الحوار المتمدن - موبايل


جودة التعليم العالي ... كيف نضبطها؟

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2021 / 1 / 15
التربية والتعليم والبحث العلمي


يعد التقويم والقياس أحد أهم وسائل فحص كفاية العملية التعليمية وبيان جودة مخرجاتها ، وهو أسلوب تعتمده الجامعات في الكثير من دول العالم المختلفة . يتخذ التقويم والقياس أساليب ووسائل متعددة بحسب أهمية الموضوع المراد فحصه من جهة ، وبحسب الإمكانات المتاحة لتنفيذه من جهة أخرى . فقد يتخذ هذا التقويم أسلوب الإمتحانات العامة في بعض المراحل الدراسية التي تعد حدا" فاصلا" لتحديد إتجاهات الطلبة الأكاديمية او المهنية كما هو الحال في مراحل الدراسة الأبتدائية والدراسة المتوسطة والدراسة الثانوية ، التي تعد نتائجها الإمتحانية أساسا" لقبول الطلبة في المعاهد والكليات، إضافة إلى إعتمادها كمؤشرات لقياس كفاية أداء هذه المدارس طبقا" لنسب الرسوب والنجاح العامة فيها, على الرغم من تباين الإمكانات المتاحة لهذه المدارس , فمدارس الأرياف عادة ما تكون شحيحة الموارد المادية وضعيفة الموارد البشرية ، وينطبق الحال نفسه على مدارس الأحياء الفقيرة في المدن مقارنة مع مدارس الأحياء الراقية فيها . فهل يصح إتخاذ نتائج طلاب جميع المدارس المتباينة أصلا في قدراتها وإمكاناتها أساسا عادلا للمفاضلة بينهم للقبول للجامعات ؟.
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن إختيار مصطلح الإمتحان لفحص قدرات الطالب ومعارفه الدراسية , إختيارا غير مناسب نفسيا , ذلك أن كلمة الإمتحان في اللغة العربية , تحمل في ثناياها معنى البلاء والشدة , لذا يضرب المثل العربي : عند الامتحان يُكرم المرءُ أو يُهان. لذا يفضل إستبدال مصطلح الإمتحان , بمصطلح الفحص
test او مصطلح الإختبار exam
كما هو متداول في اللغة الإنكليزية .
يعتقد الكثير من التربوين بعدم جواز ألإعتماد على هذه النتائج الإمتحانية وحدها لتقويم أداء هذه المدارس, ما دام خط شروعها مختلفا أساسا,وهو أمر يصعب تحقيقه في أي بلد من البلدان. ولعل الحل المناسب لمعالجة هذا الخلل الفادح بصورة عادلة ومنصفة, يتمثل بتخصيص عدد محدود من المقاعد في كل جامعة لخريجي المدارس في القرى والأرياف والأحياء الشعبية . وليس هذا الحل بدعة كما قد يعتقد البعض , فقد إعتمدته بلدان كثيرة لمعالجة بعض أوجه القصور بنظمها التعليمية التي لم توفر لبعض مكوناتها فرص التعليم أسوة بمواطنيها الآخرين , لأسباب مختلفة منها تاريخية ومنها إجتماعية , فسكان أستراليا الأصليين مثلا لم ينالوا حضا من التعليم مماثلا لسكانها الوافدين , وكذا الحال في الولايات المتحدة الأمريكية , حيث لم ينل سكانها من أصول أفريقية حضا من التعليم مماثلا لمواطنيهم من أصول أخرى, وهناك بلدان أخرى كثيرة مماثلة . لذا قامت حكومات هذه البلدان في السنوات الأخيرة بتخصيص نسب معينة من المقاعد الدراسية لهذه الفئات المحرومة سنين طويلة من فرص التعليم اللائق , ورعايتهم رعاية خاصة بتوفير فرص العمل لهم فيما بعد , وبذلك أصبحت فرص التقدم متاحة أمام الجميع لبناء بلدانهم وتحقيق أمنها وإستقرارها.
وبرغم ما يشوب نظام القبول في الجامعات من بعض الشوائب التي أشرنا هنا بعضا منها, تبقى الإمتحانات العامة في معظم دول العالم أحد أهم أساليب القبول في المعاهد والكليات والجامعات، كما أنها تعد أحد مؤشرات جودة التعليم العام بإتجاهاته العامة في العلوم والمعارف المختلفة ,إذ قد تؤشر في حقبة معينة تدن أداء الطلبة في مواد دراسية معينة كالفيزياء او الرياضيات مثلا"، وهو أمر يتطلب حشد جهود وطنية إستثنائية لمعالجة هذه الحالات لما يمكن أن ينجم عنها من آثار سلبية ضارة في مجمل العملية التعليمية .ويقصد بحشد الجهود هنا ليس إعادة النظر بالأساليب الإمتحانية فحسب ، وأنما إعادة النظر بالعملية التعليمية بمجملها للإرتقاء بها.
