الحوار المتمدن - موبايل


الارسوزي وتأسيس وحدة اللغة والفكر والثقافة القومية (2)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 12 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أسس الارسوزي فكرته القومية من خلال البحث عن جذر اللغة في الحياة نفسها. وأعتبر أن "جذر اللغة هي الحياة". وذلك لأنها تتمثل العلاقة المتبادلة بين وضع الجسد وبين المعنى الذي هو صداه في الوجدان. فوحدة الصوت والخيال في الكلمة العربية يؤدي إلى ظاهرتين او نتيجتين تميزها عن غيرها وهي أولا- فقدان المترادفات، وثانيا – الاختلاف في التطور بين الكلمة العربية وغيرها في اللغات الأخرى. فالأجانب لا يعرفون قراءة ما كتب في لغتهم قبل ألف عام. أما في العربية فإن الكلمة هي صورة. وبالتالي، فإن الكلمة العربية كالحياة. لهذا لا تصمد الكلمات الشاذة (غير العربية) في العربية فترة طويلة. إنها تنقرض. الأمر الذي جعل من الكلمة العربية غير خاضعة للزمن. وأن نشوء كلمات جديدة فيها (ومنها) هو استمرار مدرك .
ووضع هذه المقدمة في أساس فلسفته للغة العربية. وفيها نعثر على فكرة عميقة تقوم في دعوته لضرورة التوفيق والتجانس بين اللغة والفكر والثقافة القومية. فهو ينطلق في كتابه (العبقرية العربية في لسانها) من أن دراسة البنية الاشتقاقية للعربية يساعدنا على معرفة الكلمة الدخيلة من الأصيلة، وبالتالي يحررنا من الركاكة والهجانة. وهذا بدوره يهدينا أيضا إلى إدراك الشبه بين بنيان البدن وهداية غرائزه في توحيد العلوم الصحية، وبين هذه الحُدُس في بنياننا النفساني وهدايتها في إنشاء ثقافتنا. وبهذا نحصل على نهج أصيل في دراسة حياتنا الفكرية بحيث ينقشع الحجاب المزعوم بين الطبيعة والملأ الأعلى (ما وراء الطبيعة) . مما يوصلنا بدوره إلى "بعث الخيال الأصيل" ومن ثم الوصول إلى ينبوع الحياة بالنسبة للسان، بحيث تتميز هذه المؤسسة المتمتعة بخلود الأمة التي أوجدتها عند بنيان البدن الذي ظل متصلا بالقدر بانغلاق المكان والزمان في وحدانية نموه وخاضعا بهذا الاتصال للتحول" . أما الخلاصة التي توصل إليها الارسوزي بهذا الصدد فتقوم في بلوغ ما اسماه بفكرة "الحياة معنى ينشئ الصور. والخيال من الصور على درجات متفاوتة بالقسمة والعمق تحقيقا للآية الساطعة في صميم الوجود كأني بها تقتات بتجاوبهما تجاوبا صادقا وتنمو" .
وفيما لو جرى تحويل هذه العبارة "البيانية" المغلقة إلى بيان اللغة العربية الطبيعية(!)، فإنها تعني، أن الإبداع الحقيقي يفترض الرجوع إلى ينبوع الأصالة الذاتية، ولا أصالة بالنسبة للفكرة العربية سوى العمل بمعايير "الخيال الأصيل"، أي الإبداع الذاتي الحر والمتحرر من ثقل الزمان (المعاصر) والمكان (الجغرافي الحالي) اللذين جرى انتهاكهما بفعل الخراب الذي تعرض له العرب في مجرى السيطرة العثمانية والكولونيالية الحديثة. فالزمن المعاصر هو زمن ليس عربيا، والمكان العربي هو جغرافية متهرئة. أما العربية من حيث كونها تمثلا أبديا لحقيقة الأبد الكامنة في توليف الطبيعية والمارواطبيعة فهو الينبوع الدائم للخلود. والرجوع الدائم إليه يعني الوصول إلى حالة مثلى عن العلاقة بين البيان والحقيقة من أجل معرفة نهج الحياة الأصيل، كما أنه النهج الفني للتحرر من ظروف المكان لبلوغ البصيرة من اجل الاستغناء عن الطبيعة، كما يقول الارسوزي نفسه.
ونعثر على نفس هذا الاتجاه والتأسيس في (رسالة اللغة). فقد أكد فيها أيضا على أفكاره الأساسية بهذا الصدد وبالأخص ما يتعلق بفكرة اللسان العربي باعتباره بنيانا اشتقاقيا وأصوله من الطبيعة، وله أداة بيانية متكاملة وأنه بناء مازال كامل حي. وختم ذلك باستنتاج يقول، بأن مفاهيمنا وأصول مؤسساتنا تكمن "في كلماتنا، كمون الحياة في بذور النبات" . وبالتالي فإن الرجوع إلى أصول تأسيسها الأولية هو أسلوب تأصيل الحاضر والمستقبل. من هنا جوهرية إعادة بناء فلسفة اللغة العربية. فهو يعتقد، بأن أحد الأسباب التي حالت دون وجود فلسفة لغوية عربية ومن ثم إدراك حقيقتها كما هي يقوم في أن واضعو قواعدها كانوا عجما. مما أدى إلى سوء فهم حقيقتها. فالكلمة العربية ليست رمزا يلتصق به المعنى عرضا واتفاقا، كما هي الحال في تعريف الكلمة في اللغات الأوربية، بل أنها صورة تتآلف من صوت وخيال مرئي ومعنى هو قوام تآلفها . وبالتالي، فإن اللسان العربي بمبدئه (المعنى) وبتجلياته (الأصوات) لهو على غرار البدن، شجرة سحرية نامية أبدا، جذورها في الملأ الأعلى (الماوراطبيعية) وتجلياتها في الطبيعة . من هنا فإذا كان الأسلوب الأدبي قد لا يخلو من البيان في أية لغة من اللغات، فإن البيان شامل في اللسان العربي (في الكلمة والحروف والحركات والصورة)، على خلاف ما في اللغات الأخرى التي يقتصر فيها البيان على حدود العلاقة بين الفكرة وعبارتها . وذلك لأن الكلمة العربية تتألف من ثلاثة مكونات هي صورة صوتية، وخيال مرئي، ومعنى هو قوام تآلفهما، مثل كلمة فقه. فهي فق بوصفها صورة صوتية (من غليان الماء)، أما خيالها المرئي فهو التفتح الداخلي، بينما المعنى هو الحقيقة المتجلية من صميم النفس مستضيئة بنور ذاتها . كل ذلك يجعل من العربية ذات معالم واضحة لا تقبل الالتباس بغيرها. فإذا "كان المعنى يؤلف بين الصورة الصوتية والخيال المرئي في الكلمة، فإن الحدس المنطوي في المصدر هو أيضا قوام الرابطة بين المفاهيم العقلية والمدلولات الحسية" كما نراه على سبيل المثال في نموذج تنبأ ونبي ونبوة .
