الحوار المتمدن - موبايل


التصور وطاقة التعبير في فنون الإخراج المسرحي الحداثي وما بعد الحداثي - دراسة مقارنة في مناهج الإخراج -

أبو الحسن سلام

2020 / 12 / 30
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


مقدمة البحث:
تختلف طاقة التعبير عند المبدع كاتبا أو مصورا أو سينوجرافيا أو مخرجا باختلاف قدرته على التصور المسبق عن موضوع إنتاجه الإبداعي والتوصل عن طريق التصور للشكل الملائم للتعبير عن ذلك الموضوع أو الفكرة . ولا يختلف هذا الأمر بين كاتب أو شاعر، أو مخرج ، أو ممثل. فالتصوريطلق طاقة التعبير التي تنتج الصورة في القصيدة أو الصورة أو المسرحية عند المؤلف وعند المخرج .
وهذا البحث يتناول دور التصور في توليد طاقة التصوير والتعبير في كل فن من الفنون بصفة عامة ، والإخراج المسرحي الحداثي بصفة خاصة .

أهمية البحث :
إذا كان للتصور دورا رئيسيا في إنتاج الصورة الرئيسية في العرض المسرحي بصفة عامة ؛ فإن دورها يتضاعف مرات في تفعيل طاقة التعبير في إخراج المسرحية الجداثية وبعد الحداثية ؛ لتداخل فنون متعددة منها التشكيل السينوجرافي والغناء والرقص والارتجال والسرد التمثيلي والحكي وفنون الشاشة والوسائط المتعددة ، مما يشكل عبئا على المخرج الجداثي في عملية تصور يجمع بين عناصر مفترضة من كل تلك الفنون يمكنه من التوصل إلى شكل ملائم للنص الذي يقوم بإخراجه .
مفاهيم البحث :
( التصور ، المنهج المقارن ، الكولاج ، التشظي ، السرد الانعكاسي ، الاقتباس ، الكتابة على الكتابة ، الكتابة الإخراجية، التشويه ، البنية الحداثية ، التفكيك)

• مفهوم المقارنة :
• منهج بحثي لقياس فروق التوافق والاختلاف بين نص ونص ، وبين عرض وعرض مسرحي ، وبين نص مسرحي وعرضه على المسرح .
" في كل مكان توجد علاقة وفي كل مكان يوجد مثال وإيضاح ، وليس بإمكاننا فهم حدث واحد بطريقة ترضينا إلا بدراسة علاقته بأحداث أخرى أو آداب أحرى"
( ماثيو أرنولد ، مقتبس في سوزان باسنيت ، الأدب المقارن مقدمة نقدية ، المشروع القومي للترجمة ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 1999 ص 5)

و " الأدب المقارن بحث في التحولات والتغيرات والتطورات والاختلافات المتبادلة للموضوعات والأفكار الأدبية عبر الآداب " ( المرجع نفسه ص 6)

يعد الألماني ماكس كوح أحد مؤسسي علم الأدب المقارن ، يعد الأمريكي تشالز ميلز جيلي أحد مؤسسي الأدب المقارن بأمريكا الشمالية فالأ-ب المقارن هو " الأدب كوسيلة متميزة متكاملة للفكر ، وبتعبير مشترك ومجمع للإنسانية يختلف بلا شك حسب الظروف الاجتماعية للفرد وحسب المؤثرات والفرص والقيود العرقية والتاريخية والثقافية واللغوية التي تحكم هذه الظروف ، ولكنها وبغض النظر عن العمر أو الشكل تحثها احتياجات وطموحات إنسانية مشتركة تحكم المادة والنمط كما تحكم الفرد والمجتمع الإنساني "
( المرجع نفسه ص 7 )
ويوصف " القائم على المقارنة يوصف بأنه إنسان صاحب قضيأو بأنه نوع من السفراء يعمل في مجال الآداب المقارنة للأمم المتحدة
تتطلب الدراسة المقارنة الكثير من المعارات اللغوية والتقنية مع قدرة الدارس على كبح مشاعره المحلية والقومية ، ويتجرد من المشاعر في تعرضه وتقويمه المقارن بين منهج إخراج عروض مسرحية أجنبية ومنهج الإخراج في عروض مسرحية لجنسية أخرى مصرية أو أجنبية شرقية أو غربية.

