الحوار المتمدن - موبايل


المستشرق الروسي بارتولد (1869-1930)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2021 / 1 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


أحد أشهر وأكبر المتخصصين الروس بشئون العالم الإسلامي(تركستان أو اسيا الوسطى) والثقافة الاسلامية. لعب دورا كبيرا في الاستشراق والاستعراب والدراسات الاسلامية في روسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي. إذ ساهم في إرساء تقاليد المنهج العلمي التجريبي، والبحث الدقيق في المصادر الأصلية من اجل دراسة التاريخ والفكر والثقافة، وكذلك استعمال ابحاث التنقيب المباشر.
ولد فاسيلي فلاديميروفيتش بارتولد عام 1869 في عائلة ثرية تعمل في مجال المال والبورصة. وترجع عالته إلى أصول المانية. انهى دراسته الأولية عام 1887 في مدينة سانت بطرسبورغ. ثم دخل جامعة سانت بطرسبورغ ودرس في كلية اللغات الشرقية. تخرج من الجامعة عام 1891. وقد ساعدته الحالة المادية للعائلة على السفر والدراسة في الخارج. وفي عام 1899 نشر كتاب ستانلي لان بول (السلالات الإسلامية) الذي ترجمه بارتولد نفسه بعد ادخال عدد لا يستهان به من التدقيقات والتصويبات والشروح عليه. وقد تأثر بارتولد قبل ان تتكامل شخصيته العلمية الفردية بكتابات المستشرقين الروس الكبار مثل فيسيلوفسكي والمستعرب روزن والمتخصص بالشؤون التركية رادلوف والمتخصص بالتراث الفارسي جوكوفسكي، أي تلك الكوكبة الروسية العلمية للمستشرقين والمستعربين والمتخصصين بالدراسات الإسلامية التي ارست قبله مقدمات الرؤية والمناهج العلمية فيما سيعى للتخصص فيه.
اما بالنسبة لمساره العلمي فقد بدأ عام 1900 بالدفاع عن رسالته (تركستان في عهد الغزو المغولي) وحصل بأثرها على درجة الدكتوراه في تاريخ الشرق. بعدها اخذ بالتدريس في جامعة سانت بطرسبورغ عام 1892. وكان يقوم سنويا برحلات إلى بلدان الشرق. وتدرج في مرتب التدريس إلى أن حصل على لقب بروفيسور عام 1906. ثم أصبح سكرتير اللجنة الروسية التي أنشئت في عام 1903 لدراسة منطقة آسيا الوسطى وشرقها. وقام عام 1904 بحفريات أثرية في محيط سمرقند. وانتخب عام 1910 عضوا مرشحا في أكاديمية العلوم. وحصل على لقب اكاديمي عام 1913 باختصاص "أدب وتاريخ الشعوب الآسيوية".
قام بارتولد منذ وقت مبكر من نشاطه العلمي بزيارة المراكز العلمية في أوروبا. حيث سافر إلى كل من ألمانيا وفنلندا وسويسرا وشمال إيطاليا والنمسا والمجر بين اعوام 1891-1892. كما قام برحلات علمية عديدة. ومن بين أهمها ما قام به عام 1913 في رحلته العلمية إلى جبال الأورال الجنوبية وسيبيريا وآسيا الوسطى. وزار مدينة أورينبورغ، وأوفا. وجرى تعيينه في اللجنة الاكاديمية عام 1917 لدراسة التكوين القبلي لسكان روسيا والدول المجاورة.
