الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الموصل في مطلع القرن العشرين بعيون زوجة طبيب إنجليزي

كلكامش نبيل

2020 / 12 / 18
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لطالما وجدتُ متعة خاصة في قراءة كتب الرحالة والمستشرقين، وعشقتُ اكتشاف الشرق بعيونٍ غربية. وقد أتممتُ ليلة أمس قراءة كتاب "خلف الحجاب في بلاد فارس وبلاد العرب التركية" أو Behind the veil in Persia and Turkish Arabia بقلم م. إي. هيوم-غريفيث، وهي زوجة طبيب بريطاني أقامت في عدة مدن إيرانية فضلاً عن الموصل في الفترة ما بين 1900 و1908. يورد الكتاب تفاصيل شيقة عن البلاد والسكان والتقاليد والعادات والأقليات العرقية والدينية والجندر ووضع النساء في الشرق بما يشبه دراسة أنثروبولوجية واجتماعية شيقة. يضم الكتاب أيضًا فصول طبية كتبها زوج الكاتبة، والذي كان يدير مستشفيات إرسالية إنجليزية في فارس والموصل.

ملاحظات عن القسم الخاص بالموصل:

تكلم الكتاب عن تراجع الصناعة في الموصل - التي كانت تصدر حرير الموسلين للعالم - ولكنها ذكرت تصدير فراء الثعالب إلى أوروبا، وذكرت كثرة المحاصيل الزراعية (ولاسيما الحنطة) واعتماد ذلك على الأمطار، لكنني فوجئت بذكر العجلات - أي النواعير - وأن 4 منها موجودة في الموصل ولكنها مكلفة. ذكرت السيدة الإنجليزية أيضًا استيراد البطاطس من إيران والتفاح من سوريا (ولكنها ذكرت أن الأخير بلا طعم رغم جمال مظهره) وذكرت تصدير الرقي - البطيخ الأحمر - لباقي أجزاء العراق. كانت الملاحظات حول صوم يونان - يونس - جميلة وذكرت التزام النساء بهذا الصوم لمدة ثلاث أيام وذكرت كثرة تسمية اسم يونس في المدينة. تذكر الكاتبة أيضًا تفاصيل لطيفة عن جسر الموصل المصنوع من القوارب وخوفها من اجتيازه، وكيف كان يُترك مفتوحا عندما تذوب الثلوج ويصبح جريان النهر سريعًا، ولهذا السبب كان يترك ليتحرك مع مياه النهر بحرية. ذكرت الكاتبة ترك الجسر مفتوحا لمدة أسابيع وأشهر في بعض الأحيان، وذكرت أيضًا انجماد نهر دجلة في موجة برد لم تشهد المدينة مثلها منذ 150 عام. ذكرت الكاتبة أيضًا زيارة قبر ناحوم في ألقوش ومنعها من دخول قبر النبي يونس من قبل المسلمين - بلطف وحزم على حد قولها - وذكرت أن موقع الجامع ذاته هو الكنيسة القديمة. تسرد الكاتبة تفاصيل جميلة عن نينوى القديمة، وقصص أسطورية عن نشأة الموصل ودخول الإسلام لها، فضلاً عن تدمير بعض الآثار بالكامل ودكها لاستخدامها في البناء وأنها بيعت بمبلغ بخس من قبل الحكومة العثمانية.

