الحوار المتمدن - موبايل


آل البيت السامي

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2021 / 1 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نعم، كما ربما قد يتبادر إلى ذهنك، هم آل بيت النبي. لكن البيت المقصود هنا لا يقتصر على بيت النبوة فقط، بل يتجاوزه إلى "البيت" الأنموذج، ذلك القالب الذهني المسيطر في لاوعي معظمنا ويجعلنا نفكر بطريقة قوالبية بشكل أو بآخر بينما نعتقد أننا نصف ونشخص الواقع بطريقة موضوعية. ربما لاستغراب البعض، حتى أغلب مرتادي هذا المنتدى اليساري لهم بيوتاتهم الذهنية، وبيوت نبوية كذلك. وماذا يكون البيت الذهني الأنموذج، الموجود في الذهن والمخيلة وليس في الواقع بالضرورة؟ هنا، بيت النبوة وآله يقدمون المثال.

هم في الحقيقة نفر من البشر مثل أي وكل بشر، مثلي ومثلك. لكن العقل البشري البيوتاتي صنع منهم مؤسسة ذات بنيان مادي ومعنوي أكبر كثيراً من مجموع أفرادها. ومن ثم أصبح بيت النبوة ليس كمثل أي بيت بشري آخر، بمرور الزمن أضفيت عليه صفات جعلته يسمو كثيراً فوق بيوتات البشر العاديين، إلى منزلة تقارب القداسة، حيث لا يجوز المساس أو الاقتراب أو النقد أو الخوض أو أي شيء آخر مثلما قد يحدث مع سائر البيوتات البشرية. لماذا؟ لأنه بيت النبي، وحرمته من حرمة النبي نفسه. ومن أين أتي النبي بهذه الحرمة والعصمة؟ أتى بهما من عند الله، من اتصاله بالله عبر الوحي ونقل رسالته إلى البشر. ربما المسألة أعمق وأكثر تعقيداً، والبيت النبوي ليس هو الأنموذج الأصلي، بل مجرد نسخة. ما هو الأنموذج الأصلي، إذن؟

ربما الأنموذج الذهني الأصلي للبيت السامي والمعصوم هو البيت الإلهي. منذ قديم الزمان قد تصور الإنسان آلهته في صورة مكبرة ومعظمة ومثالية لصورته هو ذاته، وأعطى للإله آلاً وبيتاً كتلك التي للإنسان في الأرض. وحتى لو كان الله لا يتزوج ولا ينجب مثل الإنسان، إلا أن له في جميع الأحوال حاشية ومحيطين، كرسي وعرش، وملائكة يحيطون به ويشكرونه ويسجدون له ويسبحون بحمده. ربما الملائكة والجان هم آله، والكون عرشه وبيته. هكذا يتصور الإنسان إلهه، له آل وبيت مثلما للإنسان. وربما على أساس أنموذج آل البيت الإلهي السامي والمقدس هذا تم استنساخ أنموذج آل البيت النبوي المرفوع والمحمود والمعصوم والمصان بعيداً عن النقد والتجريح، وحتى عن الخوض والموضوعية. لكن براعة الخيال البشري لا تنتهي عند هذا الحد.

لقد اختلق العقل البشري الكثير من البيوتات الذهنية السامية الأخرى، المبنية في الذهن والخيال وغير الموجودة في الواقع والحقيقة بالضرورة، أو على الأقل بنفس صورتها المثالية البعيدة والمعصومة من الشوائب والنواقص والتناقضات. من هذه البيوتات، مثلاً، البيت الماركسي وآله، حيث يقف كارس ماركس نداً للنبي محمد، وتلامذته صنواً لآل بيت النبي وصحابته وأتباعه. كارل ماركس نبي لدى حواريه وأتباعه، والماركسية عالم مثالي خارج عالم البشر لم يتحقق بعد على الأرض كما بشر به نبيه، أو هي الأنموذج الإلهي الأصلي الذي نقتبس منه قدر استطاعتنا وبقدر ما تسمح الظروف. كذلك الحال مع بيوتات سامية أخرى مثل الديمقراطية، والرأسمالية، والبوذية...الخ.

ولا تنتهي البيوتات السامية، بل هناك أيضاً العديد من بيوتات السلطة والحكم العربية التي بنيت على نفس صورة البيت النبوي وآله، الذي بني بدوره استنساخاً لصورة البيت الإلهي الذهنية. تأمل خصائص وصفات بيوتات الحكم، وقارن بينها وبين بيت آل النبي، وأخبرني أين الاختلاف أو الفارق. هناك السمو والعصمة والتبجيل الكامل، والطاعة العمياء في جميع الأحوال.

في الحقيقة، لا توجد بيوتات سامية ولا معصومة. كل ما هنالك أفراد ومفردات، لبنات، كائنات، أحجار وصخور مبعثرة ومتناثرة هنا وهناك من دون ترتيب أو هيئة معينة. والعقل البشري هو الذي يصطنعها ويضفي عليها هيئة وشخصية، يختلق من مفردات الكون بيتاً وآلاً للإله، ومن نفر من البشر العاديين بيتاً وآلاً لهذا أو ذاك. لماذا؟ لأن العقل البشري من بين عقول الحيوانات والكائنات الحية كافة يملك قدرة هائلة على الخيال والابتكار. المشكلة أن نفس هذا العقل المبدع والخلاق يصدق غالباً أن ما قد اصطنعه من نسيج خياله هو الحقيقة- أو الحقيقة الكاملة- في الواقع كذلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - كسر التابو
هانى شاكر ( 2021 / 1 / 21 - 14:27 )

كسر التابو
____

نعم ... نصنع الموديل فى مخيلتنا ... نصدقه ... نبجله ... ثم نرتعب منه

لكن بعض الماكرين تفتق ذهنهم عن آلية تفكيك و تبسيط ... الا وهى الأكل ... ان تأكل سكان البيت السامى

قديما صنع الماكر آلهه من العجوة ... عبدها ثم اكلها ... و حديثا افتى بعض الشيوخ بجواز اكل لحم الجن

شكرا استاذنا

....

اخر الافلام

.. رمضان .. في ضوء الديانة اليهودية !! / قناة الانسان / حلقة 90


.. بيغسلوا دماغهم وبيسبوهم يواجهوا مصيرهم وبيهربوا.. هو ده فكر


.. قتلوا المصريين بالصوت والصورة ويقولوا مش إحنا.. الاختيار2 يُ




.. الشريعة والحياة - حسين السامرائي: الإسلام دين يسر وهذا ما يم


.. قناة الانسان