحُ مشكلة الرّداءة الأكاديمية وزنًا مساويًا لوحشية برنامج هتلر؟؛ كان هايدغر مدركًا لتأثير النازية على الحياة الثقافية في ألمانيا، وعايشَ فرار العديد من العلماء (أدورنو، بريشت، الإخوة مان، أينشتاين، بانوفسكي، تيليش، كاسيرير عميد جامعة هامبورغ)؛ إنّ الإذعان هنا يرقى ليكون تواطئا وفي هذا مساواةٌ للجهل بالشر كما زعم أفلاطون، لذلك أملُ هايدغر في إصلاح الجامعة تحت رعاية النازية لا يمكن أن يصنّف إلا في خانة الفشل الأخلاقي والفكري.
وردَ في صحيفة طلاب جامعة فرايبورغ سنة 1933 أنّ "المباديء والأفكار ليست الآن قواعد وجودك"، و "الفوهرر هو ملكك، والواقع والقانون الألمانيان الحالي والمستقبلي فقط"؛ في تصريحه لـ دير شبيغل برّر هايدغر هذه الفقرات بأنها مجرّد تنازلات، إذْ لم يكن في استطاعته العيش دون تقديم تنازلات؛ في الحقيقة كان ذلك تخلّيًا عن المُثل العليا؛ ما كان يهمّ الجمهور في خطاب هايدغر ليس "إعطاء القانون لذاته" كما روّج له، ولكن خطر استبعاد الحرية الأكاديمية من الجامعة الألمانية؛ هايدغر اعتمد على السفسطة؛ أي استخدام الحقيقة لنشر الخداع.
في الحقيقة كان هايدغر مُنجذبًا إلى بعض خصائص الاشتراكية القومية؛ كان يحذوهُ الاستحضار الرومنسي لمصير شعب تاريخي متجذّر في مكان معين عبر العمل والتقاليد والقيم المشتركة، كان يرى رسالته الخاصة تكمن في تحقيق الرفاهية الروحية للشعب الألماني وهو ما دفعه إلى التعاون مع النازيين؛ "مهمةٌ روحية لا تلينُ وتُجبرُ مصير الشعب الألماني على تحمّل طابع تاريخه"؛ وعلى الرغم من أنّ مفهوم الأصلانية يعتمدُ ضمنيًا على الفردية، فقد كان هايدغر يُصر باستمرار على أنّ الحرية الحقيقية تتطلّبُ اندماج الفرد في المجتمع التاريخي.
اغترّ هايدغر بوعود هتلر في التجديد الوطني؛ كتب في حقائق وأفكار "كانت فترة إدارة الجامعة محاولة للنظر في الحركة التي جاءت إلى السلطة، وبغضّ النّظر عن وقاحتها وإخفاقاتها قد تؤدّي في يومٍ ما إلى تجمّع ما هو ألماني في جوهر الغرب التاريخي"؛ كان أحرى بـ هايدغر أن يقول وحشيتها وجرائمها عوضًا عن وقاحتها وإخفاقاتها؛ يُعقّبُ إريك هيلر "كان يتصرّف لفظيًا كما لو أنّه مع وصول هتلر، فبشكلٍ غير متوقّع عاد الوجود وانتصر الزمن الذي اختار الأمة الألمانية، لقد كان قريبًا من إعلان إفلاس الفلسفة".
في خطابه بالجامعة، وصف هايدغر الطّلاب بأنهم في "مسيرة"، وسوف تظهر ارتباطاتهم بالنّظام الجديد في خدمةٍ ثلاثية الأبعاد: خدمة العمل والخدمة المسلّحة وخدمة المعرفة؛ ثلاثة أبعادٍ أصلانية على قدم المساواة، وكتبَ هايدغر لاحقًا أن الخدمة المسلّحة ستتغلغل في كيان الطالب؛ يقول هايدغر أن خدماته الثلاث سوف تتّحد وتصبح قوة واحدة، وأن الطلاب والأساتذة يجب أن يكونوا جاهزين للمعركة، وأنّه يجب الكشف عن جميع ملكات الإرادة والفكر وجميع نقاط القوة في القلب وجميع مهارات الجسد من خلال المعركة، وتصعيدها في المعركة والحفاظ عليها كمعركة ؛ لاحقًا استدلّ النازي سيء السمعة إرنست يونغر بهذا المقطع؛ أما هايدغر فعادَ ليدّعيَ أنه وظف الخدمة المسلحة ليس بالمعنى العسكري أو العدواني، بل وظفها بمفهوم الدفاع عن النفس؛ والمعركة يفهمها بمفهوم هيراقليطس ؛ في هذا دليل على قوة المراوغة التي يملكها هايدجر،فالمواجهة سنة 1933 في فرايبورغ لم تعني استحضار هيراقليطس بل استحضار جحافل من يرتدون قمصانا بنّية (كتيبة العاصفة النازية).
في كتابه "مدخل إلى الميتافيزيقيا" احتفظ هايدغر بملاحظته حول أنّ الاشتراكية القومية تكمن عظمتها في أنها أعلنت المواجهة بين التكنولوجيا العالمية والإنسان الحديث ؛هي نموذج نبيل ، وإن لم يكن عمليا ، تتحدى الاقتلاع الذي يسببه التقدم التكنولوجي؛ والنازيون ،حسبه، خانوا الوعد المتأصل في مُثل الاشتراكية القومية؛ يقول هايدجر "مهمة الفكر هي المساعدة من الحدّ في هيمنة التكنولوجيا، وقد تحرّكت النازية في هذا الاتجاه؛ هذه مراوغة أخرى من هايدجر، فبينما اعترف بارتكابه أخطاء أثناء إدارته للجامعة، لم يعترف مرة واحدة علانية بفداحة الشر الذي كان طرفا فيه؛ كما أنه لم يتبرأ من عمادته لجامعة فرايبورغ؛ ومن المثير للاشمئزاز أن يستخدم لغة فلسفية متعالية ومستعصية على العقول أثناء مزامنته لعصر وحشي؛ هرب هايدغر من فظاعات النازية وسعى إلى محاكمة العلم والتكنولوجيا؛ لكنه كان أصمًّا على انفجار سلالات الاستبداد.
بتصرّفٍ عن:
Roger Kimball. Heidegger at Freiburg 1933. The New Criterion. June 1985.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التغير المناخي يهدد جزر سان بلاس البنمية بالاختفاء تحت أمواج


.. إسرائيل تشن ضربات داخل الأراضي السورية بعد سقوط صاروخ قرب مف


.. الجزائر: السجن 3 سنوات لسعيد جاب الخير في قضية الاستهزاء بال




.. المعارضة في تشاد تتحدث عن -انقلاب مؤسساتي-.. لماذا؟


.. السعودية: التحالف: اعتراض مسيرة أطلقها الحوثيون باتجاه خميس