الحوار المتمدن - موبايل


المستشرق الروسي كريمسكي (1871- 1942)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2021 / 1 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ينحدر اغافانغل يوخيموفتش كريمسكي من حيث أصوله الأولية من التتر، الذين انتقلوا للعيش في القرن السابع عشر في بيلوروسيا. واعتنق اسلافه النصرانية واستقروا فيها. وقد كانت أمه من أصول ليتوانية بولندية. من هنا قول كريميسكي عن أنه بيلورسي بالولادة، روسي بالتربية وبولندي من حيث الأمومة. وتعكس حياته ومساره العلمي وخاتمة حياته دراما المسار التاريخي السياسي والعلمي لروسيا قبل وبعد الثورة. فبغض النظر عن دوره ومكانته العلمية وأثره الكبير بل التأسيسي بالنسبة لعلوم الاستشراق والاستعراب والدراسات الإسلامية وأثر جهوده التنظيمية بالنسبة لهذه العلوم، جرى اتهامه عام 1920 بالنزعة القومية مع ما ترتب عليه من إبعاد عن الحياة العلمية الأكاديمية. وأعيد الاعتبار له عام 1936. حيث جرى اعادته للعمل العلمي وسمح له بالإشراف على الرسائل العلمية لطلبة الدراسات العليا. غير أن ذلك لم يشفع له بصورة نهائية وتامة. ومن جديد، وهو في عمر السبعين عاما وحصوله على وسام "الراية الحمراء للعمل" جرى اتهامه بالعمل لصالح الحركات القومية الاوكراينية ومن ثم سجنه عام 1942 حيث توفي في مستشفى السجن نفسه.
اهتم كريمسكي بدراسة اللغات الشرقية منذ وقت مبكر. وتعمق اهتمامه بالشرق بصورة كاملة وكلية عندما أخذ اهتمامه يتوسع ويتعمق بهذا المجال، وبالأخص بعد دخوله إلى معهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو. وقبل ذلك انهى بين اعوام 1889-1892 دراسته في قسم اللغات السلافية الروسية في كلية اللغات التابعة لجامعة موسكو. وفي عام 1896 جرت مناقشة عمله عن (ترجمة وتفسير رسالة الفارابي: المسائل الأساسية للفلسفة). وبأثرها جرى ترشيحه لكي يكون استاذا للغة العربية. وبعدها جرى ارساله الى لبنان حيث مكث فيه سنتان. وقد أثرت فيه هذه الرحلة تأثيرا كبيرا وطبعت لحد ما دراساته وموقفه اللاحقة من التاريخ العربي والإسلامي. فقد ارسل من لبنان الكثير من المقالات والأبحاث للصحف الروسية عن المشرق العربي. واستفاد كثيرا من رحلته للمشرق العربي في كتاباته ومحاضراته عن العرب واللغة العربية والتراث الشعبي العربي والأدب العربي. فقد اخذ بإلقاء محاضراته في معهد لازاريف للدراسات الشرقية (معهد الاستشراق لاحقا) منذ عام 1898 حتى عام 1918. وكان المعروف عنه محبته العلمية والتربوية لتلامذته، بحيث كان يشركهم معه في الكتابة والإبداع. ومن بين تلامذته الكبار تجدر الاشارة إلى بارانوف (مؤلف قاموس اللغة العربية – الروسية)، غوردليفسكي، وميلير، ومينورسكي وكثير غيرهم ممن أرسى أسس الاستعراب والدراسات الإسلامية العلمية في المرحلة السوفيتية. بحيث قيل عنه بأن أثره تحقق في إرساء أسس الدراسات العربية في روسيا والاتحاد السوفيتي.
بدأ كريمسكي بنشاطه العلمي مبكرا سواء بالترجمة أو التأليف. فقد قام بترجمات أدبية عن عنترة بن شداد عام 1890-1981. كما ترجم من الفارسية اشعار سعدي عام 1894. وقد كان هذا العمل اقرب إلى التلخيص منه إلى ترجمة الشعر الكامل. كما قام عام 1895 بترجمة اشعار الفردوسي. وترجم أيضا الكثير من الأعمال الأدبية عن العربية للروسية مثل اشعار عنترة بن شداد والمعري. ومن الفارسية ترجم شعر عبد الرحمن جامي، وسعدي، وعمر خيام، وحافظ الشيرازي. وكذلك من التركية شعر مهري خاتون وآخرين، والأذري نظامي.
إلا أن الأثر العلمي والانجاز الفكري النظري والتطبيقي الكبير لكريمسكي ظهر وتحقق في اتجاهين ومستويين أساسيين، الأول وهو أعماله العلمية الخاصة، والثاني في تنظيمه العلمي للأبحاث والدراسات العلمية في مجال الاستعراب والدراسات الاسلامية.
ومن بين أهم أعماله العلمية والفكرية من حيث تسلسلها الزمني هي كل من (موجز عن تاريخ وتطور التصوف) الذي كتبه عام 1895، وكتاب (شاه نامه) 1896، و(الإسلام ومستقبله) 1899 والتي كشف فيها عن مقدرة علمية عميقة وكبيرة بهذا الصدد. ثم كتابه (محاضرات حول القرآن) عام 1902، ثم كتاب (الأدب العربي. مختارات ونماذج) عام 1911. وكتاب (اللغات السامية الجنوبية واللغة العربية) الذي صدر عام 1912، وأخيرا كتابه عن (تاريخ الأدب العربي الحديث. القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين).
أما تنظيمه العلمي للأبحاث والدراسات العلمية في مجال الاستعراب والدراسات الإسلامية فقد تحقق بصورة كبيرة ومتميزة في سلسلة الأبحاث الأوربية والروسية التي جمعها وحققها وعلق عليها وكتب مقدماتها. وهي الأعمال التي أطلق عليها عنوان (سلسلة أعمال حول الاستشراق). وهي سلسلة الأعمال العلمية والتاريخية المتعلقة بقضايا الاستعراب والدراسات الإسلامية العامة والخاصة من فارسية وتركية وغيرها.
لقد حرر كريمسكي هذه السلسلة التي احتوت على "ثلاثيات" كبيرة تناولت تاريخ الإسلام، وبلاد فارس، والأدب العربي والفارسي، واللغات السامية. وضمنها كان كتاب (تاريخ الإسلام) بثلاثة اجزاء صدر عام 1903-1904. وكتاب (تاريخ فارس، وآدابها، والدروشة الصوفية) وصدر أيضا في ثلاث مجلدات في اعوام 1903-1906. ومن ثم كتاب (اللغات والشعوب السامية) في ثلاثة مجلدات صدرت في اعوام 1910-1912. وأخيرا كتاب (تاريخ الأدب العربي الروحي والدنيوي) الذي صدر في ثلاث مجلدات أيضا عام 1911-1913.
إن المأثرة العلمية الأساسية لكريمسكي تقوم في دوره الكبير والتأسيسي بالنسبة لتعميق وتوسيع الدراسات العلمية والتاريخية العميقة في قضايا الإسلاميات والاستعراب واللغات الشرقية. فقد نشر كريمسكي ما يقارب 1500 عمل بمختلف الاحجام والمستويات والجوانب. كما ترجمت لاحقا الكثير من أعماله التي وضعها حول مختلف قضايا وجوانب الاستعراب والدراسات الفارسية والتركية والساميات.
لقد كان كريمسكي شخصية كبيرة متنوعة الاهتمام. ومن ناحية تأسيسه العلمي والمنهجي لم يخرج في الاطار العام عما كان سائدا آنذاك من تأثير شبه حاسم للمناهج والشخصيات الأوربية الكبيرة للاستشراق والاستعراب مثل دوزي وجولدتسيهر وأمثالهم. غير انه، شأن كل عملية تطور علمية وشخصية، عادة ما يتحدد اتجاهها ومحتواها بالكفاءة الشخصية والقدرة على الإبداع المستقل وإشكاليات الوجود التاريخي التي يعايشها أو يعيش ضمنها. ومن الممكن رؤية ذلك على مثال الاهتمام بالجانب القومي والعرقي في الإسلام سواء فيما يتعلق بمختلف جوانب الحياة الثقافية أو فيما يخص نشوء الحركات الفكرية والسياسية.
