الحوار المتمدن - موبايل


أنا الإنسان، أنا الوطن: قصةُُ حياة 7

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2020 / 12 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


2- الوطن كيان اجتماعي-سياسي

تحدثنا كتب التاريخ والسيرة عن حياة الرسول محمد وعن هجرته من مكة إلى المدينة. وربما بسبب هذه الهجرة بالذات لا تزال المدينة المنورة تمثل مكانة ورمزية دينية خاصة لدى المسلمين، وثاني أقدس المزارات الإسلامية بعد مسقط رأس الرسول ومنطلق دعوته، مكة المكرمة، المدينة الأقدس لدى المسلمين وقبلة صلاتهم حتى اليوم. في الزمن الحاضر، يعلم كل منا أن كلاً من مكة المكرمة والمدينة المنورة هما مجرد مدينتين ضمن مدن المملكة المتعددة، بل وقريبتين كثيراً من بعضهما جغرافياً. كيف، إذن، يهاجر شخص داخل وطنه ليحتمي بأنصار له في المدينة من بطش أهله وقومة في مكة؟

هل يعني ذلك أن مكة كانت بمثابة وطن منفصل، أو دولة مستقلة عن المدينة، بحيث لا يستطيع قومه في مكة الوصول إليه وإيذائه في المدينة، تماماً مثلما يفعل اللاجئ السياسي أو الحقوقي هذه الأيام حين يلوذ بحماية دولة أخرى من بطش وتنكيل النظام السياسي في وطنه الأم؟ وهل يعنى أيضاً أن توفر الأرض الواحدة، واللغة والثقافة والعادات والتقاليد وحتى القومية الواحدة، والدين الواحد، علاوة على المعاملات الاجتماعية والتجارية والمصالح المشتركة، لم تكن كافية لتأسيس وطن واحد لأهالي مدينتي مكة والمدينة معاً، حتى رغم عودة نسبتهم إلى نفس "القوم" العربي؟ باختصار، لماذا لم ينشأ وطن عربي واحد يضم جميع القبائل العربية في شبه جزيرة العرب؟

الإجابة، أنه رغم الكثير من القواسم المشتركة التي جمعت ولا تزال بين المدينتين، كان ثمة عنصر حاسم لا زال مفقوداً- التنظيم الاجتماعي-السياسي، أو الهيكل التنظيمي القادر على أن يجبرهما ويدمجهما في وطن واحد ولم يتوفر فعلاً سوى بعد ظهور الإسلام. هكذا، تعتبر وحدة التنظيم السياسي-الاجتماعي شرطاً مسبقاً وضرورياً لنشأة الأوطان وبقائها، حتى إذا كان بحد ذاته غير كاف في غياب عوامل حاسمة أخرى.

لكن ماذا يمنع مكة، أو المدينة، كل بمفردها من أن تشكل وطناً مكتمل الأركان لقاطنيها؟ ألم تستوفي مدينة مكة شروط الوطن لقاطنيها حينذاك؟ ألم تكن تشغل مساحة جغرافية محددة، ويقطنها تجمع محدد من الناس يوحد بينهم تنظيم سياسي-اجتماعي واحد حتى لو تناوبت على سدته القبائل المتناحرة فيما بينها، فضلاً عن مشتركات اللغة والدين والعرق والمصلحة والمنفعة المشتركة...الخ؟ ألم يكونوا يتغاضون مؤقتاً عن صراعاتهم ونزاعاتهم وحروبهم الداخلية ليوحدوا الصفوف فيما بينهم دفاعاً عن وطنهم الصغير بأرواحهم؟

في الحقيقة، لا يشترط في الوطن لكي يؤهل ليكون وطناً أن يشغل مساحة شاسعة من الأرض، أو يقطنه تجمعاً ضخماً من السكان بالضرورة. طالما توفرت المساحة الجغرافية الواضحة والمحددة المعالم، والتجمع البشري الكافي للذود عن هذه الأرض وبلوغ درجة ما من الاكتفاء الذاتي، تستوفى عندئذ شروط نشأة الوطن، الذي قد تتسع مساحته فيما بعد أو تقل حسب الظروف، أو ينمو عدد سكانه أو يتناقصون حسب الظروف.

هكذا، في التاريخ القديم على الأقل، يمكن أن نعتبر مدينة مكة بمفردها قبل ظهور الإسلامي "وطن"، أو "مدينة-وطن"، وكذلك الحال بالنسبة للمدينة المنورة وبقية قرى ومدن شبه الجزيرة العربية في ذلك الزمان. هكذا كانت أيضاً "المدن-الوطن" مثل أثنيا وأسبرطة، وغيرهما من مدن اليونان القديمة. بل يمكن القول أن تلك "المدن-الوطن" كانت السمة الغالبة في جميع أنحاء العالم في ذلك الزمان، وربما قد ينحصر نطاق الوطن عن ذلك إلى نطاق لا يتعدى بضع أميال في شكل قرية-وطن، أو يتسع إلى نطاق يتجاوز آلاف الأميال في صورة إمبراطوريات كبرى كتلك التي أقامها ملوك فارس والاسكندر الأكبر المقدوني ويوليوس قيصر وأباطرة الرومان، ومثل الإمبراطورية العثمانية والفرنسية والإمبراطورية البريطانية العظمى حتى زمن ليس ببعيد.

في الأصل، الوطن منشأ اجتماعي-سياسي، يلزم لتوفره مجموعة من الناس تعيش معاً عيشة مشتركة على نفس القطعة أو المساحة من الأرض، ويخضعون لنظام اجتماعي-سياسي واحد. الوطن ليس هبة من الطبيعة متاحة هناك لكل لمن أراد التقاطها، أو تحمل عناء اكتسابها وتهيئتها لمصلحته ومنفعته الخاصة مثلما يفعل الإنسان مع مصادر الغذاء والماء والمعدن وقوى الطبيعية. بل هو جهد بشري خالص، ينشئه التجمع البشري لأغراضه الخاصة.

كذلك، ليس للوطن مساحة محددة من الأرض، أو عدد معين من السكان. بل هناك أوطان بالغة الضآلة مثلما هناك منها البالغة الضخامة. أيضاً، ليس للوطن صورة واحدة في كل الأزمان، ولا في كل الأماكن، بل تتغير صور الوطن من زمان لآخر ومن مكان لآخر. لكن رغم التباين الشاسع في صورها وأحجامها وخصائصها وشروط نشأتها والغاية من إنشائها، تبقى هناك عوامل حاسمة لابد من توفرها لقيام الأوطان، على رأسها الأرض والجماعة البشرية صاحبة الحق الحصري لبراءة اختراع الوطن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زاهي علاوي : المنظمات الدولية تمول الارهاب تحت ستار المساعدا


.. للمرة الثانية.. البرلمان التونسي يصادق على مشروع قانون تشكيل


.. خسائر بشرية وعسكرية لميليشيا الحوثي في مأرب




.. أشرف عبد العزيز: هذه المنطقة هي منطقة إستراتيجية لذلك هناك أ


.. بلا حدود - مع رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة