الحوار المتمدن - موبايل


الأنبياء المؤسسون

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2021 / 1 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يقال أن الآلهة تتصف بخصائص تحتكرها لنفسها ولا تخص بها أحداً من العالمين. ومن أخص هذه الخصائص خاصية الكلام. الآلهة كافة وعبر العصور تتكلم مع بطانتها وخدامها من ملائكة وشياطين وجان وخلافه، وكذلك مع البشر عبر رسائل تخص بها وكلاء معينين، نسميهم في لغتنا الأنبياء والمرسلين. هكذا الآلهة تتكلم مثل البشر، بل ومع البشر أنفسهم في تواصل لا ينقطع. لكن، أين مكمن التفرد الإلهي إذا كانت الآلهة تتكلم مثل البشر مع البشر بلغة يفهمها البشر؟ ألن يصبحوا حينئذ بشراً عاديين تماماً مثل كل البشر الآخرين؟

ويقال أن حتى لو كانت الآلهة تتكلم كما يتكلم البشر، بذات لغة البشر شكلاً من حروف هجائية وكلمات وجمل وقواعد نحو وصرف وخلافه، إلا أن التفرد الإلهي لا يزال كامن في المضمون، في المفهوم. مضمون الكلام الإلهي ليس كأي مضمون، حتى لو كان مكتوباً بذات اللغة البشرية. هكذا، يجب أن يستعصي المضمون الإلهي المكتوب بلغة بشرية على فهم البشر. لكن، مع ذلك، يستطيع أي بشر أن يقرأ في أي كتاب مقدس سواء توراة أو إنجيل أو قرآن أو خلافه بكل سهولة ويسر، ويفهم من مضمونه ما يشبع به غرضه وبكل سهولة ويسر أيضاً. نحن لسنا بحاجة لأنبياء وكهنة وفقهاء حتى نقرأ ونفهم كتبنا المقدسة. كل ما نحتاج هو تعلم قواعد القراءة والكتابة فقط.

ويقال أن النبي بشر، مثل أي بشر، لكنه وحده القادر على فهم مضمون كلام الإله ومن ثم نقل الرسالة إلى أخوته البشر. وكيف؟ يقال عبر وسيلة من صنع الإله نفسه، سواء وحي أو مناجاة أو نداء أو خلافه. ولماذا اصطفى الإله بشراً واحداً بالذات ولم يتجه برسالته مباشرة إلى المجموعة كلها؟ هي الإرادة الإلهية، كما يقال.

لابد أن يكون كلام الله مستعصياً على فهم البشر حتى يؤهل ليكون كلاماً إلاهياً ومن ثم تكتسب النبوة أهمية. لكن عندما يأتي كلام الله في ذات لغة البشر شكلاً ومضموناً، أو عندما يستطيع البشر أنفسهم نطق وفهم كلام الله بأنفسهم دون الحاجة إلى نبي، حينئذ تزول عن مثل هذا الكلام أي خاصية إلهية ويصبح كلاماً بشرياً عادياً، ومن ثم يصبح وجود النبي وعدمه سواء، لا حاجة ولا قيمة مضافة له. فإذا كان النبي لا يكتسب نبوته وأهميته من الرسالة الإلهية، من أين إذن قد راكم عبر العصور كل هذه الهالة والقداسة؟

ربما عبر التأسيس. الأنبياء عبر العصور كانوا رواداً ومؤسسون لرؤى وممارسات جديدة في أزمنتهم، تطورت وارتقت فيها بعد لتصبح حضارات وامبراطوريات وعقائد يؤمن بها ويعتنقها مليارات البشر. من هذه المليارات البشرية قد اكتسبوا أهميتهم وعظمتهم وقداستهم، وليس من صلة أو علاقة مزعومة في صورة وحي أو مناجاة أو نداء مع إله من خارج الكون.

كان الأنبياء عبر كل العصور يستمدون أهميتهم وقداستهم من الشعوب التي آمنت بهم وصدقتهم. ومن دون إيمان هذه الشعوب بنبوتهم واحتضانها لهم لكان النبي مجرد أخرق ومعتوه ومدعي آخر مآله السخرية والاستهزاء أو الاضطهاد والقتل، وما نفعه إلهه المزعوم بأي شيء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الشريعة والحياة - هذه أوجه إعجاز القرآن ومناهج تفسيره


.. شاهد: مواجهات في القدس الشرقية احتجاجا على إخلاء منازل فلسطي


.. دمهم عند بعض حلال??.. الجماعة التكفيرية كان هدفها تسيطر على




.. شيخ الأزهر يثير نقاشا حول تجديد الخطاب الديني.. وتفاعل واسع


.. بانوراما | احتمالية سيطرة حركة طالبان على الأوضاع في أفغانست