تكلم الفصل عن التركيبة السكانية للمدينة، ومن الملاحظات التي أحببتُ مشاركتها معكم:
1- تذكر الكاتبة أن غالبية السكان من العرب وأن هناك حوالي 15000 إلى 20000 من المسيحيين بمختلف الطوائف، فضلا عن وجود للأكراد والأيزيديين.
2- تلاحظ الكاتبة أن المسلمين - وتسميهم المحمديين - كانوا يتعاملون مع البقية وكأنهم أسياد المكان في كل تفاصيل الحياة، وتذكر منع لمس الطعام عند الشراء وتعرض بعض الأطفال للضرب لأن الطفل يتربى على أن في مقدوره الاعتداء على غير المسلمين، وتذكر أيضًا أنها شعرت وكأن المسيحي واليهودي يشعر أنه يعتذر عن مجرد وجوده في ذلك المكان.
3- تذكر الكاتبة تفضيل العوائل المسلمة والمسيحية لاستخدام خدم من الديانة الأخرى وأنهم قلما يثقون بخدم من أبناء طائفتهم. وأرى أن هذا يتناقض قليلا مع الملاحظة السابقة.
4- تتحدث الكاتبة عن تمسك النساطرة - وتعتبرهم الكلدان الحقيقيين قبل الكثلكة! - واليعقوبيين - السريان الأرثوذكس - بدينهم الأصيل ورفض محاولات روما للارتباط بهم، وتذكر أنها سمعت أن النساطرة يلعنون بابا روما وأنهم يرفضون ربطهم بطريرك القسطنطينية نسطور ويقولون بأنه يوناني وأنهم سريان وليست هناك إمكانية لانتشار عقيدته في أوساطهم. تذكر الكاتبة أن كرسي الكنيسة اليعقوبية كان في ماردين في وقتها - وأضيف بأنه كان في تكريت في عصور سابقة. تذكر الكاتبة أن بعض الأسر المسيحية قد غادرت من بغداد في عصور سابقة، وأظنها تقصد تكريت في الواقع.
5- تذكر الكاتبة وجود الحريم وترد على ذكر عبدة سوداء البشرة.
6- تذكر الكاتبة وقوع مذابح بحق النساطرة في عام 1841 على يد الأكراد وأنهم قد قتلوا حوالي 10000 شخص تم صيدهم من منطقة إلى منطقة وأن بطريرك الكنيسة قد لجأ في نهاية المطاف إلى القنصلية البريطانية.
7- تذكر الكاتبة وجود حوالي 2000 يهودي في المدينة وتشعر بالأسى للمعاملة التي كانوا يعاملون بها من قبل المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء. وتذكر أن الطريقة التي يقول فيها السكان كلمة يهودي بحد ذاته مهينة للغاية وأن الكثير يشعر بالتهميش وبعضهم يعمل في تلميع الأحذية. هنا، ألاحظ الفرق بين هذا الوضع ووضع يهود بغداد والبصرة وتصدرهم في مجالات التجارة لدرجة أن غرفة تجار بغداد كانت في مجملها من اليهود - فيما خلا ثلاثة أعضاء من المسلمين والمسيحيين.

تكلم الفصل المتعلق بنهر دجلة عن بعض التفاصيل التاريخية الطريفة المرتبطة بالسباحة وغيرها:
1- تذكر الكاتبة وضع الملاحة في نهر دجلة في الموصل والمساعي الرامية لتوسيع وتعميق النهر ليصبح ملائما للملاحة في المدينة وربطها ببغداد والبصرة في وقت أقل. تصف الكاتبة الكلك بطريقة لطيفة وبيع المواد الأولية له بوصوله إلى وجهته جنوبًا.
2- تتكلم السيدة عن السباحة في النهر وصعوبتها، وتذكر أنها تعلمت السباحة من امرأة موصلية. الملاحظ هنا أنها تذكر سباحة النساء في النهر مثل البطات أو السمكات بمهارة عالية ولكن ذلك لم يمنع غرق إحداهن ذات مرة. المفارقة هنا أن النساء في الوقت الحالي في المدينة لم يعد بمقدورهن السباحة في النهر كالسابق والكثير منهن لا يجدن السباحة وغرقن في حادثة العبارة في نوروز 2019.
3- تذكر السيدة الانتظار الطويل لاجتياز النهر على الطوف.
4- تذكر السيدة حالة غريق عربي وصل الى الجرف واحتار الناس في من سيقوم بدفنه ورفض الجميع ذلك، وقرروا في النهاية رمي الجثة من جديد في تيار النهر حتى يقوم أحد آخر يعثر عليها بالمهمة. تعبر السيدة الإنجليزية عن رعبها من هذه الفكرة ولكنها تذكر أن مُلّا "رجل دين" مرّ من هناك وأمرهم بدفن الرجل وتم ذلك فورًا مع صلوات إسلامية.
5- تذكر السيدة خوفها من المياه التي يشربونها - والتي يشتروها في قراب جلدية على ظهر حمير بعد تصفيتها وغليها - وذلك لأنها تتذكر مشاهد الغرقى والطين والحيوانات الميتة في النهر - كلاب وقطط - وتتساءل عن إمكانية جلب المياه للمنازل في أنابيب مثل ما قام به والي دمشق بطريقة مثيرة للإعجاب والحسد، على حد قولها.

