الحوار المتمدن - موبايل


الارسوزي وفكرة الأصول الثقافية للقومية العربية(4)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 12 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


فقد انطلق الارسوزي هنا من أن الفكرة القومية مبنية على ما تقدمه الحضارة الحديثة من مفاهيم ونماذج. من هنا سعيه لتأسيس الفكرة القائلة، بأن تعمق الفكرة القومية مرتبطة بتحول الروابط بين الناس من مثالية إلى طبيعية. وبما أن الأمة امتداد للأسرة فقد أصبح مبدأ الأخوة أساسا في جمع شمل المواطنين. والقومية بالنسبة للارسوزي هي نظام نسبي في كل شيء أبدع فكرة المساواة، وأن كل شيء مستوحى من الطبيعة وحكمها، وأن الجمهور هو مصدر السلطة، والقوانين تمثل الإرادة العامة. أما اكتشاف قوانين الطبيعة فقد جعل الإنسان حكما في مصيره مما حدد بدوره من جديد مفهوم المساواة والحرية . لهذا نرى الارسوزي يعتبر الحرية شعار القومية.
إلا أن الارسوزي لا يقف عند هذا الحد. فمن الناحية الظاهرية نقف هنا أمام استعادة لفكرة الثورة الفرنسية وشعاراتها. لكنه يعطي لها بعدا جديدا من خلال إرجاعها إلى أصولها الثقافية العربية، أي جذرها الأعمق في بنية اللغة العربية. بحيث نراه يدقق لاحقا فكرة الأمة من خلال إرجاعها إلى الأم بوصفها صانعة الإخوة. فالإخاء هنا طبيعي. والقومية إرجاع العلاقة إلى أصولها وجذورها ولكن ليس بوصفها فكرة سياسية عابرة او رؤية أيديولوجية خالصة. من هنا نقده لفرنسا والشيوعية، أي الفكرة القومية الجزئية بوصفها نتاجا لما اسماه بالنفوس الكريهة (أي الجزئية) أو الفكرة الأيديولوجية العامة بوصفها إيمانا صنميا. لهذا نراه ينتقد التجربة الفرنسية في موقفها من الحرية والمساواة والإخاء ومعارضتها الشاملة للفكرة القومية التي رفعت شعارها. بل نراه يعتبر النزعة الإقليمية (القطرية) هي نتاج للاستعمار الفرنسي ومحاولاته آنذاك من اجل تفتيت الفكرة القومية (العربية). وذلك لأن شعار فرنسا الفعلي كان آنذاك تحويل البلدان العربية إلى "مجال حيوي لذوي الغلبة" .
والشيء نفسه حاول تطبيقه على الموقف من الحركة الشيوعية. فالارسوزي يفرق بين ما يدعوه بكنه الأمة وبين نظام وجودها السياسي والاجتماعي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأمة جذورها في كنه الوجود، في حين أن نظام الحياة وجهة نظر تجيب بها الأمة على ظروف معينة" . في حين أن الشيوعية بالنسبة له لم تكن إلا ستارا للاتجاه الشعوبي. فالشيوعية بالنسبة له مجرد "استمرار لتقاليد الإصلاح في أوربا. أنها مجرد إحدى المحاولات لحل المشاكل الإنسانية الناجمة من المرحلة الحاضرة". فالتجربة الشيوعية في روسيا تبرهن على صدق كبير مما فيها وأفضليتها مقارنة بما سبقها. لكن سر تأثيرها في روسيا وفاعليتها يكمن في الإيمان بها، كما يؤثر الإيمان بالحجر في أفعال الناس وسلوكهم. ومن ثم فإن الخلاف بين الفكرة القومية العربية وبين الشيوعية هو خلاف جوهري يرجع غالى اختلاف الأصول والأسلوب والغاية. فالشيوعية هي مجرد رؤية وحلول اجتماعية وسياسية، أي عابرة وجزئية رغم ادعائها للشمولية. بينما الفكرة القومية العربية لها جذورها في الطبيعة والملأ الأعلى، كما يقول الارسوزي، أي في الأرض والسماء. وحاول البرهنة على ذلك من خلال الرجوع إلى اللغة نفسها، ومن خلالها الكشف عن نوعية التباين في الرؤية والتأسيس للفكرة والمعنى والوجوب. فكلمة المادة في العربية من مدّ، أي الامتداد والمدة. أنها في الحدس العربي "نقطة خيال أكثر مما هي حقيقة قائمة بذاتها" . ذلك يعني أن المادة صورة في الامتداد. ومن ثم هي شكل. بينما تصبح المادة صيرورة في المدة، أي معنى. أما نموذجها (ككائن حي) في الصورة فيكون على توحيد الشكل بالقوام وتلون المعنى بالعمر. فإذا كانت المادية في الماركسية عادة ما يكون كل شيء فيها محدد بالزمان والمكان، فإنها في الرؤية العربية تقوم في "أن لكل شيء أصول في العناية التي لها صورة قوامها المعنى الذي تصبو إليه" . وليس هذا إلا مثال واحد يكشف على نموذجه جوهر وجذر الخلاف بينهما.
