الحوار المتمدن - موبايل


م 1 / ف 4 : الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 826

أحمد صبحى منصور

2021 / 3 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى عن سنة 826 :
المقدمة
1 ـ ( أهلت وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الأشرف برسباي الدقماقي، والأمير الكبير الأتابك بيبغا المظفري، والدوادار الكبير الأمير سودن بن عبد الرحمن، وأمير سلاح الأمير قجق، وأمير مجلس الأمير أقبغا التمرازي، وأمير أخور الأمير قصروه، نوبة النوب الأمير أزبك، والوزير أستادار الأمير أرغون شاه، وكاتب السر علم الدين داود بن عبد الرحمن بن الكويز، وناظر الخاص الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله وقاضي القضاة الشافعي علم الدين صالح بن البلقيني، ونائب الشام الأمير تنبك العلاي ميق، ونائب حلب الأمير تنبك البجاسي، ونائب طرابلس الأمير أينال النورزي ونائب صفد الأمير مقبل الدوادار ونائب، حماة شار قطلوا .) ( وأسعار الغلال رخيصة . والأمراض في الناس فاشية.).
تعليق :
هذه لمحة سريعة عن أكابر المجرمين في هذا العام ، وأهمهم من حيث الظلم الاستادار أرغون الذى خصّصه السلطان لسلب ونهب الفلاحين في الدلتا والصعيد، وكالعادة يحتفظ بجزء منها لنفسه .وكالعادة ـ وطبقا للشريعة السنية العملية ــ يعزله السلطان ويفرض عليه غرامة ، ويولى غيره . وهكذا . والعادة أن العسكر ( المملوكى في العصور الوسطى ، والعسكر الحاكم الآن في مصر ) ـ لا يجيدون سوى الجباية . والتفصيلات عن ارغون في أخبار هذه السنة 826 .
نتابع تفصيلات هذا العام في الفصل الرابع في ثلاثة مقالات. هذا أولها :
1 ـ ( شهر الله الحرام، أوله الأربعاء.
في ثالث عشرينه: قدم الركب الأول من الحجاج وقدم المحمل ببقية الحاج من الغد .
وكانت سنة مشقة إلى الغاية، توالت فيها الأمطار الخارجة عن الحد، زيادة على أربعين يوماً، وأتت سيول مهولة مع غلاء الأسعار بمكة، فأبيع الحمل الدقيق بخمسة وثلاثين ديناراً، وأبيعت ويبة شعير في الأزلم ( أي السيقان ) بخمسين مؤيديا ( أي بالدرهم التي سكّها وضربها السلطان المؤيد شيخ ) ، فيكون الأردب الشعير على ذلك بألفين ومائة درهم من نقد القاهرة، وكثر موت الجمال، ومشت النساء والصغار عدة مراحل، ومات كثير من الناس، واشتد الحر، ثم اشتد البرد، ومع هذا كله كثرة الخوف .) . سوء المناخ ، غلاء أسعار في مكة ، ووباء و خوف وموت في الناس والابل .
2 ـ تنقلات بين أكابر المجرمين :
( وفي ثامن عشرينه: أعيد زين قاسم بن البلقيني إلى نظر الجوالي، عوضاً عن صدر الدين أحمد بن العجمي على مال التزم به . ). أي شراء الوظيفة بدفع رشوة، وكان هذا تشريعا سُنيّا ، يطبقه السلطان والقضاة .
( وفيه أنعم على الأمير جانبك الخازندار بإمرة طبلخاناه من جملة إقطاع الأمير فارس نائب الإسكندرية، كان ) . أي نائب الإسكندرية السابق الذى كان.
( شهر صفر، أوله الخميس:
في ثامن عشره: جمع السلطان الأمراء والقضاة ومباشريه، وأحضر جماعة من التجار، وأنكر حال الفلوس، وذلك أنها كما تقدم غير مرة أنها هي النقد الرائج بأرض مصر، فينسب إليها أثمان المبيعات وقيم الأعمال، ثم لما ضرب الملك المؤيد شيخ الدراهم المؤيدية رسم أن تنسب قيم الأعمال وأثمان المبيعات إليها، فعمل بذلك مدة من أيامه حتى مات، فعادت قيم الأعمال وأثمان المبيعات تنسب إلى الفلوس، كما كانت قبل المؤيدية، وحدث في الفلوس مع ذلك ما لم يكن يعهد منذ ضربت، وهو أنه خلط فيها قطع الحديد وقطع النحاس وقطع الرصاص، من أجل أنها تؤخذ وزناً لا عدداً، وتغافل الحكام عن إنكار ذلك فتمادى الحال على هذا من بعد موت المؤيد، حتى صارت القفة من الفلوس التي وزنها مائة رطل لا يكاد يوجد فيها قدر عشرين رطلاً من الفلوس، وإنها هي- كما قدم- ذكره ما بين نحاس وحديد ورصاص وانفتح للصيارفة ونحوهم من ذلك باب ربح، وهو أنهم صاروا ينقون الفلوس ويبيعونها لمن يحملها إلى الحجاز واليمن وبلاد المغرب، كل قنطار بسبعمائة درهم، فلما بلغ السلطان ذاك أراد أن يضرب فلوساً، فاختلفوا عليه في مقدار وزنها، فأشار بعضهم أن يكون كل ستين فلساً بدرهم أشرفي، وأشار أخرون أن تكون أوزانها مختلفة، فيها ما زنته مثقال، وفيها ما زنته غير ذلك، فجمع الناس كما تقدم ليقوي عزمه على ما يمضيه، فما زالوا به حتى رجع عن تغيير المعاملة بالفلوس التي بأيدي الناس، خوفاً من وقوف أحوال الأسواق، لعنت العامة، فاستقر الرأي على أن نودي بأن يكون سعر الفلوس المنقاة من الحديد والرصاص والنحاس، بسبعه دراهم كل رطل، ويكون سعر هذه القطع بخمسة دراهم الرطل، فامتثل الناس ذلك، وصارت الفلوس صنفين بسعرين مختلفين، ومشى الحال على هذا ) .
التعليق
الفلوس هي العملة الأقل من الدرهم المسكوك من الفضة والدينار المسكوك من الذهب. وكان يتم سكُّ الفلوس من معادن أقل قيمة كالحديد والنحاس والرصاص. وبسبب فقر الأغلبية فقد راج أمرها على حساب الدرهم المؤيدى الفضى الذى سكّه السلطان المؤيد شيخ ، وحدث فيها غشُّ فانهارت قيمتها ، واستفاد من ذلك الصيارفة ، وأراد السلطان برسباى إلغاء التعامل بها ، ثم عدل عن ذلك بتحديد سعرين لها بالنسبة للدرهم المؤيدى . كان الغش في العملات الفضية ( الدرهم ) والذهبية ( الدينار ) و النحاسية ( الفلوس ) أمرا شائعا ، وأحيانا كان يشارك فيه أهل الدولة ، ومن أسف أن الدينار الافرنتى ( الايطالى ) كان مطلوبا في اوقات كثيرة لأن نسبة الذهب فيه كانت أعلى والغش فيه أقلّ. .
( وفيه أبيع الرغيف بنصف درهم فلوساً، بعد ما كان بدرهم لرخاء الأسعار ) تخفيض في سعر الرغيف بعد ضبط سعر الفلوس .
تنقلات بين أكابر المجرمين
( وفي سادس عشرينه: قدم الأمير أينال النوروزي نائب طرابلس باستدعاء، فأكرمه السلطان، وأنزله بدار، ثم طلب الأمير قصروه أمير أخور، وخلع عليه بنيابة طرابلس، عوضاً عن الأمير أينال المذكور، وأنعم على أينال هذا بإقطاع قصروه ).
تعليق
يحرص أكبر أكابر المجرمين ( السلطان ) على ألّا يبقى أحدهم في منصبه طويلا حتى لا يكون خطرا عليه ، ثم إن السلطان مستفيد من بيع المناصب .
انخفاض سعر الحبوب وأسبابه
( في هذا الشهر: اتضع سعر الغلال، حتى أبيع القمح كل خمسة أرادب بدينار، ولهذا أسباب: أحدها النيل في وقت زيادته، حتى شمل الري عامة أراضي مصر. ثانيها غزارة الأمطار في فصل الشتاء وتواليها أياماً فأخصبت الزروع والمراعي. ثالثها رخاء الأسعار ببلاد الشام وأرض الحجاز فاستغنت العربان عن شراء الغلال، وترك التجار حملها الى الحجاز، فتوفرت بديار مصر. رابعها أن الأمير الوزير شمس الدين أرغون شاه أستادار خرج إلى نواحي الغربية والبحيرة وعسف المزارعين والمتدركين، حتى ألجأتهم الضرورة إلى أن يبيعوا غلالهم ويقوموا له. مما ألزموا به من المال، فلذلك كثرت الغلال، فاتضعت ولله الحمد. ومع هذا فقد ساس ( أي تسوس وانتشر فيه السوس ) كثير من الغلال بالوجه البحري، فتسارع خزانها إلى بيعها خوفاً عليها من التلف، ولله عاقبة الأمور .).
