الحوار المتمدن - موبايل


قصة جماعة الإخوان المسلمين من الألف إلى الياء - 3

عبد الرحمن علي

2021 / 1 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يقول الشيخ حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" : (وفى المسجد الصغير رأيت الإخوان الحصافية يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، وكنت مواظباً على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء.فاجتذبتنى حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين، وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى، فواظبت عليها هى الأخرى. وتوطدت الصلات بينى وبين شباب هؤلاء الإخوان الحصافية ومن بينهم الثلاثة المقدمون :الشيخ شلبى الرجال، والشيخ محمد أبو شوشة، والشيخ سيد عثمان، ، والشبان الصالحون الذين كانو ا أقرب الذاكرين إلينا فى السن : محمد أفندى الدمياطى، وصاوى أفندى الصاوى، وعبد المتعال أفندى سنكل، وأضرابهم.
وفى هذه الحلبة المباركة التقيت لأول مرة بالأستاذ أحمد السكرى - وكيل الإخوان المسلمين - فكان لهذا اللقاء أثره البالغ فى حياة كل منا.
ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافى يتردد على الأذن فيكون له أجمل وقع فى أعماق القلب، وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حيناً بعد حين، وأخذت أواظب على الوظيفة الزروقية صباحا ومساء، وزادنى بها إعجابا أن الوالد قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث الصحيحة، وسمى هذه الرسالة "تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية". ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التى وردت فى كتب السنة تقريبا، ليس فيها شئ من الألفاظ الأعجمية، أو التراكيب الفلسفية، أو العبارات التى هى إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات (1).
وظللت معلق القلب بالشيخ حسنين الحصافى – رحمه الله- حتى التحقت بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذى لم يكن تم حينذاك، وتم بعد ذلك، فكنت مواظبا على الحضرة فى مسجد التوبة فى كل ليلة، وسألت عن مقدم الإخوان فعرفت أنه
الرجل الصالح التقى الشيخ بسيونى العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لى بأخذ العهد عليه ففعل ووعدنى بأنه سيقدمنى للسيد عبد الوهاب عند حضوره، ولم أكن إلى هذا الوقت قد بايعت أحدا فى الطريق بيعة رسمية، وإنما كنت محباً وفق اصطلاحهم.
وحضر السيد عبد الوهاب - نفع الله به - إلى دمنهور وأخطرنى الإخوان بذلك فكنت شديد الفرح بهذا النبأ، وذهبت إلى الوالد الشيخ بسيونى ورجوته أن يقدمنى للشيخ ففعل، وكان ذلك عقب صلاة العصر من يوم 4 رمضان سنة 1341 الهجرية، وإذا لم تخنى الذاكرة، فقد كان يوافق الأحد حيث تلقيت الحصافية الشاذلية عنه، وأذننى بأورادها ووظائفها.
ولعل من المفيد أن أسجل فى هذه المذكرات بعض خواطر- حول التصوف والطرق فى تاريخ الدعوة الإسلامية- تتناول نشأة التصوف وأثره، وما صار إليه، وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامى. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمى أو التعمق فى المعانى الاصطلاحية، فإنما هى مذاكرات تكتب عفو الخاطر، فتسجل ما يتردد فى الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن
تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد:
حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول، وكثرت فتوحها و أقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان، وجبيت إليهم ثمرات كل شئ، وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة فى كبد السماء : "شرقى أو غربى فحيثما وقع قطرك جاءنى خراجه"، وكان طبيعيا أن يقبلوا
على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها فى اقتصاد أحيانا وفى إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعى، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس فى متاع هذه الحياة الزائل ويذكرونهم بما قد ينسونه من متاع الآخرة الباقى (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة - الإمام الواعظ الجليل - الحسن البصرى، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة فى الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر، والزهادة وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه. وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية، فأخذت صورة العلم الذى ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا :مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.
وهذا القسم من علوم التصوف - واسمه علوم التربية والسلوك - لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقى بها، لم يبلغ إليه غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية
من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة فى كثير من الأحيان تأثرا بروح العصور التى عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة فى الصمت والجوع والسهر والعزلة.ولذلك كله أصل فى الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإ عراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها. ولو وقف التطبيق العملى عند هذه الحدود التى رسمها الشارع لكن فى ذلك كل الخير.
ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأى والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة فى الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة، وأصبح كل ما يكتب أو يقال فى هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين فى دين الله والحريصين على صفائه ونقائه (2).
وجاء بعد ذلك دور التشكل العملى للفكرة فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم، كل على حسب أسلوبه فى التربية (3).
وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه التشكيلات تكأة عند اللزوم، ونظمت الطوائف أحياناً على هيئة النظم العسكرية (4)، وأخرى على هيئة الجمعيات الخاصة. حتى انتهت إلى ما انتهت إليه اليوم من هذه الصورة الأثرية التى جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل، والتى يمثلها الآن فى مصر مشيخة الطرق الصوفية ورجالها وأتباعها.
ولا شك أن التصوف والطرق كانت من أكبر العوامل فى نشر الإسلام فى كثير من البلدان، وإيصاله إلى جهات نائية ما كان ليصل إليها إلا على يد هؤلاء الدعاة، كما حدث ويحدث فى بلدان أفريقيا وصحاريها ووسطها، وفى كثير من جهات آسيا كذلك.
ولا شك أن الأخذ بقواعد التصوف فى ناحية التربية والسلوك له الأثر القوى فى النفوس والقلوب، ولكلام الصوفية فى هذا الباب صولة ليست لكلام غيرهم من الناس. ولكن هذا الخلط أفسد كثيراً من هذه الفوائد وقضى عليها.
يقول: وأعتقد أن أجلَّ غاية يجب أن يرمى الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضا الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه.والذى يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين، لك ل خواصه ومميزاته، يسلك أيهما شاء:
أولهما: طريق التصوف الصادق، الذى يتلخص فى الإخلاص والعمل، وصرف القلوب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم، وهو أقرب وأسلم.
ثانيهما: طريق التعليم والإرشاد، الذى يجامع الأول فى الإخلاص والعمل، ويفارقه فى الاختلاط بالناس، ودرس أحو الهم وغشيان مجامعهم ووصف العلاج الناجح لعللهم. وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول الكريم.
وقد رجحتُ الثانى بعد أن نهجت الأول - لتعدد نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم وأجملهما بمن لم يفقه شيئاً (لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). اهـ باختصار