إن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في أن الشيوعية إيمان ظاهري بينما في العربية هو معنى، أي انه تلقائي من ذاته بذاته. فالإيمان بالشيوعية مجرد إيمان خارجي لا علاقة له بالصلة الداخلية للأشياء أيا كانت. انه شأن الإيمان بالحجر، أي وثنية جديدة. أما الإيمان بالفكرة في العربية (القومية في الحالة المعنية)، فأن له أصوله وجذوره الخاصة. انه ليس إيمانا، بل امتدادا للمعنى. انه تلقائي. ولا فرق في أن تطلق عليه اسم العقل أو الإيمان، الله أو الطبيعة فهو كل واحد من حيث الأصل، لأن العربية تحقق بذاتها وفي ذاتها وحدة الطبيعي والماوراطبيعي. وبالتالي، فإن الفكرة القومية العربية هي فكرة تلقائية من ذاتها بذاتها، لأنها تنطلق من أصل وجذر واحد له نموذجه الأرقى والأعلى في اللغة. بمعنى أنها تكشف عنه وتعبر عنه أحسن تعبير. ذلك يعني أن الفكرة القومية العربية هي من طراز آخر لا علاقة له بالفكرة الفرنسية أو الشيوعية، أي الأجنبية سواء القومية منها أو الأيديولوجية. وإذا كان الارسوزي لا يفرق كثيرا بين مفاهيم القومية والأمة، فلأنه كان يؤسس للفكرة على مستوى الحدس وليس العقل التاريخي أو حتى العقل الثقافي.
ونعثر على ماهية الحدس الفكري والتاريخي والثقافي للفكرة القومية عند الارسوزي في فلسفته عن الأمة ورسالتها الذاتية. ومن الممكن اختصار فكرته عن القومية بعبارة واحدة: إن القومية هي عبقرية خاصة. ووجد تحقيقها في تقريرها على مثال الأتراك واليونان. فكلاهما في بقعة واحدة، لكنهما مختلفين في النتائج والآثار . ومن هذه المقدمة حاول تأسيس ماهية الحدس العميق في الموقف من الفكرة القومية العربية، والقومية العربية. وكتب بهذا الصدد يقول:"إن أمتنا ليست حصيلة ظروف تاريخية، بل أنها معنى يبدع تجلياته ويوجهها نحو المزيد من الحرية. وذلك ما دعانا إلى الاعتقاد بأن مثل ظهور الأمم على مسرح التاريخ، كمثل ظهور الأنواع (الحياتية) على مسرح الطبيعة" . وذلك لأن الأمة تجربة رحمانية مثلى كما يقول الارسوزي. واستند في فكرته هذه إلى ما اسماه بملائمة الحياة للطبيعة (مبدأ الحضارة المعاصرة)، ومبدأ عمق الحياة، وعمق الحياة يعادل عبارة (العدّان) وهي المدة التي يتطلبها الحوض من أجل أن يمتلئ، وأخيرا تحول التجربة الرحمانية المقتبسة من قبل الآباء والأجداد إلى سجية موروثة في بنية الأبناء والأحفاد . إن هذه الحلقات الأربع تربط صيرورة الأمة، كما أنها تحدد تجربتها الخاصة وعمقها الذاتي. فعمق التجربة الرحمانية، حسب رؤية الارسوزي، لا يتناسب مع العمران وحسب، إنما يتناسب أيضا مع شدة الميل إلى التجلي والانكشاف أيضا. كما أن رفعة الأمة تقاس بعمق تجارب أبنائها الرحمانية، وبمدى سبرهم أغوار الوجود، وبمدى تأثيرهم على الأمم الأخرى. وبالتالي، فإن الأمة المثلى هي التي تأخذ بمبدأ العدالة، أي تلك التي يخرج منها أنبياء مصلحون، ومن ثم تقوم بتنظيم العلاقات بين الأمم على ضوء الإنسانية . وليس هناك أمة تمتعت بهذا الصفات أكثر أو أكبر من الأمة العربية.
فالأمة حقيقة قائمة بذاتها، كما يقول الارسوزي. وأنها اللغة وما أقيم على الحدس المنفي في الكلمات. وذلك لأن الشريعة والفنون والفلسفة مجرد مظاهر لحقيقة الأمة . والأمة العربية تنطوي نفوس أبنائها على مصّمميها، منه يستلهمون شكل بنيان جمعيتهم فيرتقون إلى مثلهم الأعلى. لهذا لم تختلف الأمة العربية عن سواها بنشأتها السماوية وبنيانها الخالد فحسب، وإنما امتازت على الخصوص بذهنيتها المنبعثة عن تلك النشأة، وبمفاهيمها الإنسانية ذات الصلة بهذه الذهنية . فقد زين العرب قبلتهم بالشعر. أنهم عبّروا به عن البطولة التي يستمد منها القبيلة والشعر قدسيتها، ويرمزان إلى نفس الحقيقة. كما أنهم تفردوا في العالم باستكمال شروط البطولة والشعر معا. وإذا كان انتشار المدنية الحديثة من قطر إلى قطر (أو من خطر إلى خطر كما يقول الارسوزي) بغية المتاجرة، فإن العرب فتحوا العالم من أجل تهذيبه. وأسسوا بنيان ذلك في نظام خليفة واحد، وقانون واحد، ولسان واحد. أما الكلمات التي تزينت بها الأمم الإسلامية فتشهد على تفوق هذه الثقافة وفضلها على الناس أجمعين . مما جعل من مثال الأمة العربية كمثل السديم ذاته (أصل الوجود) يتكاثف حينا ثم يتناثر بعد حين فتنجم الشموس من تكاثفه ثم تنتهي بتناثرها في الأثير . الأمر الذي جعل من الأمة العربية مشرقة بنورها على الإنسانية (بغض النظر عن حالتها الحالية). وبالتالي لابد أن يظهر فيها نبي أو زعيم. ذلك يعني انه لا يمكن ولا ينبغي أن نطبق على الأمة العربية معايير الآخرين من الأمم. وذلك لأن حقيقة الأمة العربية تقوم في أنها "اختارت حقيقتها في الملأ الأعلى (الله علم ادم الأسماء)، أي أنها جهزت صورتها بمقوماتها. هذه المقومات التي تبدو مصمما تنطوي عليه كافة مظاهرها العامة والخاصة". ففيما نسجه الأجداد محقّق لما كان في قرارة نفوس الأحفاد، كما يقول الارسوزي. والأمة العربية ليست كسواها. أنها ليست شركة مساهمة أو جملة ذكريات وأماني، كما يريد لها البعض. أنها بنيان قد اشتركت في تشييده السماء والإرادة الإنسانية منسجمتين . وبالتالي، فإن الترابط في وجود الأمة العربية هو كينونتها الجوهرية أيضا بمعايير التاريخ أيضا. وذلك لأن "أبناء الأمة العربية، وإن ظهروا على مسرح الوجود متفرقين متفاوتين، فأنهم بمصدر انبثاقهم موحدّون، وحدة بها تنسجم أعمالهم في إنشاء مؤسساتهم، متلازمة، متتامة، رغم التباعد في المكان والتفاوت في الزمان" .