في فصل يتناول موضوع الأطفال في الموصل، قرأت تفاصيل لطيفة عن حياة الطفولة في مطلع القرن الماضي، ومن الملاحظات التي أحببتُ مشاركتها معكم:
1- على عكس النظرة النمطية عن العنف المنزلي، ذكرت السيدة حالات إفساد للأطفال بتحقيق كل ما يرغبون به بشكل سيء أيضًا، وذكرت أمثلة كثيرة عن طفلة جميلة لم تستطع والدتها الاكتفاء باطعامها سوائل فقط لبضعة أيام - بحسب توصيات الطبيب - لأن الطفلة تبكي وترمي نفسها على الأرض للحصول على اللحم والرز والخبز، وطفل آخر توسل به كل أعضاء الأسرة الممتدة ليتناول علاجه بدون نتيجة وأنهم قالوا "خطية" وفسرتها السيدة بأنهم يعتبرون عدم منح الطفل ما يريد خطيئة. ذكرت أيضًا حالة طفل محبوب ولكنه لا يُحتمل وكيف تعامله النساء وكأنه ملك وسط العائلة وكيف ضرب قريبته الأكبر سنًا بالعصا ولهذا السبب طلبت السيدة الإنجليزية من زوجها أن يضربه ليتربى وتذكر أن جدته تدخلت لمنع هذا ولكنه ضربه وأصبح الطفل أكثر تهذيبا بعد ذلك. تذكر أيضًا حالة طفل أحرق والدته وخالته حتى الموت وهو يعبث وأن العائلة لم توبخه بالشكل الذي يستحق.
2- تذكر الكاتبة الاحتفاء بالذكور وطقوس كثيرة تتعلق بولادتهم وتوزيع اللحم والخبز وطقوس حلق شعره أول مرة - وأنهم يتركون خصلة منه حتى يدخل الجنة ممسوكا منها! - وتذكر حفل خاص بالسيوف والطبول عندما يتم الصبي تعليمه الذي يقتصر في كثير من الأحيان على القراءة والكتابة وتعلم القرآن - وتذكر تحرك الصبية مترمجحين وهم يقرأون القرآن.
3- تذكر الكاتبة سوء حظ الفتيات وأنهن لا يحظين بالاحتفاء الملائم والكل يقول "مجرد فتاة" وذكرت مثل عربي يقول "البيت يبكي أربعين يوم عند ولادة طفلة"!. تقول أن هناك استثناءات بالتأكيد ولكن هذا هو الشائع. ذكرت بحزن أيضًا الحياة الحرة للفتيات في البداية وأن كل شيء يتدمر بعد سن التاسعة حيث يُمنعن من الخروج إلى الشارع ويفرض عليهن الخمار. تقول أنه من المؤلم خسارتهن لطفولتهن قبل أن يعشن مرحلة الفتيات حتى.
4- تذكر وجود مدارس للفتيات افتتحت مؤخرا - وأن الغالب في السابق عدم تعليم الفتيات - وذكرت أن القسطنطينية افتتحت بعض المدارس وأرسلت مدرسات من هناك وأن المدارس مجانية وتجلس فيها ابنة الباشا مع ابنة عبيد الباشا بانسجام.
5- تركز السيدة على جمال الأطفال وذكرت طفلة اسمها جميلة ببشرة بيضاء وشعر ذهبي وأن الناس كانت تسميها الطفلة الإنجليزية، وذكرت طفلة أخرى تشبه اللعبة وأنهم بالفعل يسمونها "لعبي" وكانت شقراء أيضًا ولكن والدتها الأرملة الشابة لم تهتم لفكرة اصطحابها إلى المستشفى لعلاجها من مرض قد يودي بحياتها قائلة بأن كل شيء "نصيب". تدين الكاتبة فكرة النصيب أو القسمة الشائعة بين العرب والأتراك.
6- تذكر السيدة أن كل الأطفال الذين يأتون متأخرين إلى المستشفى يكن فتيات، وأنهم يهتمون أكثر بصحة الأولاد الذكور.

في فصل عن النساء المسلمات في الموصل، قرأت تفاصيل عن طبيعة حياة النساء الشرقيات في مطلع القرن الماضي، ومن الملاحظات التي أحببتُ مشاركتها معكم:
1- تقول الكاتبة أن المقولة التي تقترح وجود القليل من الجمال خلف الخمار في الأجزاء العربية من الدولة العثمانية Turkish Arabia - كما تسميها - غير صحيح، وتذكر مصادفتها لوجوه جميلة للغاية في الموصل. تتغزل الكاتبة بجمال العيون الشرقية وكم الحزن الذي تحمله وتذكر وجود كافة أنواع الجمال هناك، من نساء شقراوات بعيون ملونة وأخريات سمراوات بعيون ساحرة. تذكر السيدة اهتمام النساء بالتجميل وأن هناك امرأة مسنة عمرها 110 كانت تبحث عن مرطبات للبشرة وأن ابنتها بعمر 90 وحفيدتها بعمر 70. تذكر الكاتبة أيضًا ندرة الشعر الأبيض هناك وأن الجميع - من الرجال والنساء - يصبغون شعرهم بالحنة عندما يغزو الشيب شعرهم.
2- تذكر الكاتبة أن الجمال في الشرق يذوي بسرعة وغالبا في الثلاثينيات بسبب التعب وتذكر أن الزواج بالغالب بداية النهاية للجمال.
3- على عكس المتوقع، تذكر الكاتبة بنوع من التحامل في الواقع أن جمال الاطفال وبراءتهم تختفي بسرعة لأن أرواحهم تتسمم بالقصص السيئة واللا أخلاقية التي يسمعون بها في الحريم. تذكر أن الأسر الإنجليزية تهتم ببراءة الأطفال وعزلهم عن الأمور التي تتجاوز سنهم في حين أن النساء في الموصل لا يملكن أية فكرة عن هذا الأمر وأنهن كن يرفضن تنبيهاتها بأن هذه الأحاديث غير مناسبة أمام الأطفال. تتكلم الكاتبة بلغة دينية بهذا الصدد وتلمح إلى أن الشرق متحلل وفاسد.
4- تسرد الكاتبة تفاصيل حبس النساء في الشرق وأن النساء الفقيرات أكثر حرية في الخروج من المنزل، في حين أن النساء الثريات محبوسات في الحريم، وأن هناك حريم في الموصل يتباهى بأن نساءه لم يزرن اي منزل آخر على الإطلاق. تذكر الكاتبة أن نبي الإسلام قد أصدر حكم بالسجن المؤبد على النساء بسبب الخمار وتذكر أن وأد العرب للفتيات قبل الإسلام أرحم منا السجن المؤبد للحجاب. ذكرت الكاتبة زيارة حريم نساء لبيتها بعد موافقة الرجل المسؤول عن البيت - بشرط إبقاء الزيارة سرية. تصف الكاتبة شوق النساء للزيارة وحديثهن عنها طوال إسبوع وكيف جاءت خادمة للتأكد أن لا رجل في المنزل، بما في ذلك الطبيب البريطاني، وتصف بعدها الفرحة الغامرة للنساء وهن يكتشفن أمور لم يشاهدنها من قبل ويستمعن لبعض الترانيم المترجمة للعربية بينما تعزف لهن السيدة الإنجليزية. تذكر أن فرحتهن شابهت فرحة طفل يكتشف لعبة جديدة. تذكر الكاتبة رغبتها في أن تتحرر نساء الشرق يومًا ما.
5- الكرم: تذكر الكاتبة زيارتها لحريم جلّه من النساء، وكيف أنها تحبّهن، ولكنها كانت تنسى أسماءهن في بعض الأحيان - وكان هذا يزعجهن - وتذكر كون تلك النسوة فقيرات ولكن دائما كانت هناك وجبة لتشاركها عند زيارتها لهن، وإن كانت الزيارة غير مخطط لها، كُنّ يرسلن بطلب وجبة من السوق. تقول أنها كانت تتوسل إليهن ليتوقفن عن هذا ولكنهن يرفضن. تذكر الكاتبة الكباب وسلطة الخيار واللبن - الجاجيك - (وهي سلطة يونانية الأصل، لم تذكر الكاتبة ذلك). تقول السيدة أن الوجبة كانت لذيذة - مهما كانت - لأنها تقدّم بحب، وتذكر تفضيلها للأكل الشرقي على الأكل الإنجليزي لكن زوجها لم يكن يتحمل الدهون في الأكل الشرقي.
6- التصوير: تشارك الكاتبة صور لبعض النساء المسيحيات وتقول أن المسلمات لم يكن يُسمح لهن بإلتقاط صور. ولكن الجميع يحب التقاط الصور في الواقع.

في فصلي العوائل والعادات في الموصل، هناك تفاصيل شيقة تطلعنا على طبيعة الحياة الشرقية في مطلع القرن الماضي، ومن الملاحظات التي أحببتُ مشاركتها معكم:
1- تتطرق الكاتبة لتفاصيل تخص غياب الحب في الأسرة، والضرب والمشاجرات العائلية، وتتطرق للعلاقات السيئة بين الزوجة وحماتها.
2- تتطرق الكاتبة لعادات وجدتها لطيفة واحبتها تتمثل في تقبيل الأيادي شكرًا وإمتنانًا، وكرم الضيافة لمن يسكن حديثا في منطقة ما، ومنح المسافر الكثير من الأطعمة التي تكفيه رحلته بالكامل تقريبا - من الحلوى والأطعمة المجففة المحشوة بالعسل واللوز.
3- تتطرق لغلاء المهور وتذكر أنه يقع على عاتق أسرة الفتاة توفير الذهب والمجوهرات لها والملابس أيضًا، وأن حظوظ الفتيات الفقيرات في الزواج شبه منعدمة. يذكرني هذا بالنظام القائم في مصر سابقًا والهند.
4- تتحدث الكاتبة عن كثرة الكذب في الشرق وصعوبة تصديق أي شخص وتذكر تفاصيل سرقة دُمى من منزلها كانت قد جلبتها لتوزيعها على الأطفال في المستشفى في أعياد الميلاد، وذكرت سرقات الطعام من قبل الطباخة في المستشفى وأنها اكتفت بالضحك لأن "الخاتون" اكتشفت الأمر. تذكر أيضًا إرسال أسر غنية أطفالهم برفقة الخدم لتجنب دفع أجرة الطبيب.
5- تذكر الكاتبة تفاصيل عن عادات الولادة والزفاف - لمدة سبع أيام - والجنائز وإرتداء السواد أو الملابس الغامقة والندب على الميت والصراخ بشكل مرعب، وتذكر أن ذلك موجود لدى المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء، وتذكر تفاصيل تخص الولائم في هذه المناسبات.
6- تذكر الكاتبة أن الناس لم تكن تكنس المنزل أثناء وفاة أحدهم خشية أن يموت شخص آخر لأن ملاك الموت يحوم في البيت لمدة ثلاث أيام. تذكر أن بعض المسيحيين يمتنع عن الحلاقة لفترة لا تقل عن ستة أسابيع وتمتنع النساء عن الذهاب للذهاب إلى الحمامات العامة لمدة ستة أشهر عند وفاة أحد أفراد الأسرة.