وبعد ثورة أكتوبر عام 1917 ترأس بارتولد هيئة المستشرقين التابعة للمتحف الآسيوي. وكانت إحدى مهماتها الأساسية تقوم في إنشاء أبجدية لشعوب روسيا التي لا تمتلك أبجديتها الخاصة، كما قامت باستبدال الأبجدية العربية بالكيريلية (الروسية). وزار مدينة باكو بين اعوام 1924-1926 حيث شارك بنشاط إلى جانب أساتذة من جامعتي ليننغراد وقازان بإنشاء وتنظيم عمل الكلية الشرقية في جامعة أذربيجان. والقى محاضرات خاصة لطلاب هذه الجامعة حول (تاريخ أذربيجان)، وكذلك (حول أماكن الأقاليم المحيطة ببحر قزوين في تاريخ العالم الإسلامي). وكشف فيها عن أهمية مدينة اذربيجان بهذا الصدد. وعمل الكثير من اجل استعادة وإحياء التاريخ الاذربيجاني بما في ذلك تتبع حالة المساجد والقصور والحصون والمقابر. كما اشترك في التحضير والعمل للمؤتمر العلمي الأول للمتخصصين بالتاريخ التركي المنعقد في باكو عام 1926.
عمل بارتولد في اغلب المكتبات العالمية الكبرى آنذاك في كل من إنجلترا وألمانيا وفرنسا وتركيا وغيرها. إضافة إلى المكتبات الوطنية في لينينغراد وموسكو وطشقند وباكو وغيرها. وكان هدفه الرئيسي، وبالأخص ما له علاقة بسفراته إلى الخارج هو دراسة مجموعات المخطوطات الشرقية. وقد قدم مساعدات علمية جمة بهذا الصدد للأرشيف المكتبي ليس داخل روسيا والاتحاد السوفيتي بل وخارجهما أيضا. ومن بين أكبر انجازاته بهذا الصدد هو عمله في مكتبة لينينغراد العامة منذ عام 1927 حتى وفاته 1930. وقد قدم توصيف دقيق لأكثر من خمسمائة مخطوطة تحت عنوان (السلسلة العربية) و(السلسلة الفارسية) و(السلسلة التركية). وبهذا يكون قد قدم مادة وكتب مهمة بالنسبة لدراسة الإسلام والتاريخ الثقافي الإسلامي والاستعراب والاختصاصات المتعلقة بالتاريخ والثقافة الفارسية والتركية. وقد وضع قبل موته خطة لمدة خمس سنوات عما ينبغي القيام به في مجال الفهرسة وتنظيم المخطوطات. غير ان وفاته عام 1930 حالت دون تحقيق هذه المهمة، والتي سيجري لاحقا استكمالها من قبل الرعيل العلمي للاستعراب والدراسات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي.
لقد نفذ بارتولد مهمته التنظيمية للعلوم والمعارف والأبحاث. فقد ترأس تحرير "منشورات الفرع الشرقي لجمعية الآثار الروسية الإمبراطورية" (1908-1912)، ومجلة (عالم الإسلام) (1912-1913) ومجلة (العالم الإسلامي) (1917) و(منشورات هيئة المستشرقين) (1925-1930). توفي بارتولد عام 1930 ودفن في مقبرة سمولينسك اللوثرية.
ساهم بارتولد في نشر المعلومات العلمية حول الدراسات الشرقية الروسية في المجلات والمحافل الأوربية المتخصصة بقضايا الاستشراق والاستعراب والدراسات الاسلامية. إذ كان اهتمامه الأساسي يتعلق بتاريخ شعوب ودول آسيا الوسطى، وقضايا التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب، وتاريخ الإسلام. ففيما يتعلق بتاريخ آسيا الوسطى والشعوب التركية فقد ترك اعداد كبيرة من الابحاث والمقالات والدراسات والكتب الكبيرة، التي أثرت على عقول الكثير من المفكرين الروس الكبار. كما إن الكثير منها ما زال يحتفظ بقيمته العلمية والثقافية. فقد كتب عن القرغير والطاجيك والتركمان والأوزبك والايغور وغيرهم. إضافة إلى احد أعماله التاريخية عن حياة وشخصية جنكيزخان وتيمورلنك. كما كتب الكثير من الأبحاث المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي، والجغرافيا التاريخية، وعلم الآثار في آسيا الوسطى. وما يميز كتاباته هو اعتماده فيها على المصادر العربية الاسلامية في الكتابة عن تاريخ الشعوب السلافية بشكل عام والروس بشكل خاص. كما تجدر الإشارة إلى أبحاثه المتعلقة بتاريخ صدر الإسلام، التي اخضع فيها المصادر التاريخية إلى تحليل علمي ونقدي عميق من أجل استخلاص الحصيلة الموضوعية والدقيقة بصدد الأحداث والشخصيات والظواهر المختلفة للحياة الثقافية والسياسية والعقائدية.