• مفهوم الحداثة:
هي بتعبير الناقد الإيطالي (جياني فاتيمو): " تعدد الأنا الخاصة بالفنان "
وفي موسوعة النظرية الثقافية – لأندرو وبيتر سيدجويك ، المصطلح مشتق من الكلمة اللاتينية ’Modrernus ومن كلمة Modo التي تعني مؤخرا أو حديثا
– هي " ماعرضة لشئ ما وخاصة معارضة مرحلة تاريخية مرت وانقضت وتجاوزها الناس "
ومن المقطوع به في مسيرة المعرفة التاريخية أنه لا حداثة تسبق التحديث ، فالتحديث يستدعي الحداثة . وفي الحداثة يتعدد المعنى في النص أو العرض المسرحي الواحد بتعدد عدد المتلقين .
وللحداثة وجهان : وجه يقطع الصلة بالماضي ، ووجه يعيد إنتاج بعض إشعاعات التراثية الدافعة في اتجاه المستقبل المأمول. وهناك من يأخذ بهذا ومن يأخذ بذاك وكلاهما مع ذلك التباين بين المأخذين متنافر الذات مع تراثه ومع واقعه (مغترب عنهما) هادم لنماذج الموروث بغية إعادة إنتاجها بما يتوافق مع تفاعلات عصره .
وينطبق هذا على الإبداع والمبدعين الحداثيين مثلما ينطبق على النقد الحداثي وما بعده . الفنان المسرحي الحداثي ، متنافر مع تراثه ومع مجتمعه طلبا لنسق أداء جديد يجسد أو يشخص هوية خطاب عصري متوالد المعنى دوما . والمسرحي الحداثي وما بعد الحداثي ، لا يتبع ما لم يكن من اختياره العقلي . هو لا يكون على يقين أبدا ، ولا يصل أبدا إلى حالة الرضا عن عمله المسرحي.
• مفهوم مابعد الحداثة:
ترفض مابعد الحداثة وجود معنى نهائي للعمل الأدبي أو الفني ، باعتبار النهاية المفتوحة ، فطالما تععد المعنى الخاص في العمل بتعدد المتلقين الذين لا ينتهون إلا بنهاية الحياة ، وبما أنهم مختلفون على معنى واحد تام للعمل الواحد ، فيستحيل القول بمعنى واحد تام للنص أو العرض . وبما أن المعنى مختلف عليه فإرجاء ذلك الاختلاف حوله لازم ، لذلك ظهرت نظرية ( الاختلاف المرجأ) على معنى النص / العرض – بتعبير فيلسوف التفكيكية (جاك دريدا) .
ويرى (لويتار) أن ما بعد الحداثة " تجسد الحداثة شكلا من اشكال الشوق الشديد إلى إحساس مفتقد بالوحدة وتنشئ عقب ذلك شكلا من أشكال الجمال الذي يعنى بالتفتيت والتشظي "
( أندرو إدجار وآخر ، موسوعة النظرية الثقافية ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة 2009 سص262 )