وضع الارسوزي هذه المقدمة في أساس فهم ما يمكن دعوته بالذهنية العربية الأصلية بوصفه عقلا نموذجيا. ومن ثم فهو أساس ضروري لفهم الذهنية العربية والبشرية ككل . وذلك لأنه يستند إلى ما اسماه الارسوزي بالمنهج الكوني للسان العربي القائم في توحيده الشامل للطبيعة والماوراطبيعة. بعبارة أخرى، إن المهمة التي وضعها الارسوزي بدراسة قواعد اللسان العربي القادرة على كشف تكوّن العقل البشري أيضا، تهدف أساسا إلى إرساء أسس الرؤية النقدية تجاه النفس وتذليل انحرافها عن الأصول. من هنا قوله، بأن الانبعاث القومي يفترض إلى جانب الصناعة والعلم، الاهتمام "بتراث الأجداد". الأمر الذي جعله يدعو إلى البحث عن مصدر الوعي القومي المعاصر في مرحلة الجاهلية. ووضع ذلك في عبارة تقول: "بالعودة إلى جاهليتنا نلتقي مع أصول الثقافة الحديثة، الأصول التي تقوم على الاعتقاد بأن النفس تنطوي على مقوماتها. ثم أنه يجنبنا مما أورثه التاريخ من حزازات بين المذاهب والأديان" . بينا نراه في بحثه الموسوم (اللسان العربي) يقول، بأن المهمة المطروحة أمامنا تقوم في استجلاء آية الأمة العربية بوصفها حقيقة تاريخية، ومن ثم "إنشاء فلسفة عربية يتحول بها ما نسجته الحياة عفوا إلى مستوى من الشعور بحيث نشترك مع العناية في تعيين مصيرنا، ونشترك ونحن أحرار" .
ووضع هذا المقدمة الضرورية للإبداع الحر في أساس النقد الذاتي للكينونة العربية المعاصرة. وقد ادخل في فلك نقده الحاضر والماضي والرؤية والتراث وكل ما يطفو على سطح الوجود من مظاهر الانحطاط والتخلف. ووجد في كل ذلك نتاجا ملازما للابتعاد عن الأصول الكبرى القائمة في أساس العربية وتراثها الذاتي. ففي معرض تناوله أسباب تخلف العالم العربي نراه يشير إلى أن سر تخلف العالم العربي والثقافة العربية بعد نهوضها التاريخي الكبير الأول يقوم فيما اسماه بدخول "الدخلاء" (العجم)! فنراه يتكلم عن "استغفالنا الاغيار إبان نهضتنا" وكيف "أمات الدخلاء بنيان أمتنا بسموم أفرزتها قرائحهم المتردية"، بحيث "تحوّل تراثنا إلى ظلف يعوق الآمال عن الانطلاق" مع ما رافقه من "تردي مجتمعنا إلى مستنقع تعبث فيه الأنانية". والمقصود بالأنانية هنا هي تقلب الظروف على الفرد، وتقلص في الرحمة، وعمه في البصيرة. أما نتيجة كل ذلك فإنها أدت إلى أن "زاغت المؤسسات العامة عن حقائقها، واختل نظام القيم في مجتمعنا". مع ما ترتب عليه بالضرورة من تدن شامل. وذلك لأن الإنسان يتدنى، كما يقول الارسوزي "إذا تحول محور الحياة من البنية إلى البيئة، بحيث تتراخى صلة الرحم وتتلاشى الاحساب والأنساب ويصبح الناس عندئذ رعاعا يلبسون لكل حال لبوسها" . أما مظاهر هذا الانحطاط العربي فقد أدى إلى سيادة وهيمنة "الدروشة في العمل والسفسطة في المعرفة".
من هنا نقده لكافة هذه المظاهر الخربة. ففي معرض نقده للزهد المزيف والمصطنع، نراه يشدد على أن محاربتهم للجسد هو خروج على الطبيعة والأصول. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الجسد ليس من قيمهم مع أنه قاعدة النفس في الوجود وصورتها. بينما يصبح "التبرم من الحياة دليلا على صورة نفس هزيلة أدركت من خلال بنيانها المتداعي الوجود مشتتا هامدا". وقد أدى ذلك إلى فرض الواجبات على الناس، بحيث تحول الإبداع إلى بدعة، وأمست الديانة ترويضا على الذل والاستكانة. في حين يجعل هذا الاستسلام والخضوع الإنسان ماديا وأنانيا ورديئا" . وتكثفت هذه النتيجة فيما اسماه الارسوزي بالشخصية العربية الفردية الخربة. من هنا توجهه النقدي الحاد تجاهها، عندما شدد على الظاهرة المتناقضة بين الشعور القومي على مستوى الجماعة، ومستوى تجسيده الفردي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الشعور القومي العربي قوي وعارم لكن تجسيده الفردي ضعيف ورخو. ولهذا أسباب عديدة حصرها بكل من الابتعاد عن الأصول، والسيطرة الأجنبية، وسيادة الجمهور في ظل السيطرة الأجنبية، وعدم وجود نخبة أصيلة، والسرعة في التباين بين الأجيال. بعبارة أخرى، لقد فسر موقفه استنادا إلى رؤية منظومية لها أولوياتها وتشابكها الداخلي. فعلى الرغم من إدراكه المباشر للدور السياسي المباشر للكولونيالية (الفرنسية) إلا انه أبقى عليها بوصفها عاملا إضافيا شأن البقية الباقية مثل هيمنة العوام وضعف أو انعدام النخبة الأصيلة والسرعة في التباين بين الأجيال. لهذا نراه يشدد على أن "الأمة التي تخضع لمشيئة غيرها تتلقى منه قواعد فكرها وعملها فيمسخ أبناؤها". مع ما يترتب عليه بالضرورة مما اسماه بفقدان قوام الإنسانية (للأمة) في حال خضوعها للأجنبي . أما نتيجتها النهائية فتؤدي إلى هيمنة الشعور بالانبهار، أي اختلال الأوزان الداخلية وضعف المناعة وفقدان الهوية الذاتية. بحيث تتحول الأمة إلى كمية رعاع أو كومة صغار جهلة. وليس هذا بدوره سوى النتيجة الملازمة لما اسماه بالابتعاد عن خصوصية العربية (اللغة). فالأمة تبقى "بنجوة من عوارض المكان والزمان إذا كانت جذورها في الملأ الأعلى، أما أن تخسر النفس أو تجف الحياة فذلك لأن المظاهر لم تنسجم مع أصولها" كما يقول الارسوزي .
ولا يعني النجاة من عوارض الزمان والمكان سوى التحرر من ثقل عوارضهما العابرة. فحالة الانحطاط السائدة آنذاك في العالم العربي هي عوارض سواء بمعايير الزمان أو المكان أو بهما كليهما. وذلك لأن العلة الفعلية تكمن في "عدم الانسجام مع الأصول". والأخيرة بالنسبة للارسوزي كيان وكينونة وجوهر لا علاقة له بالزمان العابر والمكان الطائش. أنها من "الملأ الأعلى"، أي من عالم ما فوق زمني وما فوق طبيعي. وليس إلا خلل انسجام الطبيعة (الزمان والمكان التاريخي والثقافي والقومي) مع أصولها القائمة فيما وراء الطبيعة هو الذي يؤدي إلى حصول المأساة. وإذا كان الارسوزي قد وجد نموذج هذا "الملأ الأعلى" في العربية فلأنها بالنسبة له مصدر وجود الكينونة العربية وكيانها. وما عدا ذلك صيرورة قابلة للتغير والتبدل لا تغير ولا تبدل حقيقتها الأولية بوصفها عروة أبدية خالدة. الأمر الذي يجعل عن الابتعاد عنها مجرد عوارض زمانية ومكانية لا غير. وفي هذه الرؤية يمكننا العثور على ما يمكن دعوته بفلسفة البأس المتفاءل المبنية على فلسفة اللغة القومية.(يتبع...)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رمضان في لبنان في ظل الأزمة الإقتصادية


.. أوكرانيا: بايدن يتصل ببوتين للتهدئة وروسيا تنذر السفن الأمري


.. آية بورويلة: هناك العديد من التحديات أمام البلدين أهمها الجل




.. ct محكمة أمن الدولة تباشر التحقيق في قضية -الفتنة-


.. خططوا لاغتيال السيسي.. لمحة عن الشخصيات الإرهابية في الاختيا