كما رأينا : هذا ليس سلوكاً لطريق تعليم التصوف والتزكية وبناء الحياة على الأخلاق، ولكنه انسلاخ واضح من الصوفية التى أظهر أنه من أهلها، وإعلان وهابيته المستترة تحت جنح منهج التعليم والإرشاد، وكأن التصوف يخلو منهما! فالتعليم والإرشاد لا ينتطح فيه عنزان، ولكن السؤال هو : تعليم ماذا وإرشاد إلى ماذا ؟! أي الإسلامين ؟! الصوفي أو الوهابي، هذه هي القضية.. هل هي الدعوة المتجردة لله ورسوله دون أغراض دنيئة زائلة، أم أنها تستهدف السلطة الدينية والزمنية معاً، هذا هو مربط الفرس.
وبالطبع كانت الثانية، التي حولت الدعوة إلى ميليشيات مسلحة تطلق النار على المصريين وتترك المستعمر البريطاني!!
وكانت جماعة الإخوان المسلمين وعدت الحكومة المصرية بأن تهدئ من أنشطتها وتقلص حركتها مقابل شرطين أساسيين :
الأول: أن تسمح لهم بإقامة حزب مدنى
الثانى: هو الإفراج عن عدد من كوادرهم
ولسنا نفهم ! كيف وهي الجماعة المؤسسة دينيا وغايتها إمارة إسلامية ممتدة، التى لا تفعل شيئا إلا التحدث باسم الدين وباسم الله وكلام الله وتعاليم الله والثوابت الدينية والشريعة الإسلامية والسنة النبوية والغزوات التاريخية تحت علم الإسلام، وتحويل اللغة المدنية التى تعترف بالصواب والخطأ
إلى لغة دينية ليس فيها إلا الحلال والحرام وصغائر الذنوب والكبائر وعقاب الله وغضب الله .. كيف يمكن لهذه الجماعة أن تصبح بقدرة قادر حزباً مدنياً !!
أوليس وضع الشروط لتهدئ من أنشطتها وحركتها أكبر دليل على استمرار الانتهازية، وسياسة الصفقات واستغلال الفرص ومبدأ التهديدات الإرهابى الوهابى؟.

والخلاصة أن الشيخ حسن البنا الساعاتى وجماعته تقربت من الصوفية فى البداية لأن المجتمع المصرى كان صوفيا، ويلفظ أى جسم غريب عن التصوف، فأعلن الشيخ وأتباعه صوفيتهم فى البداية ثم تحولوا بعد ذلك، وتنكروا للصوفية والتصوف، وفاء للوهابية والمدد النجدى، تنفيذاً للمخطط الإنجليزى للملك عبد العزيز آل سعود.
___________________________________________________
(1) ونلاحظ فى هذا الرأى أن مؤسس الإخوان حاول ألا يصطدم بالواقع الصوفى للمجتمع المصرى، بإظهار بعض محاسن الصوفية وفى نف الوقت يدس السم في العسل بنقدهم وتعييبهم تنفيذا للمخطط الوهابى الموضوع للجماعة.

(2) هذا أسلوب ابن تيمية، الفقيه الناظر في النصوص من بعيد، لا الصوفي الذواق صاحب المنازلات والمجاهدات التي تثمر الفهم وانقداح النور الرباني في االقلب، مصداق قوله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله). وكان ابن تيمية ومدرسته لا ناقة لهم ولا جمل في باب التصوف على الإطلاق، إذ أنه علم يؤخذ بالتلقي والتطبيق العملي والمراس على يد شيخ مأذون، وليس مجرد أبحاث نظرية كغيره من العلوم.. ومع هذا القصور الذي كان ينبغي أن يتأدب معه ابن تيمية ويتواضع ويعترف بعدم تمكنه من هذا العلم ولا حتى الدخول من عتبة بابه من الأساس: إلا أنه – كما عُرف عنه دوماً على طول الخط – كان يدّعي أنه يعرف كل شيء ويحكم على أهل الكرة الأرضية جميعاً وبضللهم ويكفرهم، وأول من كفرهم هم كبار علماء الصوفية المسلمين، لا سيما الأندلسيين منهم، لأنهم كانوا في نظره من الأعاجم وكان كلامهم غريب عليه لا يفهمه ولا يهضمه (وكان هذا يثير كبرياء نفسه الخبيثة) ولأنه فقيه من أهل الظاهر، صاحب فتاوى حيض ونفاس وبيع ومعاملات: فكان يفسر كلامهم تفسيراً ظاهرياً لكي يكفرهم ويكون هو الأعلى، وكان بعضهم يحكي أنه حينما يواجههم بالمناظرة لم يكن يثبت على مسألة واحدة حتى ينتهي ويفرغ منها ثم ينتقل إلى غيرها كما هو حال العلماء الأثبات، ولكن يقولون أنه كان يقفز منهم من مسألة ويروغ لأخرى كطائر الكركي.
(3) ليس في التعددية عيب أو إشكال، فالتعددية موجودة في جميع الأمم والأديان والمذاهب، طالما أن التفاهم والحب موجود، ولكن يأتي الإشكال حينما يدخل عنصر المغالبة والحقد والحسد، وهو مرض ابليس الذي نشره ابن تيمية في أتباعه إلى اليوم.
(4) الصوفية هم الذين حرروا العالم الإسلامي من الإستعمار قديماً وحديثاً.. أنظر مقال "جهاد الصوفية" على ويكيبيديا وانظر كتاب "البطولة والفداء عند الصوفية" أسعد الخطيب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التمييز .. ضد المرأة !! / قناة الانسان / حلقة 93


.. يوميات رمضان من القدس مع خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري


.. الشريعة والحياة - الشيخ الريسوني يتحدث عن فروض الكفايات وأثر




.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مسجدي الزرقاء وسديرة بعد اكتمال ترمي