• مفهوم الكتابة على الكتابة في فن الإخراج المسرحي :
لجأ كتاب/ مخرجو مسرح مابعد الحداثة عند معالجة نصوص كلاسيكية إلى إعادة كتابة النص الكلاسيكي بمنظور عصري يتناسب مع مستجدات العصر الحديث الذي يعيشونه فربطوا النص والعرض المسرحي بالظواهر المرئية ورفضوا موت البطل ورأوا في الأحاسيس الإنسانية عناصر مؤقتة ، وعملوا على تفكيك عظامية الشخصية التراجيدية واستبدلوا مواضع الشخصيات المحورية بمواضع هامشية في بنية الأحداث ورفعوا الشخصيات الهامشية فجعلوها محور الحدث ، ورفضوا المعايير الفنية التقليدية ( التوازن ، الوحدة) ، وعمدوا إلى استثارة الجمهور من خلال الصور والعناصر المتضافرة والمبالغات وتداخلت في عروضهم عناصر من فنون النحت والشعر والموسيقى والتصوير والرقص ، وتأثرت البنية الدرامية للنص بتقنيات كتابة السيناريو فدمجت تقنيات السينما مع تقنيات المسرح ، كما مزجت تقنيات الأداء في المسرح الشرقي بتقنيات الأداء في المسرح الغربي فتبادل أداء الممثل الحي على خشبة المسرح مع أداء الممثل على شاشة العرض ، كما اعتمد الأداء على الجسد.
أدت عملية الكتابة على الكتابة إلى تقلص دور المؤلف وقوة نفوذ النص من خلال الصياغة التفكيكية / ما بعد الحداثية ، التي تعمدت – عند بعض المخرجين ، خاصة السينوجرافيين - تشويه للنص الكلاسيكي ونقض بنيته ونقض خطابه الدرامي – علي نحو ما فعله أحد المخرجين البولنديين في الصياغة الإخراجة في مشهد ( قراءة ليدي ماكبث لخطاب ماكبث) إذا جعلها تقرأ خطاب زوجها ماكبث - الذي أرسله إليها من ساحة الحرب – وهما يمارسان الحب علي مخدع الزوجية بعد رجوعة منتصرا من الحرب ـ أو جعلها تنخيل ذلك في أثناء قراءتها لخطاب زوجها ؛ وبذلك أنتج معني جديدا - مسكوتا عنه- يعكس تأثر المخرج بنظرية ( فرويد ) عن - سلطة الجنس- حيث يري أن الجنس هو الباعث علي تطور أحداث التاريخ . وبذلك يكون انجراف ماكبث وراء طموحات الليدي ماكبث في الوثوب علي عرش ( الملك دنكن ) بالتآمر علي قتله وهو علي سرير ضيافتهما بسبب إيقاظها لطموحات زوجها المسكوت عنها بتأثير عامل الجنس .
ومثاله أيضا مشهد روميو وجولييت ( مشهد الشرفة) في تشوية القصدي الذي شخصه ممثل دور روميو في عرض من إخراج أحد أبنائنا من جيل شباب الألفية ؛ إذ جعل ممثل دور روميو يقفز علي ظهر ممثل مشارك له في مشهد الشرفة الرومانسي ، وهو يغازل ( جولييت) . وهو تصور شوّه الموقف عن - سبق إصرار وترصد – لا يرقي إلي تشويه المخرج البولندي لمشهد : ( قراءة خطاب ليدي ماكبث ) لأنه لم يستند إلي تأثر بفكرة أو معني عميق.

• مفهوم التصور:
التصور عملية جوهرية لا يقوم إبداع إلا عليها ؛ عند الشروع في إنتاج عمل أدبي أو فني ، ولا نبالغ إذا قلنا عن البدء في تجربة علمية على المستوى النظرى أو التطبيقي والعملي .
والتصور " هو صناعة المفاهيم أو المعاني الكلية وإدراكها. أو هو هو تكوين المفهوم أو الفكرة العامة" ونظرا لأهمية التصور في عمل الفنان مصورا كان أم مسرحيا أم موسيقيا يقول ماتيس – رائد الوحشية في فن التصوير- " على الفنان أن يبحث عن التصورات ذات الكفاءة التي تتحول من خلالها حقائق الطبيعة إلى فن . والألوان والخطوط هي قوى فعالة، وسر الإبداع يكمن في الاستخدام المتوازن "
وعن تجربته الإبداعية يقول أيضا : " إنني أعمل من خلال مشاعري ويكون لدى التصور في رأسي وأريد أن أحققه ، وأستطيع في الغالب أن أعيد إدراكه لكي أعرف دائما متى يجب أن ينتهي . " ومعنى ذلك أن التصور وليد عملية الإدراك . وفي هذا المعنى يقول (أرنهايم) : " التصوررات تنبثق من عمليات الإدراك ، وتتحرك الأكار الخاصة بها في أشكال عقلية تجريدية"
ولأهمية التصور في العملية الإبداعية يستشهد (سابارتيز) بطقوس بيكاسو ، يقول : " إن عقل بيكاسو بالقدرة على افتراض التصورات . وفي الوقت نفسه ، الذي يقوم فيه بتدميرها ؛ ثم صياغة تصورات جديدة "
ويبدو هنا تقارب دور التصور عند الفنان مع دور الباحث الأكاديمي ، فكلاهما لا يأخذ بالانطباع أو التصور الأول .
والتصور بهذا الشكل ليس عملية سهلة ، ذلك " أن أطول فترة يقضيها المصور المبدع هي التي يقضيها في التفكير في لوحة ، وتصوير اللوحة ذهنيا هو جزء كبير من العملية التي تتلخص في إيجاد شكل لها . " - كما يقول انجرز -
إشكالية البحث :
وإذا كان على المصور - كما يقول (انجرز) " .. ان يضم لوحته كلها في رأسه قبل تنفيذها " فهل ينطبق هذا على المؤلف أو المخرج المسرحي . هل يمكن لمخرج مسرحي أن يضم صورة عرضه المسرحي كله في رأسه قبل تنفيذها ؟!
تلك هي إشكالية هذا البحث التي تتكشف عبر التساؤلات :
• هل يفترض في المخرج المسرحي الحداثي أن يضم صورة عرضه المسرحي كله في رأسه قبل بدء إخراجه للعرض المسرحي ؛ مع مراعاته لتعدد دلالات موضوع العرض ؛ حتى يكون عرضا حداثيا ؟
• هل يفترض في المخرج ما بعد الحداثي ضم البنية المتشظية لصورة عرضه المسرحي وأن يحرص على تفكيك دلالة العرض باعتباره عرض مسرح ما بعد الحداثة .؟

منهج البحث : المنهج المقارن .
مجال البحث : الإخراج المسرحي.
حدود البحث : نماذج من جهود الإخراج الحداثي وبعد الحداثي في المسرح العالمي.
المعاصر.
عينة البحث :
من مخرجي/ كتاب العرض المسرحي الحداثي ، وما بعد الحداثة :
( روبرت وبلسون ، ريتشارد فورمان ، جوزيف شاينا ، كانتور ، مونجييك ، أوجستوبوال، بينا باوش ، جروتوفسكي ، أيوجينو باربا ، هاينز مولر ، كريس كليف ، بيتر نا-اس، جوزيف هيللر، مورمان مايلز، دينيس جونسون، روبرت إيرفين ، إيرنست جاينس، روبرت كوفر، جون بارث )
ركائز المقارنة : تتم المقارنة بين المخرج المؤلف في عروض مسرح الحداثة ،
وعروض مسرح مابعد الحداثة .
نقطة البحث : التصور المسرحي وتقنيات التفكيك في نماذج من عرةض أهرحعا المخرج المسرحي المصري ( سمير العصفوري )








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قرار إغلاق المطاعم والمقاهي في رمضان.. مع أم ضد؟ | #نقاش_تاغ


.. بدء تنفيذ إجراءات الحجز التحفظي على السفينة -إيفرغيفن-


.. مجموعات الشارع وأحزابها تجتمع لطرح مشروع لإنقاذ لبنان




.. أمريكا.. توصيات بإيقاف استخدام لقاح جونسون أند جونسون


.. تايوان تدشن أول سفينة حربية برمائية