التعليق
1 ـ ضمن أسباب إنخفاض أسعار الحبوب أن الاستادار أرغون أنزل ضرائب بفلاحى الغربية والبحيرة ــ في جولة نهب له هناك ــ فإضطرهم الى بيع غلالهم .
2 ـ المقريزى يذكر الضحايا من المزارعين وأصحاب الدرك ( المتدركين ) القائمين بالاشراف على الفلاحين . دون ذكر أسمائهم ، هو مجرد وصف ، أما المجرم في القصة فهو مذكور بالاسم والوظيفة : ( الأمير الوزير شمس الدين أرغون شاه أستادار ).
3 ـ ولا جديد تحت شمس مصر ، فالعسكر الحاكم الآن يقهر ملايين المصريين بالسجون وبالضرائب والتعقيدات البيروقراطية ، ويأتي الحديث عن هذا بعموم الوصف ، أما أفعال وأقوال أكابر المجرمين فهى تتصدر العناوين في الإعلام مهما بلغت تفاهتها .
شهر ربيع الأول، أوله السبت:
1 ـ ( وفي ثانيه: قدم الأمير الوزير أرغون شاه من الوجه البحري، بما جمعه من الأموال التي جباها.) جاء الاستادار الى السلطان برسباى بالمال السُّحت الذى سلبه من الفلاحين .
2 ـ ( وفي ليلة الجمعة سابعه: عمل المولد السلطاني على العادة، في كل سنة وحضر الأمراء وقضاة القضاة الأربع ومشايخ العلم وجمع كبير من القراء والمنشدين، فاستدعى قاضي القضاة ولي الدين أحمد بن العراقي ليحضر، فامتنع من الحضور، فتكرر استدعاؤه حتى جاء فأجلس عن يسار السلطان حيث كان قاضي القضاة زين الدين التفهني جالساً، وقام التفهني فجلس عن يمين السلطان، فيما يلي قاضي القضاة علم الدين صالح ابن البلقيني . )
التعليق
كان ـ ولا يزال ــ من شعائر الدين السُّنى الاحتفال بالمولد النبوى ، وكان له ترتيب في العصر المملوكى ، إذ يتم عمله بالقلعة مقر السلطان ، ويحضره أكابر المجرمين؛ السلطان والأمراء والقضاة الأربعة وشيوخ الدين السُنّى ، والمنشدون ، ولكل منهم موقع للجلوس . وحدث تغيير إستدعى أن يسجله المقريزى هنا على أنه من أهم الأحداث ، وذكر أسماء ولى الدين العراقى والتفهنى والبلقينى من كبار المجرمين ، هذا مع أن ملايين المظلومين لا ذكر لهم ، ولا يشار اليهم إلا عند وقوع المصائب بهم .
.3 ــ ( وفي هذه الأيام وُجدت ورقة بالقصر، فيها شناعات علي علم الدين بن الكويز كاتب السر، منها أنه يريد إقامة ابن الملك المؤيد شيخ في السلطنة، فعُرف من ألقاها، فدلّ على الذي كتبها، وهو رجل من الفقراء ( أي الصوفية ) يقال له حسن العليمي، يخدم قبر الشيخ علي بن عليم بالساحل، فاعترف أنه كتبها نصيحة للسلطان، فبعث به السلطان إلى ابن الكويز، فثبت على قوله وفاجأه بما لا يحب، فنفاه إلى بلاد الصعيد . ) .
التعليق
إنتشرت القبور المقدسة ، وبعضها تناساه الناس مثل صاحب القبر المُشار اليه في الخبر : ( قبر الشيخ علي بن عليم بالساحل) . وخادم هذا القبر المقدس شارك في فنون التآمر السائدة وقتها .
4 ـ ( وفي خامس عشره: سار الأمير أرغون شاه إلى بلاد الصعيد ليجبي أهلها، كما جبى الوجه البحري ) كما سلب فلاحى الدلتا جاء الدور على الصعيد . منهى الإخلاص في تطبيق الشريعة السنية التي يقوم عليها فقهاء وقُضاة الشرع الشريف ، ومنهم ابن حجر العسقلانى في هذا الوقت.