ومن الممكن اجمال أعماله الأساسية ذات العلاقة بتاريخ آسيا الوسطى، والشعوب التركية، والإسلام، والثقافة العربية الإسلامية بالمؤلفات التالية (المسيحية في تركستان في فترة ما قبل المغول) (1893-1894)، و(نشوء إمبراطورية جنكيز خان) 1896، و(تاريخ وجغرافية إيران) 1903، و(تاريخ دراسة الشرق في أوروبا وروسيا) 1911، و(الخليفة والسلطان) 1912، و(من ماضي الأتراك) 1917، و(تاريخ الحياة الثقافية في تركستان) 1927، و(قرغزستان:دراسة تاريخية)1927، و(محاضرات حول تاريخ الشعوب التركية في آسيا الوسطى)، و(الثقافة العربية الاسلامية). اما أعماله الكاملة فقد جرى جمعها وطبعها للمرة الأولى في الاتحاد السوفيتي عام 1963-1977 بتسع مجلدات، حيث خصص المجلد السادس منها لأبحاثه حول قضايا (تاريخ الإسلام والخلافة العربية).
إحدى الصفات الجوهرية التي ميزت الإبداع والكتابة العلمية عند بارتولد تقوم في تدقيق واختبار الأحكام والمفاهيم استنادا إلى المعطيات الموضوعية الدقيقة. وهذه بدورها ينبغي أن تستند على المصادر الأصلية وتدقيقها العلمي، إضافة إلى المعاينة التاريخية والتنقيب. ومن الممكن الكشف عن منهجه هذا، على سبيل المثال، عندما تناول الآراء والأحكام التي وضعها المستشرق الدانمركي كريتنسين في كتابه (امبراطورية الساسانيين) الصادر عام 1907، وبالاخص ما يتعلق منه بأحكامه عن أن السيطرة الاسلامية (العربية) على إيران قد أدت إلى انحطاط الثقافة وضمور الفتوة والفروسية وما شابه ذلك بأثر اندماج وذوبان الارستقراطية الفارسية في العوام. وهذا الحكم بدوره مبني على مقدمة تقول، بأن سيطرة العرب المسلمين كانت تعادل سيطرة القوى الهمجية على المدنية الإيرانية مما أدى إلى تخريب بلاد فارس. وقد وجد بارتولد في هذه الآراء والأحكام أشياء لا علاقة لها بالتاريخ الواقعي. وبرهن استنادا إلى معطيات التاريخ الفعلي على أن إيران لم تصب بالعطل والتخلف والانحطاط في ظل السيطرة الإسلامية، بل على العكس. ففي مرحلة الإسلام جرى التطوير الهائل للحياة المدنية والمدن والثقافة المدينة. وذلك لأن سيطرة العرب المسلمين، كما يقول بارتولد، قد أدت إلى تنشيط العلاقة التاريخية القديمة بين الامبراطورية البيزنطية وبين سوريا وإيران. كما كشف المؤرخون العرب في تدوينهم التاريخي عن كيفية وكمية نشوء وتطور المدن الجديدة التي ظهرت في ظل السيطرة الإسلامية، والتي تفوق ما كان قبلها بصورة نوعية. بل إن كل الانجازات الكبرى التي جرت آنذاك في فارس كانت بفضل الإسلام، كما يقول بارتولد. وبفضل التسامح الكبير المميز للإسلام فقد اشترك في هذه العملية الحضارية المسلمون وغيرهم من أتباع الأديان الأخرى. كما انتقد تشويه أصل ومضمون المفاهيم مثل الجزية والخراج، التي اعتبرها المستشرق الدنمركي على انها من نتاج التاريخ الساساني. بينما دقق له بارتولد هذا الجانب أيضا عندما شدد على أن الجزية والخراج هما نتاج الفكرة والتنظيم الإسلامي وليس لها وجود في ظل الساسانيين. والشيئ نفسه تجاه الموقف من الفروسية. فقد شدد بارتولد على أن الإسلام والثقافة الإسلامية وثيقة الارتباط بفكرة الفروسية والبطولة. وان هذه الظاهرة ليس لها أسسها في الإسلام فقط، بل وجرى تطويرها بشكل كبير بحيث بلغت ذروتها في التيارات الاسماعيلية. لكنها اضمحلت وتلاشت بعد هجوم المغول وسيطرتهم على إيران.
وضمن هذا السياق يسجل له أحد الاكتشافات التاريخية الدقيقة، والذي وضعه في أحد كتبه الشهيرة (الخليفة والسلطان) الصادر عام 1912. فقد أثبت فيه أن فكرة نقل السلطة الروحية أو ما يسمى بتسليم الخلافة من قبل الخليفة العباسي الأخير المتوكل إلى السلطان العثماني سليم في القرن السادس عشر هي أسطورة ظهرت في القرن السابع عشر ولا علاقة لها بالوقع. بمعنى انه لا نصيب لها من الصحة.
غير أن الانجاز الأكبر والأعمق لبارتولد فيما يخص موقفه من الحضارة الإسلامية والثقافة العربية الإسلامية يقوم ليس فقط في محاولته الكشف عن أثرها وقيمتها بالنسبة لعالم الإسلام فقط، بل وبالنسبة للثقافة العالمية ككل. اضافة لذلك انه سعى في حالات عديدة لتأسيس رؤيته الخاصة وموقفه من مختلف جوانبها. بمعنى اجتهاده الشخصي الذي لا يخلو في حالات معينة من عدم الدقة أو الخطأ أو سوء الفهم. وهذه كلها تبقى في نهاية المطاف اعراض لمستوى الرؤية المنهجية آنذاك إضافة إلى الصعوبات التي تعترض جهود ونوايا المرحلة التأسيسية للعلوم وصعوبة هضم الجوانب الخفية والدقيقة للثقافات الأخرى.
انطلق بارتولد، على سبيل المثال، في تحديده لماهية الحضارة الإسلامية من تحليل فكرة "الشرق" التي تجعل منه كيانا معارضا ومضادا "للغرب". وأشار بهذا الصدد إلى أن هذه الفكرة ظهرت للمرة الأولى زمن السيطرة الرومانية. أما قبل ذلك، فان مفهوم الشرق لم يتطابق مع الموقع الجغرافي. فاليونانيون على سبيل المثال كانوا يقسمون العالم إلى (جنوب مثقف وحضاري وحار ودافئ) و(شمال بارد وبربري). فقد قسم أرسطو العالم إلى شمال شجاع لكنه بربري ومعدوم القدرة على الحضارة، وجنوب يتميز بالقدرة على الحضارة لكنه بدون شجاعة. اما اليونانيون فيجمعون بين الاثنين (الحضارة والشجاعة). ومن اجل فهم طبيعة التطور الديني الإسلامي وأثره في الثقافة، استعرض بارتولد تاريخ النصرانية والمشرقية بشكل خاص لكي يكشف من خلالها التأثير المتبادل بين الأديان والحضارات. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج يقول، بأن الحضارة الإسلامية سبق وأن مهد لها واشترك فيها مختلف الشعوب وممثلي مختلف الأديان والحضارات وليس العرب فقط. وخصوصية السيطرة العربية تقوم في كونها لم تؤد، كما كان الحال بالنسبة للشعوب الأقل تطورا في بدايتها، إلى الذوبان أو الخضوع للدول المتحضرة التي جرى احتلالها، كما كان الحال بالنسبة للجرمانيين باحتلالهم روما حيث تحولوا إلى نصارى، أو تحول المغول إلى الإسلام بعد احتلالهم آسيا الإسلامية والهند. بينما اختلف الأمر بالنسبة للعرب وذلك بسبب خصوصية ما اسماه بارتولد بالعملية الاثنوغرافية واللغوية الخاصة التي رافقت السيطرة العربية. فقد كان انتشار اللغة العربية مترابطا بكونها لغة متطورة آنذاك. بمعنى أن العرب لم يتوسعوا ويسيطروا استنادا إلى قوة السلاح، بل وإلى اللغة ومقومات الحضارة. إذ كانت عندهم ثقافة روحية متطورة، وخصوصا في ميدان الشعر. ووضع هذه المقدمة في اساس نقده لمختلف أشكال ومستويات ومظاهر الرؤية "الغربية" الضيقة التي حاولت تفسير التاريخ بمعايير فكرة التضاد والتفوق العرقي والحضاري وما شابه ذلك. من هنا انتقاده للفكرة القائلة، بأن بناء المساكن (العمارة) في الحضارة الإسلامية هو تعبير عن روح الاستبداد فيها انطلاقا من أن البناء الشرقي مفتوح الداخل مغلق الخارج. ووجد في هذه الفكرة مجرد اتهام لا نصيب له من الصحة. إذ برهنت الأبحاث التاريخية والتنقيب على أن هذا النمط من البناء كان موجودا قبل الإسلام. كما أن البيت الحرام في مكة مفتوح على الخارج. أما في المجال الاجتماعي والاقتصادي فقد أدت السيطرة العربية إلى صنع منظومة جديدة مادتها اقتطاع (هدية) الأرض وليس الإنسان، كما كان الحال في أوربا القرون الوسطى وروسيا حتى القرن التاسع عشر. وبالتالي لم توجد ملكية الفلاحين بهيئة أقنان أو عبيد في الإسلام. فالفلاحون أحرار. كما أدت السيطرة العربية أينما حلت إلى ازدهار ثقافي وعمراني واجتماعي. إذ أدت إلى انتشار وبناء المدن، وتحطيم نظام الطوائف، وتجزئة ملكية الأرض الكبيرة. فمنذ النصف الثاني من القرن الثامن ساهم المسيحيون في دراسة العلوم اليونانية ونقلها الى العربية. وينقل لنا كيف ان الخليفة المنصور طلب من الإمبراطور البيزنطي أن يرسل له كتب تتعلق بالحساب والرياضيات. اما منتصف القرن التاسع فقد كان البداية الكبرى التي اخذت فيها ثقافة الخلافة بالتميز والتفوق على بيزنطة، حيث اخذت بضم عناصر ثقافية كثيرة ومتنوعة. وعلاوة على ذلك سمح الحكم العربي وبفضل التسامح الديني الجزئي بمساحة أكبر لنشاطها. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن أن النصارى كانوا أقرب الى المسلمين. لكنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بالأفضليات التي كانت عندهم في بداية الخلافة. وليس مصادفة ان لا تستطيع حتى أكثر الشعوب المسيحية الشرقية تطوراً كما كان الحال في سوريا ان تنتج ولو عالما واحدا أو فيلسوفا كبيرا بحجم الفارابي وابن سينا والبيروني وابن رشد.
أما في فارس وتركستان، فقد ظهرت إلى جانب دمشق والكوفة العديد من المدن التي بناها العرب بعد الفتح. فقد ساهم العرب في تطوير الحياة الحضرية والنمط المتغير للمدن. ويقوم أحد مصادر التطور الكبير والسريع للقفافة العربية الاسلامية في اعتماد العرب بشكل كبير على الشعوب الثقافية التي غزوها. كما ساهم التواصل الوثيق بين مختلف مناطق العالم الإسلامي بالنقل السريع للقيم الثقافية. وأدى إلى توسع وانتشار الموسوعات التاريخية المدونة للأحداث والمسار العام للخلافة والعالم الاسلامي ككل. ويمكن العثور في موسوعة الطبري التاريخية على مجموعة هائلة من المعلومات التي تشكل المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عن تاريخ القرون الأولى للإسلام حتى القرن العاشر. اما في مجال البحوث الجغرافية العربية، الذي يعد أثمن نصيب للثقافة الإسلامية في القرنين التاسع والعاشر، على هذا التواصل الثقافي الوثيق. كما تطور بشكل كبير فن الخرائط والحسابات الفلكية، واحتوت مكتبة الحكمة في بغداد المأمون على حصيلة التراث العالمي الممكن انذاك. كما أثر نجاح العلوم على المستوى الثقافي والعلمي والتعليمي للمجتمع. فقد أدرك العرب بالفعل الفرق بين عالم نحرير ومحترف في علم ما من العلوم، وبين الأديب الموسوعي.
وجنبا إلى جنب مع كل من سبق وأن جرت الإشارة إليه يظهر الشعراء وأهل الفكر والمعرفة. وكانت البلاغة هي السمة الرئيسية للأدب العربي مقارنة بالفارسية، التي كانت تتسم بأولية الفكر على الشكل، المضمون على البلاغة. وقد يكون ذلك سبب عدم اكتساب الشعر العربي الشعبية والتأثير على شعر الشعوب الأخرى مقارنة بالشعر الفارسي. والشيئ نفسه يقال عن مساهمة الفرس في الثقافة العربية والإسلامية. فقد كان أكثر وأكبر من مساهمة العرب. وهكذا استمر فيما بعد بغض النظر عن تعرض إيران لهجمات شرسة ومدمرة بأثر موجات المغول والتتر وغيرهم. وتوصل بارتولد في تأمله ودراسته للتاريخ الإسلامي الثقافي إلى فكرة تقول، بأن التأثير الحضاري للعرب في الحضارة العالمية أقل بكثير من تأثير الفرس. ويربط ذلك بقضية الأرض والملكية الخاصة، التي استمرت في فارس أكثر مما في مناطق العرب الأخرى. وهو استنتاج مبني على بقايا التأثير المنهجي لتناول انجازات الثقافة الإسلامية العامة بمعايير التقييم القومي والعرقي. كما انه لا يستقيم مع الواقع حتى عندما يجري النظر اليها ضمن هذا السياق. وذلك لأن الحضارة الإسلامية من حيث صيرورتها وكينونتها ترتبط ارتباطا عضويا بمكونها العربي. كما انه استنتاج مبني على مستوى وحصيلة المعرفة الفعلية بالتراث الثقافي الإسلامي ككل آنذاك، اضافة إلى التخصص الدقيق لبارتولد بالدراسات الإيرانية والتركية. وبالتالي، ليس في هذه الأحكام معرفة عميقة بهذا الصدد، إلا انها كانت إحدى الأفكار الواسعة الانتشار آنذاك بسبب قلة المعرفة والدراية، إضافة إلى واقع اندثار العرب الثقافي والسياسي في المرحلة التأسيسية للاستشراق والاستعراب الروسي. من هنا غياب أثرهم الحاسم في الدراسات الإسلامية انذاك. بينما تنقلب الصورة بشكل تام في وقت لاحق. مع أن حقيقة الثقافة الإسلامية تتعارض مع هذا النوع من التصنيف، دون ان تنكر خصوصية الأقوام والشعوب الإسلامية في الصيرورة التاريخية للثقافة والحضارة الإسلامية نفسها.
كما يمكننا العثور على أخطاء مشابهة بهذا الصدد في موقفه، على سبيل المثال، من إبداع ابن خلدون وفلسفته التاريخية. فهو ينطلق من أن المؤرخ العربي (ابن خلدون) له خبرة تاريخية أوسع بكثير من الإغريق. فقد كان المؤرخون الاغريق يعيرون اهتمامهم بقضايا تغير الأشكال السياسية التي جرى وضعها في أساس النظريات اليونانية. بينما كانت نظرية ابن خلدون تستند في رؤيتها إلى تغير ظروف الحياة الاقتصادية، والانتقال من الحياة البدوية إلى الحياة الحضرية. واعتبر بارتولد مقدمة ابن خلدون الرائعة كما وصفها البعض "واجهة جميلة لمبنى متوسط". وان نظريته لم تؤثر على غيره من المؤرخين العرب. كما أن من اللافت للنظر آراء ابن خلدون (العربي الأصل والتربية) تجاه العرب أنفسهم ودورهم وأثرهم الثقافي. إذ اعتبر العرب قوة مخربة أكثر مما هي بناءة. وإنهم لم يحققوا أي نجاح في الفنون باستثناء الشعر. وينطبق هذا على بناءهم للمدن، فقد اندثر كلها. وذلك لأنهم كانوا يسترشدون فقط باحتياجات الحياة البدوية. أما في الواقع فان جميع هذه الأحكام والتقييمات التي يقدمها بارتولد تبقى سطحية لا تلامس حقيقة ما كتبه ابن خلدون بهذا الصدد .
ومهما يكن من أمر هذه القضية وأمثالها، فإن قيمة الأبحاث المتعلقة بتطور وانتشار الثقافة الإسلامية في الأعمال الفكرية التاريخية التي وضعها بارتولد تقوم في تتبعه لمسارها في الأماكن والمراحل المختلقة. من هنا أحكامه عن القيمة الخاصة والمتميزة للثقافة العربية الإسلامية في الاندلس. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ازدهار الخلافة الأموية في إسبانيا والفاطميين في مصر في النصف الثاني من القرن العاشر اخذت بمزاحمة بغداد اذ يصف المسافرون في القرن الحادي عشر البلاط الفاطمي بألوان زاهية ورخاء عاصمتهم والدولة برمتها. إضافة إلى ظاهرة رعاية العلوم والفنون والمكتبات. لكنها جميعا تعرضت للتحلل والانحطاط ومن ثم التدمير بأثر الغزو الخارجي. والشيئ نفسه يقال عن سقوط غرناطة في القرن الخامس عشر. إذ لم يبق من مآثرها سوى قصر وقلعة الحمراء. وقد كان سقوط غرناطة الضربة القاصمة للعالم الإسلامي الثقافي آنذاك.
وفي معرض تناوله للشخصيات الكبرى التي أثرت في الثقافة الإسلامية، نراه تناول كل من ابن سينا والبيروني. فقد جمع واستعرض ما له علاقة بحياة وإبداع هاتين الشخصيتين (من بلاد فارس). ونفس الشيء عن أثر الأتراك في الثقافة الإسلامية. وفي جميعها نعثر على دراية جيدة لكنها لا تخلو من تقييمات ليست دقيقة، مثل حكمه على انه لا جديد فيما قدمه ابن سينا وانه لا يتميز بالإبداع الأصيل والاستقلال التام!!