كما أن هناك إمتحانات منافسة دولية لطلبة المدارس تجرى سنوية وتشارك فيها مدارس كثيرة من مختلف دول العالم في العلوم والرياضيات وبعض المهارات اللغوية , توليها الحكومات إهتماما خاصا حيث تؤشر مستوى التعليم في بلدانها مقارنة مع مدارس الدول الأخرى . تتصدر في العادة مدارس سنغافورة وجمهورية كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وبعض المدارس الصينية قائمة المدارس الأفضل في العالم.
تهدف الدراسة فيما قبل الجامعية بطبيعتها إلى تزويد الطالب بحد أدنى من المعلومات العامة التي تساعد على صقل شخصيته وبنائها بناء" علميا" وتربويا" ، لذا يعد أمرا طبيعيا أن تفحص هذه المعلومات فحصا" عاما" بإتباع أسلوب الإمتحانات العامة . أما الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى ,فهي مراكز إنماء المعرفة وإثرائها ونشرها في المجتمع على أوسع نطاق بكل الوسائل المتاحة. لذا يطلب من الجامعات أن تتبارى في تصوراتها العلمية والإبداعية عبر نظمها ومناهجها الدراسية وطرائقها التعليمية وبحوثها المختلفة ، وأن تخضع نفسها في الوقت نفسه عبر آليات فحص ومتابعة وتقويم أداء مختلفة مناسبة تتلاءم وطبيعة الدراسات الجامعية.
إزداد إهتمام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بإجراءات السيطرة النوعية لضبط جودة خريجيها لتحسين فرص منافستهم مع خريجي الجامعات الأخرى في سوق العمل،لاسيما أن هذه السوق تشهد ازمة بطالة خريجي الجامعات في الكثير من البلدان.والجودة في التعليم العالي لابد أن تعني قدرة المؤسسة التعليمية على الإيفاء بأهداف التعليم العالي المعاصر المتمثلة بالآتي:
1.تلبية حاجات سوق العمل من الكوادر المهنية في التخصصات المختلفة كما ونوعا, والقادرة على تحقيق تنمية مستدامة في ضوء تطور المعارف المختلفة.
. إنماء المعرفة وإثرائها وتأصيلها ونشرها والقدرة على توظيفها في مناحي الحياة المختلفة.2
3.القدرة على نقل التقنية لاسيما التقنية المتقدمة وتوطينها في البيئة المحلية وتوظيفها في حل بعض المعضلات التي تواجهها مجتمعاتها.
. الحفاظ على الهوية الوطنية وإبراز التراث الحضاري والثقافي لبلدانها .4
.التكافؤ مع المؤسسات التعليمية العالمية المشهود لها بالتمييز العلمي.5
ولغرض ضبط الجودة لابد من وجود منظومة لفحص الجودة, أي فحص عينات من المنتج ومطابقته للمعايير المرغوب توفرها في المنتج.وقد يأخذ هذا الفحص صيغا وأشكال متعددة في منظومة التعليم العالي, فقد يقتصر أحيانا على فحص مخرجات التعليم العالي المتمثلة أساسا بالطلبة الخرجين, وقد يتعداها إلى فحص نوعية البحوث العلمية ونوعية الخدمات التي تقدمها لمجتمعاتها.وفي أحيانا كثيرة يمتد الفحص ليشمل فحص مدى استيفاء المؤسسات التعليمية أو البرامج التعليمية معايير الجودة المعتمدة وطنيا أو إقليميا أو دوليا لغرض الاعتراف بها.
تتطلب عملية فحص الجودة الإجراءات الآتية:
1.قيام المؤسسة التعليمية المطلوب فحصها بإجراءات الفحص والتقويم الداخلي من قبل المؤسسة التعليمية نفسها, وإعداد تقرير تفصيلي بذلك.
2.زيارة المؤسسة من خبراء تنسبهم مؤسسة اعتماد وطنية أو دولية, يقوم الخبراء بدراسة تقرير الفحص الذي قامت به المؤسسة التعليمية أولا, وفحص منشآت المؤسسة ثانيا, وإعداد تقرير بذلك.
3. دراسة تقارير الخبراء من قبل مجلس مؤسسة الاعتماد في ضوء معايير المؤسسة, وإعداد تقرير المؤسسة بشأن اعتماد المؤسسة التعليمية.
4.إرسال تقرير مؤسسة الاعتماد إلى المؤسسة التعليمية للأخذ بملاحظاتها ضمن مدة محددة.
. يجوز للمؤسسة التعليمية الاستئناف لدى مؤسسة الاعتماد إذا رغبت بذلك.5