ولم تكن هذه الظاهرة والحالة، بما في ذلك بالنسبة لكريمسكي، حالة شاذة. فالوعي الروسي ومختلف مدارسه ومناهجه العلمية كان وثيق الارتباط بالثقافة الأوربية. لكن الفضيلة العلمية والمنهجية لكريمسكي في مجال الدراسات الإسلامية والعربية والفارسية والتركية كانت تجري من خلال تذليل هذه المكونات وأثرها في العقائد والقيم والمفاهيم، لاسيما وأن الثقافة الروسية آنذاك كانت في اغلبها أما تقليد أو استلهام للتجارب الأوربية بما في ذلك في مجال الدراسات الإسلامية والعربية. إنها كانت، رغم صيغتها المتطورة آنذاك لا تخلو من الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. اضافة لذلك أن العالم العربي كان بعيدا ومعزولا نسبيا عن روسيا. وهو شبه مجهول لروسيا رغم انه بؤرة العالم الإسلامي وكيانه التاريخي والثقافي. كل ذلك وجد انعكاسه في التحليل والتقييم. غير أن مأثرة كريمسكي هنا تقوم في تذليله لأغلب هذه المكونات. ونرى ذلك في الكثير من نظراته المتفحصة والتاريخية والواقعية والنوعية للشرق الإسلامي سواء بمعايير المراحل التاريخية أو الاختصاصات أو القوميات إضافة إلى العام والمشترك بينها. ومن ثم فإن تطوره الذاتي قد هذّب وشذّب الكثير من مواقفه وتقييمه للقضايا التي تناولها. فقد كان موقفه من القرآن في البداية ليس دقيقا وضيقا. فقد اعتبره ثقيل العبارة ومليء بالحشو ويخلو من مسحة الجمال مقارنة بالعهد القديم والجديد. مع انهما بالنسبة للذوق العربي نموذج للركاكة وانعدام الذوق الفني والجمالي. لكنه استبدل مواقفه الأولية المبنية في أغلبها على معارف أولية وبسيطة، بمواقف أخرى تماما بعد عيشه بين العرب والاستماع إلى التجويد والصلاة وغيرها، ودراسة حياة محمد والتعمق فيها. حينذاك أخذت آراءه بالتغير والتبدل. إذ بدأ يدرك الأمور بشكل آخر. وفي نهاية المطاف توصل إلى الاعتراف، بأن مشاعر المستعرب تصبح أقرب فأقرب من مشاعر المسلم المؤمن. وفي نهاية المطاف اوصلته دراساته بمختلف جوانب الإسلام إلى القول، بأنه كدين كان يسعى للإصلاح الأخلاقي والروحي. كما انه أقرّ بأن أصالة الإسلام لا تستحق الجدل والبحث، باعتبارها امرا مفروغا منه، على عكس ما كان سائدا في الدراسات الأوربية وجزئيا في الروسية أيضا.
وفيما لو اهملنا مختلف جوانب التاريخ والثقافة الإسلامية وآدابها التي تناولها في بحوثه وكتبه العديدة، فإن اهتمامه بالتصوف الإسلامي يمثل احدى الدرجات التأسيسية في علم الاستعراب والدراسات الإسلامية الروسية. فهو من بين أوائل المستشرقين والمستعربين الروس الذين تناولوا ظاهرة التصوف بالبحث التاريخي والفكري والعلمي. ووضع ذلك في دراسته التي نشرها تحت عنوان (تاريخ التصوف وتطوره حتى القرن الثالث الهجري). وفيها نعثر على ما اراد كريمسكي تبيان ما اسماه بالصورة العامة أو الخارطة التي تكشف عن قوة التصوف في العالم الإسلامي، وكذلك الكشف عن أثره في السياسة والدين والفلسفة والعلوم والفنون والأدب. من هنا مهمة تبيان الفرق بين التصورات التقليدية عن التصوف وحقيقته التاريخية. ومن ثم طرح الاسئلة المتعلقة بزمن وكيفية نشوءه. وقدم كريمسكي هذه المهمة من خلال تتبع مراحل التطور الصوفي في مجرى القرون الثلاثة الأولى للهجرة. وذلك لأنها تمثلت ومثلت المراحل الكبرى والنوعية في تطور التصوف، التي أدرجها كريمسكي ضمن مفاهيم الزهد، والتصوف، والحلولية. وهي فكرة ليست جديدة ضمن سياق الاستنتاج الذي توصل له الاستعراب الأوربي ودراساته الإسلامية إلا أن ما يميز موقف كريمسكي هنا تحديده الدقيق بين مفهوم وفكرة الزهد والتصوف بوصفهما درجات في تطور التصوف نفسه. ومن ثم طابق الزهد مع المرحلة الأولية أو العملية الأخلاقية للتصوف بينما الثانية هي التي تمثلت حقيقة التصوف، أي المستوى النظري. بينما شكلت الحلولية ذروة هذا التطور. وبغض النظر عن عدم دقة هذا الموقف والتقييم إلا انه كان يحتوي على بذرة عقلية قوية يقوم فحواها في النظر إلى ذروة التصوف، باعتبارها عملية أو تجربة دينية روحية مهمتها الاندماج بالله والحلول فيه.
وحدد هذا بدوره، من وجهة نظر كريمسكي، السؤال النظري المهم المتعلق بأصل التصوف وعما إذا كان التصوف فكرة وممارسة إسلامية أو عربية وبالأخص في مرحلته الأولى في القرن الأول الهجري. وفي معرض اجابته على هذا السؤال انطلق كريمسكي من أن للتصوف جذوره العربية الإسلامية. فقد كان الزهد موجودا في الجزيرة العربية قبل الإسلام. كما نعثر في القرآن على نزعة تشاؤمية أو بعض عناصر التشاؤم من الوجود. الأمر الذي حدد بدوره إمكانية التوجه صوب الزهد. اذ نعثر على اولى النماذج بهذا الصدد عند من اطلق عليهم وصف "أهل الصّفة" من فقراء المهاجرين مثل أويس القرني وأمثاله. وتطورت ظاهرة الزهد لاحقا إلى أن بلغت ذروتها الأولية في شخصية ومدرسة الحسن البصري.
لقد ارتبط الزهد والتصوف بشخصية العربي كما يقول كريمسكي. فالتناقض الداخلي للتصوف والخوف من الله يجتمعان في شخصية العربي وطبيعته. وبغض النظر عما في هذه الفكرة من توليف مصطنع، إلا أن مضمونها يشير إلى جانب واقعي وتاريخي يقوم في أن من الضروري البحث عن أصل الزهد والتصوف في الشخصية العربية وتأسيسها الإسلامي. غير أن السؤال الأعمق يقوم في الكشف عن الإمكانية الداخلية أو الذاتية لظهور التصوف في البيئة العربية. والإجابة على هذا السؤال ترتبط بما اسماه كريمسكي بالتأثير الغربي على الإسلام وثقافته، ويقصد بالتيار الغربي تقاليد الرهبنة النصرانية والتيار الغنوصي والأفلاطونية المحدثة في القرن الثاني الهجري. ولاحقا جرى استكماله بما يدعوه كريمسكي بالتأثير الشرقي الفارسي الهندي الذي لازم هذه الظاهرة في القرن الثالث الهجري.
ففي المرحلة العباسية أخذت بالانتشار والسيادة الثقافة الفارسية القديمة، وبالتالي، تأثير الدين الفارسي السابق عل الدين الإسلامي. كما تجدر في الوقت نفسه الإشارة إلى أن هذا التأثير كان من حيث الجوهر هنديا أكثر منه فارسيا، لاسيما وأن العلاقة بين الاثنين تتسم بالعمق ولها أبعادها التاريخية العريقة، كما يقول كريمسكي. فانتصار الإسلام وفرض نظامه بالقوة واعتناق اهل فارس له لا يعني ضمور وتلاشي الديانات والأفكار الهندية الفارسية القديمة. بل نرى إعادة ظهورها ونموها عبر التشيع وبالأخص في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من إيران، أي في تلك المناطق التي نرى فيها انتشار "التصوف العربي" بعد انتقاله من سوريا اليها بمساعدة ابن ابي الخير.
كل ذلك يشير إلى الذروة التي بلغها التصوف في القرن الثالث الهجري، بحيث أصبح قرن الصعود والتأثير الهائل للتصوف. وأخذ بدعمه كل شيء. كما أن الانتماء إليه أخذ بالانتشار وأستثار الرغبات الكثيرة والمتنوعة "للدخول" إليه بحيث تحول إلى كمية يصعب فرز مكوناتها، كما لو أنه تجمع فوضوي للأفكار. لكن التصوف مع ذلك استطاع في نهاية القرن الثالث الهجري تحديد نفسه وفرز ما فيه إلى تيارين أساسين هما كل من التيار الغربي (العربي) والشرقي(الفارسي). وقد أثر هذا الاستنتاج وما يزال لحد الآن على عقول الكثيرين ممن درس التصوف وطرقه (مدارسه) المتنوعة. ومع أنها فكرة ليست دقيقة لكنها تعكس المراحل الأولية الجدية في البحث المتعمق بتطور التصوف وحقيقته ومدارسه.
إن هذا الاستعراض المكثف عن حياة وشخصية كريمسكي العلمية ونهايتها الحزينة يكشف عن أهميته وقيمته وأثره بالنسبة لدراسة التاريخ والتراث الإسلامي والاستعراب. بحيث يمكننا النظر إليه باعتباره أحد المؤسسين للدراسات الإسلامية والاستعراب العلمي الحديث في روسيا.
***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أحزاب المعارضة في تشاد تندد -بانقلاب مؤسساتي- وتدعو لفترة ان


.. واشنطن متخوفة من تدهور الوضع الأمني في تشاد بعد مقتل الرئيس


.. المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن: الهجوم الحوثي على مأرب يعد




.. الهند تسجل أعلى زيادة يومية في العالم بإصابات كورونا


.. الحكومة الفرنسية تعلن رفعا تدريجيا للقيود ابتداء من 3 مايو/أ