في فصل الأخلاق والخرافات في الموصل، وجدتُ تفاصيل عن بعض العادات والخرافات الشعبية والطبية في مطلع القرن الماضي، ومن الملاحظات التي أحببتُ مشاركتها معكم:
1- العرق: تذكر الكاتبة انتشار شرب العرق كمشروب روحي بشكل واسع بين الرجال - وحتى بعض النساء - وتذكر أن الجميع تقريبًا يشربه وأن سيدة موصلية قالت لها أنه يندر وجود رجل موصلي مسلم لا يشرب العرق. تذكر الكاتبة أن العرق يتم صنعه من قبل المسيحيين واليهود ويبيعونه للجميع، وترى أن هناك إفراط في شربه. يذكرني هذا بكل ما قرأته عن العصور القديمة بشكل يظهر أن الدول - رغم تدينها - لم تكن بتشدد الدول الإسلامية المعاصرة في هذا الصدد. مع ذلك، تذكر الكاتبة نكتة ظريفة عن شخص مسلم ألقي القبض عليه لأنه كان سكرانًا ومطروحًا على الأرض وأدعى أنه شرب لأن سنّه يؤلمه إلى آخر القصة.
2- القمار: تذكر الكاتبة أيضًا انتشار ظاهرة لعب الورق مقابل نقود أو مجوهرات وأن الكثير يقوم بذلك بما فيه النساء. الغريب أن الكاتبة الإنجليزية تقول أنها كانت تعتذر عن حضور أي مناسبة يتم فيها لعب القمار أو شرب العرق.
3- العطور: تذكر الكاتبة تشاؤم النساء من العطور الزكية وأنهنّ قد يعزلن المرأة التي تتعطّر وتذكر تصرف النسوة مع ضيفة لها - من البلد أيضًا ولكنها من مدينة أخرى لم تذكرها - وكيف تم عزلها في الصالة وغطت النساء وجوههن بعد دخولها متعطرة!
4- اللقالق: تذكر الكاتبة تفاصيل لطيفة عن حب الناس للقالق وتفاؤلهم بها ووضع السلال فوق المنازل لتقيم الطيور أعشاشها عليها.
5- علاج السُعار: من بين الكثير من الخرافات المرتبطة بعلاج الأمراض بطرق عجيبة، تذكر قيام الملالي بعلاج السُعار بأخذ تمرة وإخراج النواة وملء الفراغ فيها ببصاق الملا ليأكل الشخص الذي تعرض لعضة كلب مسعور تلك التمرة ويتجنب حالة النفور من الماء. يذكرني هذا بحالة ذكرها لي صديق طبيب في إحدى القرى جنوب العراق الآن حيث لاحظ أن طفل مُصاب بالحصبة قد حاولت أسرته علاجه ببصاق السيد - رجل دين في القرية. تذكر الكاتبة أن العلاجات الإنجليزية أثبتت نجاعتها وأن الخرافات الطبية في مهب الريح. تذكر الكاتبة أيضًا انتشار الخرافات حتى في صفوف الطبقات العليا، ومنها حالة سيدة مسيحية زوجة تاجر ثري في الموصل، وكيف كان ابنها يعاني من التهاب في العين، لكن الأسرة لم تواضب على العلاج وقامت بذبح خروف وفتحه وإدخال رأس الطفل فيه بدمه لمدة بضع دقائق، لكن الأسرة عادت بعد ذلك لأخذ علاج الطبيب الإنجليزي بعد أن فشلت الخرافات في علاجه.
6- الذبائح: تستغرب الكاتبة من كثرة ذبح الخراف او العنزات إرتباطًا بالأمراض أو استقبال ضيف أو غيره، بل وحتى الزواج كما شاهدته في أعراس أرمن في بلاد فارس. لكن الكاتبة، وهي زوجة طبيب في بعثة تبشيرية، تتناسى أن هذه التقاليد قديمة في الشرق وتفاصيل مذكورة تفاصيل ذبائح التكفير والخطيئة في سفر الأحبار.
الفصل شيق ومليء بقصص لطيفة من الموصل وتلكيف.

في الفصل الذي يتطرق للحديث عن الإيزيديين، تعزّز الكاتبة الصور النمطية عنهم وسوء فهم غموض ديانتهم وتذكر ما تعرضوا له من مذابح على يد الأكراد والعثمانيين وتذكر مساعدة القنصل رسّام لهم وتقديرهم للإنجليز. وفي الفصول المتعلقة بالصحاري، نجدها تصف السرقات التي تتعرض لها القوافل على طريق حلب، وكثرة الأزهار في الطريق بين الموصل وماردين وأنها لم ترَ مثل هذا التنوع في الأزهار حتى في فلسطين. تعتبر الكاتبة كل هذه المناطق – أورفا والرها وماردين ودياربكر وغيرها من أجزاء بلاد العرب التركية. وهناك تفاصيل شيقة عن الأمراض المنتشرة في الموصل وجوارها وما واجهوه من صعاب لكسب ثقة المحمديين وأثر وجود المستشفيات الإرسالية في تبديد الرفض الإسلامي للمسيحية.

يختتم الكتاب بتصور مذهل لمستقبل بلاد النهرين واستعادة مجدها مع مد سكك الحديد بين برلين وماردين ليصل إلى الموصل، وتهيئة نهر دجلة للملاحة بين الموصل وبغداد وربما شمالا حتى دياربكر، ومع صيانة قنوات الري المهملة، والتي لا تزال ظاهرة للعيان، لتعيد مجد البلاد القديم.
استمتعتُ بقراءة كل كلمة في هذا الكتاب، وشعرتُ بحزن عند انتهاءه. أنصح كثيرًا بقراءته وأرجو لكم وقتًا طيبا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران.. أنصار النظام يطالبون بإنهاء الاحتجاجات وأعمال الشغب


.. احتجاجات ومظاهرات في إيران.. هل يمكن أن تغير النظام؟


.. دراسة: المشي لـ10 دقائق يوميا يساعد على العيش لفترة أطول في




.. ما هي شروط واشنطن لاستمرار منصة تيك توك في الولايات المتحدة؟


.. مفاوضات رسمية بين شركة بايت دانس الصينية والحكومة الأميركية