. ينشر تقرير الاعتماد بوسائل الأعلام المختلفة.6
تهتم المؤسسات التعليمية كثيرا بتقارير مؤسسات الاعتماد لما لها من تأثيرات بالغة في قرارات الإسناد الحكومي وفئات المجتمع المختلفة لأنشطتها لاسيما في النواحي المالية, وكذلك التأثير في انجذاب الطلبة إليها, وفرص عمل خريجيها. فالحكومات تسعى عادة إلى ضمان جودة التعليم العالي وتخريج كوادر مفيدة لسوق العمل وضمان حسن صرف الأموال العامة في مجالات تعليمية نافعة.
تساعد نتائج الاعتماد الطلبة باختيار أفضل المؤسسات التعليمية المعتمدة وإمكانية الانتقال من مؤسسة تعليمية معتمدة إلى أخرى, وتأمين حاجات حقل العمل برفده كوادر مؤهلة, مما يتطلب من المؤسسات التعليمية حسن التصرف بمواردها المالية والسعي بكل الوسائل للارتقاء بمهماتها التعليمية واختيار برامجها الدراسية التي يحتاجها سوق العمل والاندماج بمجتمعاتها.
ولأن الجامعات العراقية تعيش ظروفا مضطربة وتعمها فوضى عارمة وفساد مستشري في جميع مفاصلها , لابد من إتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لإنتشالها من وضعها المزري , ولأجل ضبط جودة مخرجاتها في الوقت الحاضر ,نقترح الآتي :
1.تشكيل لجان امتحانية من ذوي الخبرة والإختصاص في كل قسم علمي لوضع الأسئلة الإمتحانية في كل مـادة دراسية من قبل مجالس الأقسام العلمية , وتحت اشراف عمادات الكليات , على ان يراعى بتشكيل هذه اللجان مشاركة اعضاء هيئة تدريسية من كليات او جامعات أخرى.
2.حصر تصحيح الدفاتر الإمتحانية داخل حرم الكلية بعد توفير الأجواء المناسبة لذلك وصـرف اجور مناسبة , وعلى ان تشكل لجان لذلك من اعضاء الهيئة التدريسية المشهود لهم بالخبرة والكفـاية والنزاهة, وان لا يصحح عضو الهيئة التدريسية أكثر من سؤال واحد إلا عند الضرورة القصــوى وان يتم التصحيح طبقا" لأجوبة نموذجية معدة لهذا الغرض.
3.فحص عينات عشوائية من الأسئلة الإمتحانية لبيان مدى عمقها وشموليتها ورصانتها ومدى استيفائها لمتطلبات الشهادة العلمية طبقا" للمناهج الدراسية المقررة.
4.فحص عينات عشوائية من الدفاتر الإمتحانية للتأكد من عدالة تصحيحها وصحته وموضوعيته.
5.يمكن إجراء إمتحانات مشتركة في بعض المواد الدراسية المختارة لا على التعيين في عدد من التخصصات العلمية المختارة في جميع الكليات, على ان يتم ألإعتماد على نمط معين من الأسئلة التي تفحص قدرات الطالب العلمية أكثر من حفظه مفردات منهـج دراسي لكلية معينة للوقوف على المستوى العلمي في هذه الكليات بين الحين والآخر ، او كلما دعت الضرورة ذلك.
6. إشراك ممتحنين من جامعات عربية وأجنبية في بعض إمتحانات الصفوف المنتهية بكليات المجموعة الطبية وكليات الهندسة قدر المستطاع.
7.تحليـل النتائج الإمتحانية بنهاية كل عام دراسي لتحديد أسباب الاخفاق في بعض الإمتحانات بهدف تجاوزها وأسباب النجاح والتفوق بهدف إعمامها ويفضل عقد مؤتمرات تقويمية لهذا الغرض في جميع الكليات.
وبذلك نكون قد ضمنا لمعاهدنا وكلياتنا وجامعاتنا الرصانة العلمية المطلوبة بحدها الأدنى والحفاظ على إستقلاليتها العلمية, لتقف على قدم المساواة مع جامعـات العالم, والإندفاع أكثر فأكثر في مجالات الإبداع العلمي المختلفة ,وعدم حصرها في قوالب جامدة تحد من زخم هذا الإندفاع المتزايد عاما" بعد آخر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليه لا؟ - الحلقة الرابعة | وصفة البراونيز مع الشيف ليلى فتح


.. ليه لا؟ - الحلقة الخامسة | وصفة السينامون رولز مع الشيف ليلى


.. ليه لا؟ - الحلقة السادسة | وصفة الفتة مع الشيف ليلى فتح الله




.. ليه لا؟ - الحلقة السابعة | وصفة الكنافة مع الشيف ليلى فتح ال


.. إيران تجدد الترحيب بالحوار مع السعودية بدون التعليق على تقار