ومن الافكار العميقة والنقدية فيما يتعلق بتاريخ الثقافة الإسلامية تجدر الاشارة إلى فكرته عما اسماه بالأفكار والتقييم الخاطئ عن أن العالم الإسلامي بدأ يتعرض للانهيار والتحلل بدأ من القرن الخامس عشر والسادس عشر. وأن مسار الثقافة الإسلامية كان في انحدار متواصل. وأنها المرحلة التي لازمت السيطرة التركية بمختلف اصنافها سواء في آسيا الوسطى أو الهند أو الاناضول. بينما اعتبر بارتولد، ان القرن الخامس عشر والسادس عشر كان أيضا زمن النجاحات الكبرى للقوة الإسلامية، التي دمرت بيزنطة وهددت فيينا. وبالتالي، فان الفكرة التي تقول، بأن العرب والفرس قد صنعوا الحضارة الإسلامية بكل ما اوتوا من قوة، بينما الاتراك لم يفعلوا أي شيء تناقض مع التاريخ الواقعي للإسلام. فعندما ننظر على سبيل المثال الى حالة سقوط الثقافة الرومانية قبل صعود النصرانية، فإننا نلاحظ حالة اليأس والقنوط وتصوير موت كل شيء، الأرض والحرث والبشر. بينما لا شيء من هذا القبيل من الشكاوى والتأسي. إذ لا نعثر في الأدب الإسلامي في القرن الخامس عشر على أي شيء من هذا القبيل. وهذا بدوره مرتبط بواقع كون العالم الإسلامي آنذاك كان ما يزال قويا. غير إننا نقف في الوقت نفسه أمام تيارين أديا إلى ضعف عالم الإسلام بشكل عام والثقافي الروحي بشكل خاص، الأول وهو التطور الأوربي في مختلف الميادين، والثاني هو بروز الصراع السني الشيعي العنيف الذي رافقه انشقاق العالم الإسلامي وعدم الاعتراف المتبادل فيما ينهما. وهي الظاهرة التي رافقت صعود الصفوية واعتبار التشيع هو الدين الرسمي أو المذهب الوحيد للدولة. ومع ذلك كان التطور الإسلامي حيا وفعالا بما في ذلك في الهند تحت سلطة المغول. فقد اعترف حكام الهند البريطانيون، كما يقول بارتولد، بأن الإنتاج الزراعي للبلاد تحت حكم المغول كان أعلى مما كان عليه في ظل البريطانيين. وإن الانجليز لم يطورا سوى التجارة والمدن التجارية الكبرى مثل كالكوتا وبومباي ومدراس. وفي النهاية يتوصل بارتولد، إلى أن الصعود الأوربي كان يوازي الهبوط الإسلامي. ومن ثم تحول المراكز الثقافية من العالم الإسلامي إلى العالم الأوربي (من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال) مع ما رافقه من تحولات كبرى بما في ذلك بالنسبة لمصير الثقافة الإسلامية نفيسها.
مما سبق يمكننا الوصل الى استنتاج عام فيما يتعلق بقيمة وأهمية الأبحاث التي وضعها بارتولد حول الحضارة الإسلامية وثقافتها.
وعموما إن آراء بارتولد بصدد الحضارة الإسلامية رغم تفوقها الكبير على نظيراتها الأوربية آنذاك، إلا انها ظلت في الاطار العام اقرب إلى استعراض تاريخي. وبالتالي تفتقد إلى رؤية فلسفية أو ثقافية عميقة، لكنها موضوعية في سعيها للكشف عن المسار التاريخي العام وتقترب في تحليلها وتقييمها ومواقفها من إدراك حقائق الصيرورة التاريخية للحضارة والثقافة الإسلاميتين. كما أنها تشكل احد النماذج الكبرى لما ادعوه بالمرحلة التأسيسية النظرية الناضجة للاستشراق الروسي ودراساته في مجال الاستعراب والدراسات الإسلامية.
***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس حكومة الهند: ملتزمون بالتوجه للطاقة النظيفة


.. رئيس حكومة بريطانيا: نرحب بعودة واشنطن لمسار مكافحة التغير ا


.. عراقي يقود حملة لتحويل ظلام ليل الموصل إلى نور




.. إسرائيل.. انفجارات في مصنع وسقوط صاروخ.. رواية إسرائيلية وأخ


.. الأمن الروسي يحتجز مواطنا تجسس لصالح أوكرانيا في سيفاستوبول