الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


النفاق الاجتماعي.. آفة العصر الحديث

بكر محي طه
مدون حر

(Bakr Muhi Taha)

2021 / 2 / 7
المجتمع المدني


لطالما كان السلوك البشري مُتغيراً في سُبل المعيشة بسبب التحولات والتطورات البيئية الامر الذي أثر على نتاج السلوك البشري وعلى مر التاريخ فمثلاً الشائعات حول الملك وحاشيته كانت تنتشر كما النار في الهشيم بين السكان في حين النصائح او الارشادات حول تحاشي مرض معين او وباء او حتى اكتشاف ترياق لم ياخذ ذلك الصدى الواسع، اذ الامر يتعلق بخصوصية الاخرين لذا فهو شيق وممتع كونه يتعلق بالمظهر المثالي المزيف الذي يعيشوه كدور حياة كامل الاوصاف امام الملأ وعامة الناس.
وايضاً هو متنفس الناس للهروب من واقع الظلم والاقطاعية والاستبداد والعبودية التي كانت تمارس سابقاً بحق فئات كبيرة من البشر، فأي لحظة او قت قصير يعتبر انجاز بحد ذاته للتعبير عن سخط ورفض معاً عن سوء المعاملة والاجبار على فعل امور غير محببة لهم، كالضرائب وشراء المحاصيل باقل سعر او حتى بيع الاراضي بثمن بخس، فمهما كانت الاسباب تبقى النتيجة واحدة، إذ لم تكن حالة سلبية بحد ذاتها بقدر كونها هروب من واقع مرير الى واقع مفترض يتسواى فيه الجميع ويحصل المجتهد على نصيبه!.
وبرغم التطورات الفكرية التي شهدتها البشرية في مجال الاجتماع كحرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار والقضايا النبيلة وغيرها إلا ان فئة ليست بقليلة من الناس باتت تستغل هذا الامور لدوافع شخصية بحتة، فالهدف لم يعد تنفيس عن ما في داخل الانسان تجاه أمرٍ معين بل صار الامر يتعدى ذلك ويتجه نحو تغيير السلوك والافكار تجاه قضية او فكرة او مجموعة من الناس او حتى فرد معين بحد عينه، فالكذب والخداع والتلون لموضوع او لشخصٍ بحد ذاته بات يمثل سلوكاً حياتياً للوصول الى منافع شخصية جداً كالاموال او الحفاظ على منصب عمل.
فظهرت فئة مجتمعية تضم عدة شرائح بغض النظر عن خلفياتها الثقافية تنتهج اسلوب التلون والخداع والتظليل وقد تجذر لديهم هذا النمط السلوكي لينتقل من جيل الى آخر، فقط ليظهروا امام اقرانهم بانهم على صواب وهم الامثل، في وقتٍ غابت فيه القيم والاخلاق الانسانية، وهناك من يساند هؤلاء برغم معرفته المسبقة بخداعهم وزيفهم لمصالحٍ آنية، وبالتأكيد فان المجتمعات الفقيرة جداً والتي لايوجد لديها حلقة وسط -طبقة اجتماعية وسطى- تكون بيئة مُثلى لنمو آفة العصر الحديث الاجتماعية (ظاهرة النفاق الاجتماعي).
فهي من اهم مشاكل البشرية السلبية اليوم لانها باتت تمثل جزءاً مهماً من حياة الناس كالماء والهواء لدى البعض!، ولعل أبرز اسبابها هو عدم الثقة بالنفس والفراغ الداخلي الذي يعيشه الشخص، كذلك الفشل في تحقيق ابسط طموحاته، والاهم بيئة اسرته المبنية على المراوغة والخداع هو مايدفعه الى خلق قناع اجتماعي (سلوك ونمط حياتي خاص) لمواجهة الناس وتسيير اموره، فمثلاً سحق اقرب الناس اليه (اصدقاء او اقرباء) وتقديم المساعدة لهم في الوقت عينه بكونه حبل النجاة الوحيد المتوفر لهم ليخلق بذلك هالة حول نفسه بأنه شخص نبيل ومثالي!.
فالمشكلة الاساس هي ليست الاسرة كونها البيئة الاولى التي ينشأ بها الانسان، فإذا كانت تتبع اسلوب حياة صريح وعملي معتمد على منجز المرء ومواقفه الثابتة تجاه القضايا والاراء فان الشخص الخارج منها سيكون منتج مجتمعياً وانسانياً، اما اذا كانت تتخفى تحت غطاء ديني او عرقي او حتى مذهبي ليس لاجل شيء سوى المصلحة الشخصية والمنافع المادية تحت بند (نبل الغاية يبرر دناءة الوسيلة) فبالتاكيد الشخص الخارج منها سيكون انتهازي ومراوغ والاهم انه لايملك منطق عقلاني في سلوكه الحياتي.
وانما المشكلة هي الفرد نفسه، ليُطرح تساؤلٌ مهم "هل هو يريد التغيير، ام لا يريد لانه يخشى ان يسبح عكس التيار؟"، الاجابة لا تحدد بفرد او مجموعة او عرق او حتى منطقة وانما الاجابة تكمن في المجتمع الذي يتقبل مثل هكذا ظاهرة ويعتبرها وسيلة للتفريغ عن هموم ومشاكل لعله يجد حلاً لها او حتى لمجرد الكلام للتخفيف من الضغط النفسي من جراء روتين الحياة اليومية.
ولو اخذنا المجتمع الشرقي مثلاً سنجد بان ظاهرة النفاق الاجتماعي اخذت حيزاً كبيراً في السنوات الاخيرة وخاصة في ظل الانفتاح والحريات التي كانت مقيدة حتى وقتٍ قريب، حيث صارت مصدر قلقٍ مخيف كونها دمرت قيماً واخلاقيات وقضايا ظلالها باتت تهدد السلم المجتمعي، فثقة الفرد بالفرد انعدمت خوفاً من مشاكل مستقبلية من شأنها تجعل احدهم يفشي اسرار الآخر لتصبح لبان في افواه الجميع، او حتى التأليف وصناعة احداث عن شخوص او مجموعة لم تحدث ابداً وانما لمجرد التسلية او لهدف ما او حتى لابعاد الانظار عن امر ما.
هذه الظاهرة ليست مجرد سحابة مطرٍ وقتية وترحل وانما هي اشبه بالثقب الاسود تبتلع فئات المجتمع تباعاً وتأخذ بالاتساع يوماً بعد يوم، ولا بد من وقفة انسانية جادة لصد هذه الظاهرة السلبية تبدأ من الفرد نفسه ومن ثم المجموعة ثم الفئة المجتمعية وهكذا، فالصدق والغايات النبيلة والرأي الحر الثابت لاتعبر سوى عن روح الانسان النقية الشفافة، لذلك لا داعي للتلون والتملق والتقويل الارتكابي لاجل الوصول الى الغايات، حتى وان صارهذا الامر روتيناً يومي نعيشه ونقابله في العمل او الدراسة او حتى المنزل، لكن الاهم هو هل نحن مجبرين على التكيف معه؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شبح المجاعة يخيم على 282 مليون شخص وغزة في الصدارة.. تقرير ل


.. مندوب الصين بالأمم المتحدة: نحث إسرائيل على فتح جميع المعابر




.. مقررة الأمم المتحدة تحذر من تهديد السياسات الإسرائيلية لوجود


.. تعرف إلى أبرز مصادر تمويل الأونروا ومجالات إنفاقها في 2023




.. طلاب يتظاهرون أمام جامعة السوربون بباريس ضد الحرب على غزة