الحوار المتمدن - موبايل


قول الصدق

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2020 / 12 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الصدق أن تقول الحقيقة. لكن، هل تعرف الحقيقة، كل الحقيقة؟ ومن الذي يعرف الحقيقة، كل الحقيقة؟! نحن نتحدث عن كل شيء وفي كل أمر يمس حياتنا ووجودنا ليس في هذه الحياة الدنيا فحسب وإنما في الآخرة كذلك. لا بأس. هذا له فائدة عظيمة في تدبر معيشتنا والارتقاء بها على الأرض وهو، لا جدال، حق أصيل من حقوق الإنسان. من حق كل إنسان أن يتحدث في كل قضية ومسألة "يتصور" أن لها آثار وتداعيات سواء على حياته الدنيا أو الآخرة. لكن، رغم ذلك، هل حديثه هذا حق رغم تصوره أنه كذلك؟!

الرجل، أي وكل رجل، كائن ناقص بطبعه، مقيد بشروط زمانية ومكانية محدودة للغاية تحول دون بلوغه الكمال في أي شيء. أمد حياة الإنسان في الأرض قصير للغاية على المقياس الكوني، مساحة حركته محدودة للغاية، وهو في الحقيقة لا يعادل أكثر من مجرد ذرة غبار في كون لا متناهي. كيف لذرة بهذه الضآلة أن تملك، أو تدعي، حقيقة كون لا متناهي؟! أقصى ما يستطيع الانسان ادعائه من الحق والصدق يجب أن يتناسب مع حجمه في الكون. وحتى هذا الحق والصدق النسبي المتناه الضآلة لن يكون كاملاً ومستوفياً بقدر ما يكون من منظور معين، في زمن معين ومكان معين، ومحكوم بشروط ومتغيرات معينة. هذه هي طبيعة الإنسان، ناقصة ومحدودة، وهكذا سيكون كل ما سيصدر عنها من أقوال وأفعال مهما تصور الإنسان نفسه خلاف ذلك.

مع أن الإنسان بنقصه لا يملك الحق الكوني المطلق، لكنه لا يزال يملك من الحق والحقيقة ما يلبي له حاجته للبقاء والرخاء، في الدنيا والآخرة. ورغم ضآلة هذا الحق والحقيقة في أقوال الرجل وتصوراته، لكنها تكفيه لاستكمال الرحلة. المشكلة تظهر حين يدعي الرجل أن ما يملك من الحق والحقيقة يزيد عن كفايته الذاتية ويتخطاها إلى الحقيقة المطلقة الكافية لإشباع الآخرين في أزمنة وأمكنة أخرى، وربما البشرية جمعاء أمد الدهر.

حين يتحدث الرجل في أي موضوع أو مسألة مهما كانت، هو حينئذ يتحدث من منظوره "هو"، من مكانه وزمانه "هو"، وفق احتياجاته وآماله وتصوراته "هو"، ولن يستطيع أبداً أن يضع نفسه "بالضبط" مكان أي شخص آخر حتى يستطيع أن يتحدث باسمه مثلما يتحدث عن نفسه. حين يتحدث المرء عن نفسه، هو حينئذ يعطي وجهة نظر شخصية، ذاتية التي لن تصدق أو تنطبق بالضرورة على شخص آخر، أو تلبي له احتياجاته وآماله وتصوراته "بالضبط" كما يحس ويشعر بها هو نفسه. كل شخص هو أعلم شخص في العالم بنفسه، وباحتياجاته وآماله وتطلعاته.

هل رجل السياسة، أي وكل رجل سياسة، حين يتحدث باسم الأمة يقول الصدق السياسي باسمها؟ لا، لأنه رجل ناقص ونسبي مثل أي رجل آخر. ومثل كل رجل آخر، هو في أحسن الأحوال يعبر عن رأيه ومنظوره السياسي الشخصي أو الحزبي. لذلك، لا ديمقراطية، ولا سياسة بالمعنى السليم، من دون حرية الرأي والتعبير والمعارضة والاختلاف. حين لا يسمع سوى صوت السياسي منفرداً، مهما كان عالياً ومدوياً، هو حينئذ "يكذب" على نفسه والآخرين متصوراً أنه يقول الحق والصدق. لكن الصدق نسبي، يوزن ويقارن بمقدار ما تحمله الآراء والتصورات المغايرة والمعارضة من حقيقة نسبية.

وماذا عن رجل الدين حين يتحدث باسم الدين؟ هل يجسد حديثه الدين حقاً، أم مجرد وجهة نظر شخصية في موضوع ديني مثل وجهة النظر العادية لأي شخص آخر؟ هل يستطيع رجل الدين الناقص بحكم كونه رجلاً أن يملك ما يدعي كونها الحقيقة الدينية المطلقة؟

إذا كان رجل الدين يكذب حيال ما يدعيها حقائق إلهية مطلقة لأنه بحكم نقصه البشري ما من سبيل يوصله إلى أبواب الحقيقة المطلقة، فماذا عن الأنبياء والرسل؟ أليس ما قالوه الصدق والحق؟

عندئذ لابد أن نتساءل: هل هؤلاء الأنبياء والرسل رجال بشر مثل سائر الرجال أم كائنات غير ذلك؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - السيدة سعاد ( سابت )
هانى شاكر ( 2020 / 12 / 23 - 13:30 )

السيدة سعاد ( سابت )

منين اجيب دموع اذرفها ؛ على أمة فى العسل نامت
سعاد على الله و ع الحكومة ؛ و فى ايد القضا حقها سابت
دارت دواليب المحاكم سنين ؛ لا حق ولا ادب جابت
عينى عليكى يا سعاد ... جبل شامخ لقبها و قلبها ثابت


و حزنى

....


2 - حقيقه مؤلمه
على سالم ( 2020 / 12 / 23 - 16:32 )
لاشك ان اداره الدوله المصريه الغبراء تعانى من الحول العقلى والبهيميه والتأخر والبلاده الفكريه

اخر الافلام

.. الشريعة والحياة - هذه أوجه إعجاز القرآن ومناهج تفسيره


.. شاهد: مواجهات في القدس الشرقية احتجاجا على إخلاء منازل فلسطي


.. دمهم عند بعض حلال??.. الجماعة التكفيرية كان هدفها تسيطر على




.. شيخ الأزهر يثير نقاشا حول تجديد الخطاب الديني.. وتفاعل واسع


.. بانوراما | احتمالية سيطرة حركة طالبان على الأوضاع في أفغانست