5 ـ ( وفي يوم الثلاثاء خامس عشرينه: ثارت ريح مريسية طول النهار، فلما كان قبل الغروب بنحو ساعة، ظهر في السماء صفرة من قبل مغرب الشمس، كست الجدران والأرض بالصفرة، ثم أظلم الجو حتى صار النهار مثل وقت العتمة، فكنت أمد يدي فلا أراها لشدة الظلام، فما بقي أحد بمصر إلا واشتد فزعه، فلما كان بعد ساعة وقت الغروب أخذ الظلام ينجلي قليلاً قليلاً، وعقبه ريح عاصف كادت المباني تتساقط وتمادي طول ليلة الأربعاء، فرأى الناس أمراً مهولاً من شدة هبوب رياح عاصفة، وظلمة في النهار والليل لم يعهد مثلها، بحيث كان جماعة في هذه الليلة مسافرين وسائرين خارج القاهرة فتاهوا من شدة الظلام طول ليلتهم حتى طلع الفجر، وعمت هذه الظلمة أرض مصر حتى وصلت دمياط والإسكندرية وجميع الوجه البحري وبعض بلاد الصعيد، ورأى بعض من يظن به الخير في منامه كان قائلاً يقول ما معناه: لو لا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مصر لأهلكت هذه الريح الناس، لكنه شفع فيهم، فحصل اللطف ).
التعليق :
مناخ من العواصف وظلمات بعضها فوق بعض شهدها المقريزى بنفسه : ( فكنت أمد يدي فلا أراها لشدة الظلام )، وكالعادة إنتهت وانقشعت ، ولكن الثقافة السُّنّية تسند إنهاءها الى شفاعة النبى ، التي يؤمن بها أكابر المجرمين وصغارهم والمستضعفون أيضا. وبهذه الشفاعة المزعومة يرتكبون الجرائم وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا .
6 ـ ( وفي هذا الشهر: كثر الوباء بدمشق ) . كان الوباء يتنقّل في أمن وأمان ، وهو في طريقه غربا نحو ( الكرك / الأردن ) ثم مصر ).
7 ـ ( وفيه أضيفت ولاية مصر وحسبتها إلى الأمير تاج الدين الشويكي وإلى القاهرة ). والى القاهرة أي مدير الأمن . وتاج الدين الشوبكى اصبح مدير الأمن والمحتسب أيضا . المحتسب يراقب الأسواق والأسعار، وهو الذى يقبض على من يراهم متهمين وهو الذى يقرر العقوبة وهو الذى ينفذها . صاحبنا كان أيضا مدير الأمن .
8 ـ ( وفيه رسم بمصادرة نجم الدين عمر بن حجي قاضي القضاة الشافعي بدمشق، وشهاب الدين أحمد بن محمود بن الكشك قاضي القضاة الحنفي بها، وعدة من تجارها، فصودروا . ) . قاضى القضاة الشافعى وقاضى القضاة الحنفى في دمشق صودرت أموالهما مع بعض التجار الدمشقيين . واضح وجود صلة فساد بين القضاة والتجار ، لا يخبرنا بها المقريزى . المفهوم أن السلطان لا يولّى إلا من كان فاسدا يستطيع دفع ثمن المنصب ، ثم يسترد أضعاف ما دفع في الوصول اليه. فإذا تطرف في السرقة صادر السلطان أمواله ، وربما عزله . لم يرد هنا أن السلطان عزلهما .
9 ـ ( وفيه رسم بإيقاع الحوطة على خيول أهل الوجه البحري من الغربية والبحيرة ونحوها فأخذت ) . أي مصادرة خيول الأعراب في تلك المناطق التي تقع على حواف الدلتا . كان هناك صراع بين المماليك والأعراب ، وكلاهما له قوى عسكرية تتسلط على الفلاحين . وكانت الغلبة للمماليك ، الأكثر قوة وتنظيما . لم تكن هناك مصادرة لخيول الفلاحين لأنه لم تكن هناك خيول للفلاحين .
10 ـ ( وفيه قدم إلى المدينة النبوية جراد عظيم أتلف عامة زروعها وأشجارها، حتى أكل الأسابيط من فوق النخل فأمحلت ، ونزح كثير من أهلها، فمات معظم الفقراء النازحين جوعاً وعطشاً، ولا قوة إلا بالله.)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أغناهم الله .. و رسوله !! / التوبة 70 - 78/ قناة الانسان / ح


.. إسرائيل.. تصاعد التوتر بين عرب 48 واليهود


.. دعوات للسلام يطلقها عرب ويهود في مدينة الجش داخل إسرائيل




.. الشريعة والحياة - بناء الشخصية المسلمة في ضوء القرآن والسنّة


.. ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق