الحوار المتمدن - موبايل


المخرج والتصور المسرحي -- نبيل الألفي

أبو الحسن سلام

2021 / 2 / 11
التربية والتعليم والبحث العلمي


الرؤية الجمالية في فن المخرج :نبيل الالفي
عرض مسرحية ايزيس
التصور نواة تكوين الصورة في عمل الفكر الإبداعي ، ولما كان عمل المخرج المسرحي هو عمل إبداعي من بدايته إلي نهايته لذا قام علي الخيال أي علي قن التعبير بالصورة المسرحية المركبة تركيبا لغويا حواريا وبصريا ؛ عبر منظومة إيقاع الفكر في أداء حاضر بين ثنائية الإبداع والتلقي وهي ثنائية خطا يتشارك فيه حدس المبدع من منظور ظاهرية حدس المتلقي ؛ الأمر الذي يحسب المبدع المسرحي حسابا له في ما يعرف بالتصور أو رؤية إخراج النص المسرحي ، والأستاذ نبيل الألفي ةاخج من مخرجي مسرحنا المصري المتفردين الذين تؤسس عروضهم المسرحية علي تصور/ رؤية إهراجية .
یقول نبیل الألفي ، " فإذا كان علي أن أنھض بإخراج إحدى المسرحیات التي وافقت علیھا فعلي أن احتضنها كشيء عزیز , وأعید خلق عالمها داخل ذاتي فبل أن أشرع في اتخاذ أیة خطوة نحو إخراحها , و قد أدافع عنها دفاعا لا یعرف التخاذل إذا تعرضت لهحوم لا یرتكز علي أساس سلیم "
و يضيف " و لأن المخرج ھو العقل المدبر و البصیرة الواعیة يالهدف الأخیر الواجب تحقیقه من خلال العرض المسرحي , فإنه بذلك یسیر وفق برنامج عمل ممنهج ، فهو في البرنامج یخطط لملامح الأداء والخطوط العامة للتصمیمات ( المناظر و الملابس و الموسیقي والإضاءة والملحقات ) جنبا إلي جنب مع الأداء التمثیلي . و ھو برنامج مكتوب بعد جهد التحلیل الذي ينتهي إليه المخرج وصولا إلي رؤیة إخراجیة متكاملة.
ولو توقفنا لنتأمل جهد نبیل الألفي المنهحي في إخراجه لمسرحیة ( إیزیس ) لتوفیق الحكیم " - بغض النظر عن المشكلات ذات الرائحة الذاتیة التي أثارھا مقال نقدي لألفرید فرج في مستهل حیاته الأدبیة المسرحية ، حیث ھاجم النص و المخرج قبل أن یخرج العرض إلي النور - سوف نجد أن نبیل الألفي لا یترك شاردة و لا واردة متصلة بنص ( إیزیس ) الذي یقوم بإخراحه یخطط للملامح الخاصة بالأزیاء تخطیطا تفصیلیا بعد رجوعه المتكرر لمعاونه - أحد المختصین الأثريين بالمتحف المصري بالقاھرة - علي اعتبار أن مسرحیة ( إیزیس ) مستلهمة من التراث المصري القديم , و باعتبار أن أسلوب إخراج نبیل الألفي لها ینحو نحو الواقعیة التاریخیة - واقعیة دوق ساكس میننجن MENINGEN - و نبیل الألفي في ذلك إنما یستقرئ منهج وافعية المخرح الفرنسي " لوي جوفیه " الذي یقول " في الحقیقة أن أي مسرحیة تخرج نفسها بنفسها " والمقصود بالطبع أن أسلوب إخراج نص مسرحي ھو من جنس الأسلوب الأدبي و الفني لذات النصمن هنا خرص نبيل الألفي هاي التمسك بأسلوب نص إيزيس وثبت ذلك في نص المذكرة الفنیة أو المخطط الفني الذي رسمت فيه رؤيته عناصر أسلوب الواقعية التاريخية حتي في الأزياء
أزیاء مسرحیة "إیزیس :
- الآنسة أمینة رزق : القطع المكونة لملابسها / من الممكن أن تتألف من الآتي " ثوب أو رداء خارجي , قمیص داخلي له حمالات علي الكتفین , نقاب , حزام للخصر, غطاء رأس , غلالة شفافة أو قطعة فضفاضة من القماش لتتشح بها أحیانا , صندل .
- وتأساوب نفسه فر رسم الديكور .. ویلاحظ أن رسم الكرسي " العرش " ھو العلامة الهيروغليفية التي تشیر إلي إسمها , ومن الممكن أن یحلي به غطاء رأسها في المنظر الأخیر) .
- وحول الشخصیة نفسها یكشف نبیل الألفي عن ملامح رئیسیة في الشخصیة :

بعض الملامح الواضحة في شخصيتها:
- الوفاء الزوجي .. , الأمومة
- تؤمن بقلبها, تستجیب لهميساته , و تتحرك بوخيه .
- إیجابیة في وفائها ولها صبر و جلد في طریق بحثها وكفاحها , وھي صلبة غایة الصلابة في اتجاھھا نحو أهدافها البعیدة .
- لا یخلو سلوكها و لا تخلو تصرفاتها من الفهم السیاسي .
- تبدأ المسرحیة وھي في حوالي الخامسة و العشرین و تنتهي وھي قبیل الخامسة والأربعین من عمرها .
- تبدأ ھائمة , و تتطور نحو الصقل و التركیز .. فقسمات تكوينها النفسي تتطور و تتبلور و تتركز خلال بحثها و كفاحها وتجاربها ومأساتها.
مراحل التعبیر الرئیسیة في ملابسها وفقا لبناء المسرحیة :
أ‌- : في المنظر الأول , و الثالث , و الرابع من الفصل الأول , وفي المنظر الأول من الفصل الثاني : المرحلة الهائمة ؛ مرحلة البحث .. في السوق , وفي القریة , و علي ضفاف النیل , وأخیرا في مملكة "ببلوس " - وحدة في اللون و التكوین , مع بعض تغییرات جزئیة طفیفة وفقا .. لتأثر ملابسها برحلة بحثها... وكذلك یراعي المخرج العدید من المشكلات " ونظرا لضیق وقت التغییر بین ھذه المرحلة , و المرحلة التالیة أي بین المنظرین الأول والثاني من الفصل الثاني , ینبغي أن تلاحظ إمكانات سرعة ( التغییر ) في تكوین الملابس الخارجیة و قطعها
ب‌- " في المنظر الثاني من الفصل الثاني : بعد ثلاث سنوات ؛ بعد أن استعادت زوحها وعاشت معه في الخفاء عیشة ھادئة و أنجبت ولدا .. خصب , أول الأمومة , وأول تفكیرھا العریض في الطریق السیاسي . ینبغي أن یلاحظ نفس الاعتبارات الخاصة بسرعة التغییر , كما في ملابس المرحلة السابقة
ت‌- في المنظر الأول و الثاني و الثالث من الفصل الثالث و الأخیر : یعد أكثر من خمسة عشر عاما ؛ مرحلة فيها جلال النضوج .. أكبر سنا , و أعمق تجربة , و أكثر صلابة .. ویصح أن تشمل الملابس بعض تغییرات جزئیة في مناظر ھذه المرحلة , و بالأخص في المنظر الأخیر , منظر المحاكمة حیث تتبلور شخصيتها في النهائية الكاملة
اقتراحات الألوان
من الممكن أن ننزع إلي المزاج أو التدرج أو الانتقال الصریح وفقا للمراحل السابقة
• أزرق بلون السماء الصافیة .. یعبر عن نقاء الشعور , و العاطفة الثابتة ،

شفافیة وراءھا الأحمر القاني .. ( تعبر عن شفافیة القلب في إدراك الأشیاء , وعن دمویته وحركته الدائبة.
- غلالة سوداء شفافة تختلط بشعر فاحم السواد مرسل عندما تكون ھائمة , ومصفف عندما تكون في حالة اتزان ..
- وأخیرا اتشاح بالسواد , أو بالأزرق القاتم , أو بالرمادي المائل إلي السواد یختلط مع رأسها ا بالشعیرات البیضاء .. ( ویصح استخدام البني القاتم الذي یوحي بصلابة الصخر )
ولأن المخرج يتعامل مع مبدعين في فروع فن العرض المسرحي ولكل منهم شخصيته وخبراته لذا فإن المخرج یقف عند عتبات الاقتراح علي مصمم الأزیاء أو المناظر , انطلاقا من رؤیته العامة , لكن لا یقرر و لا یفرض , بل یقترح لأن المصمم فنان مبدع متخصص له شخصیته ، و له بصمته الفنیة
یفرق المخرج نبیل الألفي بین الشخصیة في التراث المصري القديم و الشخصیة المسرحية نفيها في الاستلهام الدرامي في النص ، من خلال بعض معالم الشخصيات في تاريخ المصريين القدماء:
• شخصية (توت) : ( الأستاذ حسین ریاض ) القطع الرئیسیة في ملابسه تتألف من الآتي : ( رداء , غطاء رأس , حزام , صندل)
• معالم شخصيته في التاريخ :
• هو شخصیة جلیلة .. یسكن القمر ، و یعمل فیه طوال كل شهر, حتى یرد إلیه ما یفقد منه و یعیده بدرا في تمامه وكماله .
• إنه یمثل المحافظة علي نظام العالم .
• كما یمثل الكتابة و الفن و ترتیب الزمن.
" توت" معالم شخصیته في المسرحیة:
• إنه في المسرحیة أیضا شخصیة جلیلة ؛ و ینعكس في تكوينها النفسي جانب كبیر من شخصیة " المؤلف " فهو ( رجل حكمة فنان و حامل قلم )
• إنه مع بدایة المسرحیة یرید أن یعیش بقلمه و حكمته في دائرة فنه بعیدا عن محیط الصراع الواقعي الذي یرتطم مباشرة بالظروف الاجتماعیة والسیاسیة المرتجفة المخلخلة و لكنه عندما یبدو أمر الواقع سافراً فإنه في ھذه الحالة یتبین طریق قضیته ، فیلتزم يها ویتحمل مسئوليتها و یكافح في سبيلها بكل قواه و إمكاناته .. مهما كانت الوسائل و الأسالیب ؛ فإیجابیة ھذه الشخصیة نحو المجتمع لیست إلاّ إیجابیة حكیمة تصر علي أن تتبین مواضع أقدامها قبل أن تضرب في طريقها نحو الهدف ، عبر مراحل إعداد تبدأ من الشروع في اللجوء للتاريخ أو للتراث عند كتابة نصه.
• بربط منهجية استلهامه التراثي تعبیرا عن الشخصیة من خلال ثلاث مراحل
• أ - مرحلة الكاتب الفنان الذي یؤثر الهروب من الواقع
ب- مرحلة اقترابه من قضیة الواقع و تبنیه لمعالمها و اعتناقه لها
ج-مرحلة التزامه بالقضیة و كفاحه في سبلها .
و وتبعا لنظرة المخرج وفهمه لأسلوب الكاتب ، يضع رؤية إخراجه المسائل للنص وفيها يرسم أداءات الممثلين كل حسب دوره في العرض ویقترح حسب فهمه للأصول علي مصمم الأزیاء بعض قطع في ملابسه و تكوینه أن تأخذ ملابس شخصية "توت" طابع الإیحاء بالقراطیس و الأقلام و المزامیر .. و یقترح الألوان كذلك حبث تتدرج مساحات الألوان وفقا لمراحل التطور في الشخصیة من الأخضر الهادي الحالم ... إلي الأحمر الطوبي .... .. إلي الأصفر الدافئ المائل إلي البني ........إذا لم یكن في ھذا ما یعكس الكثیر من البنفسجي الرائق الحالم أیضاً أو الدقة و النعومة.
وعن معالم بقية الشخصيات ، يقول المخرج الأستاذ نبيل الألفي : علي غرار توت و إیزیس , اشتملت المذكرة علي الإرشادات و التحدیدات والاقتراحات الخاصة بشیخ البلد , وطفون ، و أوزوریس , و مسطاط , و الفلاحین ... وسائر الشخصیات الأخرى التي تلتقي و تفترق في عالم المسرحیة .
• دور التحلیل و التفسیر في التدریبات :
• لعل من أھم ما یضطلع به المخرج المسرحي في أثناء تدریبات التحلیل ( قراءة الطاولة ) أن یكشف للممثلین عن أسباب إرشاده لممثل ھذا الدور أو ذاك إلي أسلوب أداء الشخصیة التي أوكل إليه أداؤھا " :( لماذا یكون " إلقاء " الشخصیة في ھذا المشهد متدفقاً سریعاً ؟ أو كیف كان " إیقاع " الحركة في ذلك الموقف بین الیأس و الرجاء ، متأرجحا بین الاسترخاء والتحفیز .. ؟! "
• و من واجبات المخرج أیضا أن یشرح للقائمین علي تنفیذ خطة الإضاءة أو المناظر المسرحیة " ( لماذا یحدد اللون الأسود مقرونا باللون الأحمر في منظر من المناظر أو قطعة من قطع الأزیاء ، كأن یوضح لأي من ھؤلاء أن اقتران اللون الأحمر باللون الأسود بھدف مشاركة اللونین في دعم الإحساس بالجریمة في موقف معین و ارتباط ذلك بشخصیة معینة لتوكید الإحساس بالقتامة و الكراھیة و ظلمة اللیل المحیطة بالشخصیة أو بالموقف الدرامي, فاللون الأسود في الطبیعة مقرون باللیل , وھو في العرف مقرون بالحداد , وفي المزاج مقرون بالقتامة و الكآبة .. و بذلك سیعمل علي إثارة ذلك الإحساس لدي المتفرج وسیشارك بنصيبه في إحیاء الصبغة الدرامیة إلي جانب الانفعال , و الحركة , و الحوار, والإضاءة / والجو العام الذي تجري الحادثة في نطاقه . إن المخرج مطالب أمام ممثلیه و الطاقم الفني و التقني الذي یعاونه في تحقیق عالم العرض المسرحي الذي ھو بصدده بتقدیم تفسیر نظري أو تحلیل لكل ما یشیر إلیه بالنسبة للممثل أو للمصمم أو الفني أو للعامل , و أن یشرح لماذا ینفعل بتكییف حادثة درامیة علي ھذا النحو أو ذاك و لماذا جاءت صیاغته الفنیة لهذا الموقف علي تلك الصورة و في ھذا الإیقاع و بهذه الألوان دون غیرھا – ذلك إذا كان المخرج یمتلك القدرة علي التحلیل والتفسیر، و إلاّ فلماذا یقدم علي إخراج عرض مسرحي
• علي المخرج أیضا في تحلیله لتجربة العرض في بدایات قراءتها الجماعیة الأولي المتتالیة كیف یري الجزء فيها علي ضوء رؤیته للنص ككل و كیف یتحسس العلاقات بین الأجزاء ويربطها بالكل و كیف یفسرھا ، و كیف یصدر حكما علي الشخصیات أو يقوّمها في الموقف الدرامي ، وكیف یصوغ العلاقات الإیقاعیة للأداء انطلاقا من تقویمه للقیم وللأفكار الفرعیة مرتبطة بقكرتها الأساسیة و أن یعلّم الممثلین و الأطقم الفنیة العاملة معه كیفیة أداء ذلك كله – وفق تخصص كل منهم – وذلك ھو الأساس المنهحي الأول ، وربما الأخیر في عمل المخرج . و لیس مجرد تحقیق الحركة و الملابس و المناظر والعناصر الشكلیة للعرض وذلك بالطبع لا یتأتي لمخرج ما بدون دراسة تأملیه و تحلیلیة نقدیة للنص علي أن یضع في ذھنه أن مثل تلك القراءة الدراسة للنص إنما ھي مجرد بدایة لعمله , و ھو بذلك علي العكس من الناقد الجاد الذي تشكل دراسته للنص و العرض بعد مشاھدته له ھو في ذاته نهاية المطاف في رحلة العرض المسرحي فعن طریق دراسات البدایة التي یقوم بها مخرج عرض مسرحي ما ودراسات النهایة التي یقوم بها ناقد جاد ذو منهج أو مسلح بنظریة نقدیة للعرض المسرحي نفسه یمكن لتاریخ الفن المسرحي أن یحفظ جهد مخرجیه و فنانیه ومنتجیه فلا تضیع و تتواري في الظل .
ولنا أن نتساءل : أين عمل مخرجي مسرحنا العربي في هذه الأيام مما بينه منهج المعلم الأستاذ نبيل الأافي ؟
• نص المخرج :
اعتاد نقاد المسرح ، ومعلموه ودارسوه في حالات القراءة المسرحیة النقدية المتخصصة علي الاكتفاء بتحليل نص المؤلف تحليلا دراميا ؛ سواء أكان نصا مؤلفا أو مقتبسا أو مترجما , و لم يعتادوا التفكیر في أن للمسرح نصین للعمل المسرحي الواحد :
- النص الأول : ھو النص الدرامي الذي كتبه المؤلف
أما النص الثاني : فھو النص المسرحي و ھو نص المخرج
ومع أن ظاھرة وجود نص إخراج للنص الدرامي قد بطلت في أیامنا ھذه التي تراجعت فيها قیم كثیرة ، و أصول عرفها الرواد و تمسكوا بها ، و علي رأس ھؤلاء الرواد یبرز اسم الفنان المخرج و المعلم نبیل الألفي ، فما من نص أخرجه نبیل الألفي للمسرح إلا و تجد له نصا إخراجیا معادلا تنظیریا و تحليليا لنص المؤلف سواء انطلق من منطلقات الترجمة الحیة لذلك النص علي خشبة المسرح أو انطلق منطلقا تفسیريا فهو في كل الأحوال إعادة إنتاج اادلالة للنص المسرحي بالتجسید الحي الذي یتأسس عمله علي تصور ومنهج, وأسس نظریة يعادلها بمعادلات تجسیدیة وأداءات تشخيصية إبداعیة .
و ما دمنا قد وقفنا عند التصور و المنهج و الأسس النظریة للعملیة الإبداعیة في فن الإخراح ؛ فقد وقفنا عند دور الفكر في عمل المخرج المسرحي المصري " فالمخرج بدایة یكون مثقفا , مفكرا ولابد أن یكون دارسا متمرسا بالأساليب الفنية ، حتي مع ميله لأسلوب فني بعينه – أو اقتصر ھذا الأسلوب علي عرض مسرحي بعینه – أو نظرية بعينها ؛ فجهوده تصب في إطار ترجمة معني النص أو تفسیره ، و في الثانیة تتخطي تقنيات فنه تقنيات إبداع خطاب النص المسرحي ذاته ، لتصبح تقنيات خلق جمالي مغايرة حني مه كونها وفق أسلوب النص , لكن يآفاق جدیدة من إبداع المخرج الفنان حتى تشكل أسلوبا إبداعیا ذا هوية تضيق عمقا وتفسيرا لخطاب النص .
* الإخراج بین التأثیر و التأثر:
لا عمل في مجال الابتكار أو مجال الإبداع إلا وفيه نصیب للتأثیر و التأثر . ولا شك أن التأثیر والتأثر كليهما مرتبطان ارتباطا وثیقا بعاملین رئیسیین أحدھما ذاتي و الآخر موضوعي , و لا شك أن ابتعاث الدلولة للأستاذ نبیل الألفي إلى فرنسا – بعد مرحلة التهرج من المعهد العالي للمسرح - لاستكمال صقل دراسته المنهجية لفنون الإخراج المسرحي كان له تأثیر كبیر علي مجمل فنه وخاصية أسلوبه . و من مظاھر ذلك أن نبیل الألفي كان قریب الشبه من حیث كونه رجل مسرح من المخرج و رجل المسرح الفرنسي لوي جوفیه
كما أن إبداعات نبیل الألفي في الإخراج المسرحي قد وجهت جهود فنه المسرحي الوجهة نفسها كما هي خصيصة فن جوفييه - منهجا وأسلوبا – واقعيا طبيعيا -. كما تعانق الفكر مع الجمالیة في كل الأعمال التي قام نبیل الألفي يإخراجها.. تعانقت" الصورة القدیمة للمسرح بكل ما فيها من وعي كشكل من أشكال تحقیق التراث والإمساك بالجذور والتمسك بهما في إنتاح شكل یعني بفلسفة الجمال و الفكر المعاصر ، متمثلا في السعي نحو التحدید كما عند جوفیه . لقد كان كلاھما واعیا برسالة المسرح و بدوره في صنع تلك الرسالة و تأكیدھا - كل في مجتمعه -
وإذا كان جوفیه قد عكف علي تصمیم جدید لخشبة المسرح فقد صمم نبیل الألفي مسرح بیرم التونسي الصيفي بالإسكندریة في منتصف ااستنيات من القرن العشرين وأشرف علي إنشائه معمارا وأهرح لفرقة الإسكندرية نص مسرحية الفلاح الفصيح لعلي أحمد باكثير ، بعد أن كرس حهوده في الإشراف علي بنائه في حي الشاطبي علي كورنیش البحر مباشرة.
وإذا كان لوي جوفیه علي غیر عادة بعض المخرجین لتاجض علي ألا ینضم إلا لتفكیره ، و لا یعتمد إلا بما یوحي له به تصوره و رؤیته في عملیة الإخراج ؛ لأنه ھو الذي یلد العمل الفني ولیس الآخرون ؛ فإن نبیل الألفي ؛ كان كذلك لا یعتمد إلا علي ما یوحي له به تصوره و رؤیته في عملیة الإخراج , لقد كان یؤمن مثلما كان جوفیه یؤمن .. بأن الاعتماد علي الذات من أدق مهمات ىالإخراج,
لقد كان مفتاح التفكیر وبدایة طرق الإخراج عند نبیل الألفي من داخل منظور الشخصيات – تماما كما كان عند لوي جوفیه . لقد آمن نبیل الألفي بما آمن به جوفیه من أن لكل عصر علاماته و أماراته الجدیدة التي یأتي بها العصر و یثرھا في أشكال و عادات ورموز , والأمر تقسع بالنسبة للممثل ، فعلي كل ممثل أن یري ھذه القضایا من زاویة نظر مختلفة , و لذا تختلف الطریقة في عمل الإخراج وتتباين فأحیانا ما تكون جدیدة , و أحیانا أخري تكون مستهحنة أو عفي عليها الزمن , لكن كل شكل أو عادة أو رمز أو تقلید فإنه ینتمي إلي قواعد علیا..ھذه القواعد ھي كلمات الشاعر الدرامي .
وإذا كان جوفیه في كتاباته المسرحیة یؤكد علي حق الكاتب المؤلف الدرامي , و یجعله ھو الأساس في كل مراحل الفن المسرحي ، فإن نبیل الألفي كان كذلك فلا مسرح بدون الدراما و لا مسرح بدون المؤلف الدرامي . بقول : " في العصور القدیمة كان الدرامیون المؤلفون ھم سادة المسارح و مدیروھا وممثلوھا .. شكسبیر ومولییر.. مولییر أخرج و مثّل في دراماته التي كنبها .. و في وقت متأخر انفصلت الوظیفتان المسرحیتان ، المخرج الممثل و الكاتب الدرامي ، لكن العلاقة الفنیة لم تنفصل أبدا . وظلت قائمة حتى وقتنا ھذا "
والمتتبع لأسلوب عمل نبیل الألفي في الإعداد التمهيدي لأیة مسرحیة یقدم علي إخراجها سیجد أنه یبدأ عمله بعد القراءة التأملیة و التحلیلیة للنص الذي بین یدیه بالاتصال بمؤلف النص المسرحي ومناقشات عمل وتفاھمات حول تعدیل ھنا أو تعدیل ھناك , فالأمر كما فهم " كمال عید " عن " جوته " أن الدراما الجیدة بحتل جزءا صغیرا منها مكانه علي الورق المحرر , أما الجزء الأكبر منها فإنه یحتل خشبة المسرح والإضاءة و طاقات الممثلین و انفعالات الشخصیات , و الصوت و الحركة ، بل یمتد ھذا الاحتلال إلي جماھیر الصالة في أحیان كثیرة.. "
الإخراج بين الموهبة والتعليم :
الموهبة ضرورة لا شم في هذا والتعلم ضرورة أيضا من النواج النظرية التأسيسية والمنهجية ؛ لأن لكل فن تاريخ وحرفة ونظرية وأعلام وأسلوب ومنهج للتعليم ومنهج للتعلم أيضا .. فإذا سلمنا بأن التعليم مكانه الدراسة الممنهحة المنتظمة ؛ فإن التعلم محله اكتساب خيرات الرواد واستقراء جديد خبراتهم تعدلا لسلوك المبدع المتعلم وصقلا لجهوده وحثا علي إبداع بصمة ذاته الفنية هلي منتجه المسرحي؛ لذا يترم لنا الأستاذ المعلم بعضا من زاد خبراته الأصيلة في فن المخرج وما يتوجب عليه وعلي الممثل خاصة مراعاته :
• لا یكفي أن یفكر الممثل ، بل علیه أن یشع أفكارا .
• الاستغراق في التأمل بالقلب , و المعدة , و لیس باصطناع العلل علي نحو إبداعي .
• لا یكفي ثقة الممثل بنفسه وحدها.
• لیكن العمل واسعا عریضا , أو بابا مفتوحا علي مصراعیه لیستقبل كل الأفكار
• الممثل واجبه الطاعة بلا سفسطة , و الاستعداد الدائم للاستقبال •
• الممثل یجب أن یكون مستعدا لإعطاء كل نفسه إلي العمل المسرحي و ذلك بتجرید نفسه من أحاسيسها ا لیتعلم أحاسیس مناسبة لما یتعلم للدور
• ضرورة أن ينهي الطالب عمله في المحاضرة بقدر كبیر و لأعلي و أكمل ضمیر لأن التعلیم لصالحه في النهاية
• لا یجب التفكیر في النجاح دوما . فالفشل موجود كذلك في الحیاة , و في المسرح أیضا .
• إن االفهم للدراسة العلمیة یعادل الإحساس تماما و الأھم عند جوفیه ھو تعلم المحاضرة والتدرب علي إنجاز ما تم أولا بأول , إن التدریب ھو الطریق الوحید و الأمثل لتحقیق مستوي ناجح في فن التمثیل المسرحي ..
• كان منهج جوفیه في تعلیم فن التمثیل ھو في ذاته منهج فني یرتكز علي ما یأتي:-
• البدء من الكلمة – التدریب علي أدوات ذات فاعلیه و مستویات انفعالیه – اعتماد الحركة ، علي الإحساس ؛ فالإحساس یقود الحركة و يثريها بعد أن یولّدھا
• – رفض آلیة الأداء الصوتي
• – توظیف كل العناصر في خدمة الكلمة ( تمثیل – إخراج – دیكور – موسیقي)
• أن ینوب الممثل عن الجماھیر ویكون مندوبھم – البحث عن تقنیة خاصة بالدور
لم يختلف منهج الأستاذ المعلم ( نبیل الألفي) في تعلیم فن التمثیل عن ذلك كثیرا .

• المخرج و التدریب النهائي للعرض المسرحي :
یولي المخرج للتدریبات النهائیة لكل عرض مسرحي یخرجه أھمیة كبیرة لضبط الإیقاع العام للأداء التمثیلي مع المجموعات و المناظر و الملابس و الإضاءة ولا یخلو الأمر من المشكلات الفجائیة و ھي متعددة ، یقول نبیل الألفي : " إن الممثل الذي یتخلف مثلا عن تدریب من التدریبات انهائیة للمسرحیة لا یقدّر عادة أھمیة حضوره أو تخلفه ؛ أو لعله لا یدرك في الغالب أنه جزء من كل ؛ و إذا حدث أن أدرك ذلك , فهو قد لا یزن بعین الفهم : أین یقف من ھذا الكل ؟ و إلي أي مدي یؤثر فیه و یتأثر به ... ؟ وھو یفرق بین الممثل الذي یتخلف عن التدریب في نهایاته ؛ فمن الممثلین من یتخلف لارتباطاته بعمل تلفزیوني أو سینمائي أو إذاعي و ھذا أمر یدخل في ضغوط حیاتیة یعاني منها الفنان في مصر ، و " الممثل الذي لا یعي من أمر فنه و مسؤولیة دوره شیئا كبیراً ، مثلا فیھمل حفظ دوره حتى یوم تقدیم المسرحیة"
و-الأستاذ نبيل لا یلوم ذلك الممثل و إنما یتكلم " عن الممثل الذي یقدّر مسؤولیة دوره تقدیرا منعزلا , فیقع ھو أيضا في الخطأ و يتسبب في بعض المشاكل لأنه نظر إلي المسألة دون الإحساس بالكل إلي جانب الجزء... ھذا الممثل الطیب في الغالب ، قد تكون لدیه مصلحة خارجیة یرید أن يحققها.. و المخرج قد یتجاوز عن تخلفه مرة أو مرتین أو أكثر , من أجل تحقیق ھذه المصالح ؛ ما دامت التجربة في مراحلها الأولي , والوقت یسمح بتدارك الأمر دون أن یكون ھناك كبیر ضرر.. ولكنها قد یأخذ الأمر علي ھذا النحو أیضا في المراحل النهائية, فیرجح كفة قضاء مصلحة خارجیة , بسیطة , و یتخلف مرة قبل موعد العرض بخمسة أیام مثلا ... ثم یأتیك في الغد قائلا : " و أیة خطورة في تخلفي ؟ ألیست ھناك أربعة أیام أخري , سنعید خلالها التدریب النهائي – علي نفس ھذا الفصل الذي أشترك فیه – مرة أو مرتین "
ویعلق نبیل الألفي علي موقف ذلك النوع من الممثلین فیقول " وھو في ھذه الحالة , ینسى أن ھناك – إلى جوار دوره ، و الفصل الذي یشترك فیه – سائر الأدوار الأخرى و سائر الفصول . . . ولا یضع في اعتباره أن التدریبات النهائية تتطور من مرحلة إلى مرحلة ، و أن " الأداء التمثیلي " في ھذه الأیام القلیلة الباقیة , تنضم إلیه تدریجیاً باقي عناصر العرض "
یعطي الأستاذ نبیل الألفي أھمیة كبرى للتدریبات النهائیة التي تسبق العرض المسرحي إذ " أن المخرج یضع في برنامجه في ھذه الأیام الأخیرة ، على أساس أن یأخذ الأداء إیقاعه النھائي مع بعضه بعضا من جھة ، ومع عناصرالعرض المتصلة به من جهة أخرى ، ولأن ضبط إیقاع العرض المسرحي , یعدّ الخطوة الأخیرة في عمل المخرج قبل افتتاحه أمام ا الجمهور , فإن " ھذا یتطلب من المخرج عادة أن یبتعد قلیلا إلى الوراء في الصالة براجع المشهد لیضبط ترابط الأداء في مجموع العرض على نحو أكثر شمولاً ما سمح وقته , بل دون أن تسمح طبیعة ھذه المرحلة بأن یعود إلى خشبة المسرح , حیث یضبط مع الممثل مسألة فرعیة تتعلق بمدى قوة انفعاله بهذه العاطفة, أو بمدى سرعة جركته في تنفیذ تصرف معین من تصرفات الشخصیة التي يؤديها ولاشك أن ضبط إیقاع العرض المسرحي یتحقق بمشاھدة المخرج المراجعة للعرض الذي ينتهي من إخراجه مراجعة شاملة , لوضع اللمسات الفرعیة في صقل الأداء التمثیلي , التي قد یفتقر إليها في تصویر الدور المسند إلیه كان مجالها ذلك التدریب الذي تخلف عنه , ولیس مجالها ھذه التدریبات النهائیة في أربعة الأیام الأخیرة , حیث ینبغي أن تتطور لمسات مستویات " الإیقاع العام " , الذي یشمل توافق الأداء التمثیلي مع وسائل العرض الأخرى في وحدة متضافرة . .
ویشیر نبیل الألفي إلى الكثیر من المفاجآت التقنیة و الإداریة التي تعترض تحقیق المخرج لعالم المسرحیة ما بین نظرة المؤلف البعیدة عن الإحساس بزمن التجربة و عالمها المركب , وبعیدة أیضاً عن تقدیر الظروف المادیة و غیر المادیة التي یشتبك بها المخرج في تحقیقه لعالم المسرحیة، و منها تقاعس المشرف على تنفیذ الملابس قبل حلول موعد التدریب النهائي العام , " لقد ربط إنجازه بموعد العرض أمام الجمهور . . و یبدو أنه لم يفهم لماذا ینبغي أن ترتدي الشخصیات و المجموعات ملابسها في التدریب النهائي للمسرحیة . . لم یضع في اعتباره , أن المخرج ینبغي أن یطمئن إلى الترابط و التوافق بین ألوان الملابس والشخصیات و المواقف في حركة العرض , وسط ھذه المناظر بالذات , وتحت ھذه الإضاءة عينها.
وبعد .. هكذا عرضنا لأهمية التصور أو الرؤية في عمل المخرج المسرحي وكيف حرص الرواد المسرحيون لفن الإخراج المسرحي في مصر وعلاي رأسهم المعلم نبل الألفي علي وضع تصور لمشروع إخراج عرض مسرحي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفد ليبي رفيع المستوى برئاسة عبد الحميد دبيبة يقوم بزيارة إل


.. لافروف: الاتحاد الافريقي يجب أن يحل أزمة سد النهضة


.. احتجاجات بمينيابوليس بعد قتل الشرطة لشاب من أصل إفريقي




.. سد النهضة.. مواقف الأطراف الفاعلة


.. الخارجية الأميركية: مفاوضات سد النهضة هي السبيل الوحيد لحل ا