وليس هذا بدوره سو التعبير الظاهري عن الحقيقة القائلة، بأن نظرات الأمة إلى الوجود تنبثق عن ذات الأمة، وهي تحمل طابعها. وأن كل أمة تدرك الوجود من خلال بنيته. وما يميز العرب بهذا الصدد إنهم أوحوا إلى العالم فكرة الخلود. وهي فكرة مستوحاة من طبيعتهم المتصفة ذاتها بالخلود. فالأمة العربية ينبوع الشعوب السامية كافة. أنها عالم بذاتها، لم تأفل منذ ظهر الإنسان على مسرح التاريخ. أنها تطّهر بفيضها في كل مرحلة ما تراكم من آثام على الشعوب فتهديها إلى تحقيق أهدافها . وبالتالي، فإنه "مهما انحرف المجتمع عن أصوله، وزاغ العربي عن محور شخصيته، فالعروبة تبقى متصلة بينبوع الحياة ومستمدة منه نسغ كيانها. الأمر الذي لم يجعل من الأمة العربية "شهابا قد خطف البصر بسرعته ثم مضى كما قيل للأعاجم، بل أنها منارة يتموج شفقها تموج الحياة ذاتها" . وذلك لأن حقيقة الأمة العربية منبثقة من حقيقة الحدس الخالد فيها. فالأمة و"أم" من مصدر مشترك هو أمَّ، أي قصد. والأم صورة حسية. والأم مصدر وإليها يهرع الأبناء، وكذلك الأمة في الحدس العربي هي مصدر الإخوة في المجتمع، كما يقول الارسوزي. لهذا نراه يحول فكرة ما اسماه بالصلة بين النفس والمرحلة التاريخية على مثال الصلة بين الجسد والبيئة الطبيعية إلى صيغة معقولة بمعايير الحدس. من هنا قوله، بأن صلة الناس بالمرحل التاريخية تقوم على استقطاب النزعات المتبلورة في البيئة استقطابا تتحول به الرموز إلى حدس متميزة. وبالتالي، فإنه متى نجم الحدس في الوجدان بؤر كمعنى ذي مصوِّر، حينذاك يصبح مفهوما ملخصا لما تتمخض عنه نفوس الجماعة. ومن حيث هو مصوِّر يزداد به العدّان نموا، بتحوله إلى نظام آخذ بالدقة. وليس هذا النظام الآخذ بالدقة في الحالة المعنية سوى فكرة العروبة.
فالعروبة، بالنسبة للارسوزي هنا، هي تجربة الحياة المثلى التي تتجلى منذ ظهور آدم إلى الآن كمنظومة معان قام عليها كيان العرب. أنها نظرة فنية أخلاقية من الكون . ومن ثم فإن الحل الأمثل يقوم في سيادة فكرة العروبة. فالعروبة بالنسبة للارسوزي هي الأصالة والإفصاح عن الذات، كما أنها الرجوع إلى الذات (بما في ذلك الجاهلية)، وذلك لأن تاريخنا يرتقي إلى أصول الإنسانية، كما يقل لالارسوزي. من هنا كان وما يزال العالم العربي في قلب العالم. وبالتالي، فإن الحدث الذي يمكن أن تلتقي فيه وحوله هو "استقلال العروبة بالمصير عن كل دخيل" . من هنا معارضته لما اسماه بالحركة الرجعية، أي تلك التي تمثل "الاتجاه المناقض للتيار النقدي"، أي الموجه ضد التيار الذي يمثل "منهج المرحلة التاريخية الراهنة والتجربة الرحمانية المثالية" . وبالتالي، فإن المشكلة الهامة التي تعترض النهضة الحقيقية للأمة العربية هي مشكلة الانسجام بين الكيان العربي "ذي النزعة المثالية وبين طابع المرحلة التاريخية الراهنة" . من هنا، فإن المهمة الكبرى تقوم في تملك المصير. حينذاك يمكننا كشف عبقريتنا، كما يقول الارسوزي .
ولا طريق لبلوغ ذلك غير إيجاد الصلة الجوهرية بين الأمة وإرادتها، أي كل ما وجده في نموذج اللغة والكلمة والسير بمنطقها الخاص وأنساقها الذاتية الحقيقية. ووجد في المنطق والأنساق نظام الإرادة الحقيقية لبلوغ الأمة غايتها، أي تملك المصير. فعندما تتجاوب تقاليد المجتمع مع مفهوم الخير المتسامي،على سبيل المثال، فإن ذاك يؤثر على قراراته، وعلى قدر تجسيد هذه القيم. حينذاك "ينعم المجتمع بمجهوده الذهني، بحيث تبدو فيه الفضيلة علما وعملا، فيضا وعادة". أما إذا عجز المجتمع عن إخضاع القدر لمشيئته فانجرف هو بتياره، فحينذاك يؤدي إلى حجب نفوسهم عن هذه الخيرات، مثلما يحجب الغيم عن الأرض النجوم. عندئذ تسيطر النزعة المادية، مع ما يترتب عليه من ضياع أفعالها مهما سعت في مساعيها. وذلك لان النفوس الكريهة (الجزئية) مهما سعت يصبح فعلها ضائعا. من هنا استنتاجه القائل، بانه "لا يدخل ملكوت السماوات من أم (لا؟) يولد ولادة جديدة . فإذا كانت الحياة قد اختارت الصوت، وهو طوع إرادتها، في إنشاء لسانها بيانا من بنيانها، ورمزا للتفاهم بين أبنائها، ووسيلة للكشف عن ماهيتها بخلق ذاتها بذاتها أبدا"، فإن إرادة الأمة تتمثل هذه الحقيقة بطريقتها . فإرادة الأمة الأصيلة تتجاوز وتذلل العادة. فالعادة تقتنص الصورة الصوتية. وبالتالي فهي عرضة للانهيار. أما "التجاوب الرحماني بين أبناء الأمة، فإنه يحرر الكلمة مما هو دخيل عليها، ولكنه يتفاوت بتفاوت الأصالة فيهم والذكاء". لهذا نراهم "يتخيرون الصورة الأصدق للتعبير، وإلا لأدى ذلك بهم إلى التباس الصورة بالرمز". مع ما يترتب عليه من انفصام ما هو نزوي (نزوة) وما هو إرادي. مما يؤدي بدوره إلى انحجاب النفس بهذا الانفصام من قراراتها (أعماقها) ومن ثم يغلب عليها التكلف. وعلى هذه النسبة تتميز الأمة الأصيلة عن الهجينة" .
فما يميز الأمة الهجينة هو تناثر عناصر البيئة في الفرد، وسطو الرموز على مظاهر الحياة الاجتماعية. مما يؤدي إلى غلبة التكلف. ومن ثم انعدام التجانس في الشخصية . بل ونرى الارسوزي يتشدد بهذا الجانب بما في ذلك في محاولاته نقد الماضي أو "تنقيته" من الهجنة التي أدت إلى إضعاف أصالة العرب والعروبة مع ما ترتب عليه من انحطاط لاحق وسقوط مركزيتهم الكونية. بحيث نراه يورد أيضا مقاطع مقتطعة ومجتزأة (وخارج تاريخها الملموس) لكل من ابن المقفع والفارابي وابن سينا والغزالي(!) . بحيث نراه أحيانا يدفع هذه الفكرة نحو أشد مظاهرها تطرفا وغلوا، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه ممن اسماهم بصعاليك إيران وأوغاد تركستان، الذين وجد فيهم هجناء واغيارا دمروا سيطرة العرب والإسلام(!) . وربط هذا الدور بشخصية المأمون والمعتصم .
وفيما لو جرى تنحية هذه الأحكام الهجينة بمعايير الرؤية الفلسفية والعلمية والتاريخية والثقافية، فإن الشيء الأهم بالنسبة للارسوزي كان يقوم في إبراز دور وأهمية وقيمة وفاعلية فكرة الأصالة ولأمة الأصيلة بالنسبة لوعي الذات وآفاقها في العالم المعاصر. من هنا فكرته عن أن اختلاف الأمة ذات الأصالة عن غيرها يقوم بانسجام إرادة أبنائها الصادرين عنها والحاملين ميولها مع النزوة في إنشاء المؤسسة العامة (من لسان وأخلاق ودين وفن) كمعتلى (أي كنموذج ومثال أعلى) وعليه ترتقي النفوس نحو غايتها. أما تجاوب النفوس في هذا الجو تجاوبا رحمانيا فإنه يؤدي إلى أن تفيض المشاعر وتغمر الكون نشوة وسرورا فتشتد فيهم أواصر الرحم . أما النتيجة الكبرى بهذا الصدد فتقوم في استقبال أبناء هذه الأمة الحوادث متفائلين. وليس عبثا أن أنجبت الأمة العربية عشرات الألوف من الأنبياء، كما يقول الارسوزي. ومن هذه النتيجة حاول بناء فلسفة البعث والرسالة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن عمر ناهز 166 عاما.. رحيل أكبر معمرة أمريكية


.. النووي الإيراني.. طهران ترفض بالكامل مبدأ خطوة بخطوة


.. شاهد: فرق الإطفاء تحاول السيطرة على حرائق الغابات في جنوب إف




.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي