الحوار المتمدن - موبايل


م 3 / ف 4 : الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 826

أحمد صبحى منصور

2021 / 3 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى عن سنة 826 :
شهر رمضان، أوله الأحد:
1 ـ ( في ثانيه- الموافق له سادس مسرى-: كان وفاء النيل ستة عشر ذراعاً، فنزل الأمير ناصر الدين محمد ابن السلطان، حتى خلق عمود المقياس، وفتح الخليج على العادة. ). السلطان يبدأ ب ( تلميع ) إبنه ناصر الدين ( السُّنّى ) ليجهزه لولاية العرش . توريث السلطة في النظم العسكرية كانت عادة سيئة في العسكر المملوكى ، ثم ظهرت في ( جمهوريات ) العسكر المصرية.
2 ـ ( وفيه قبض على الأمير سودن الأشقر أحد مقدمي الألوف، ونفي بطالاً إلى القدس. ثم أنعم عليه بإمرة في دمشق، فتوجه إليها . ). إعتقال ثم نفى ثم تولية ..
4 ـ ( وفيه خرج عدة من الأمراء إلى الإسكندرية ودمياط ورشيد، وقد ورد الخبر بحركة الفرنج، فتكامل توجههم في سابعه . ) جاءت أخبار بغارة بحرية فاستعد لها السلطان .
5 ـ ( وفي ثامن عشرينه: جمع السلطان التجار والصيارف بسبب الفلوس، فإنها من حين نودي عليها في صفر أن تكون المضروبة بسبعة دراهم الرطل، والقطع بخمسة الرطل، قلت حتى لم تكد توجد. وسبب ذلك أن التجار كثرت تجارتهم فيها، وشدوا أحمالاً كثيرة من الفلوس المنقاة، وقد بلغ القنطار منها ثمانمائة درهم، وبعثوا منها إلى الحجاز واليمن والهند وبلاد المغرب بشيء لا يدخل تحت حصر، لما لهم فيها من الفوائد. وضرب آخرون منها الأواني النحاس كالقدور ونحوها، وباعوها بثلاثين درهماً الرطل. وتصدى جماعة لقطع الحديد والنحاس والرصاص والقصدير، فأفرزوا كل صنف على حدة، واستعملوه فيما يصلح له، فربحوا فيها كثيراً. ومع ذلك فمن عنده شيء منها شح بإخراجه في المعاملة. وتصدت جماعة لجمعها، فعزت حتى لم يقدر عليها. وتوقفت أحوال الناس في معايشهم، لفقدها. فلما اجتمع الناس عند السلطان، استقر الرأي على أن تكون الفلوس المنقاة بتسعة دراهم الرطل، وأن لا يتعامل أحد بشيء من القطع النحاس والحديد والرصاص والقصدير، ونودي بذلك، وهدد من خالف وسافر بشيء منها إلى البلاد . ).
مشكلة ( الفلوس ) تعود . قيمة الفلوس الشرائية أقل من قيمة المعادن الموجودة في كل ( فلس ) ، لذا كان يُعاد صهرها وفصلها ( حديدا ونحاسا ورصاصا وقصديرا ) . بالتالى قلّ وجودها في السوق فتوقفت أحوال المعاش ، فتدخل برسباى بقرارات جديدة في تسعيرها .
شهر شوال، أوله الثلاثاء:
1 ـ ( في سادسه: ابتدأ الهدم في الحوانيت والرباع التي علوها فيما بين الصنادقيين ورأس الخراطين، لتبنى وكالة وربعا، تجاه العمارة الأشرفية . )
2 ـ ( وفي سابعه: قدم قاضي القضاة الحنفية بدمشق، شهاب الدين أحمد بن محمود بن الكشك، باستدعاء . ). صودر قاضى القضاة هذا في شهر ربيع هذا العام ، واستدعوه هذا الشهر ( شوال ) . واضح إنه عريق في الاجرام .
3 ـ ( وفي يوم الخميس عاشره: خلع على جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي، واستقر كاتب السر بعد موت علم الدين داود بن الكويز، فأذكرتني ولايته بعد ابن الكويز قول أبي القاسم خلف بن فرج الألبيري- المعروف بالسميسر- وقد هلك وزير يهودي لباديس بن حبوس الحميدي أمير غرناطة من بلاد الأندلس، فاستوزر بعد اليهودي وزيراً نصرانيا :

كل يوم إلى ورا ** بدل البول بالخرا
فزمانا تهودا ** وزماناً تنصرا
وسيصبو إلى المجوس إذا الشيخ عمّرا
وقد كان أبو الجمال هذا من نصارى الكرك، وتظاهر بالإسلام في واقعة كانت للنصارى، هو وأبو العلم داود بن الكويز، وخدم كاتباً عند قاضي الكرك عماد الدين أحمد المقيري. فلما قدم إلى القاهرة. وصل في خدمته وأقام ببابه، حتى مات وهو بائس فقير، لم يزل دنس الثياب، مقتم الشكل، وابنه هذا معه في مثل حاله. ثم خدم عند التاجر برهان الدين إبراهيم المحلى كاتباً لدخله وخرجه، فحسنت حاله، وركب الحمار. ثم سار بعد المحلى إلى بلاد الشام، وخدم بالكتابة هناك، حتى كانت أيام الملك المؤيد شيخ، ولاه ابن الكويز نظر الجيش بطرابلس، فكثر ماله بها. ثم قدم في أخر أيام ابن الكويز إلى القاهرة، فلما مات وعد بمال كثير حتى ولى كتابة السر، فكانت ولايته أقبح حادثة رأيناها . ).
تعليق :
الطموحون من الكتبة من أهل الكتاب كانوا يعلنون (إسلامهم ) في مجتمع ينضح بالتعصب الدينى ضد أهل الكتاب . ومؤرخ مثل المقريزى ــ واسع الأُفُق ـ لم ينجُ من هذا التعصب . جمال الدين الكركى كان نصرانيا فاسلم في واقعة تعصب ضد نصارى الكرك ( الأردن الآن )، وأسلم معه ابن الكويز . وصل ابن الكويز الى منصب ( كاتب السّر ) أي سكرتير السلطان . بينما تقلّب الكركى في خدمة هذا وذاك حتى ولاه رفيقه ابن الكويز منصب ناظر الجيش في طرابلس في سلطنة المؤيد شيخ ، فتكاثرت أموال الكركى ، ثم جاء الى القاهرة في أواخر أيام ابن الكويز ، ولما مات رفيقه ابن الكويز إشترى منصبه ، وأصبح ( كاتب السّر ) لبرسباى بعد ابن الكويز . والمقريزى ناقم على هذا ، وعبّر عن رأيه بقوله ( فكانت ولايته أقبح حادثة رأيناها ). هذا ليس لانعدام كفاءة الكركى أو إنعدام أمانته ، فحيث تُباع المناصب بالرشوة فلا عبرة إلا بالثمن . والمقريزى يعرف هذا جيدا . سخط المقريزى نابع من تعصبه ضد أهل الكتاب ، ولهذا إستشهد بشعر رائع ، و ( كريه الرائحة .).
4 ـ ( وفي رابع عشره: قدم الأمير أسندمر نائب الإسكندرية باستدعاء، فقبض عليه، ونفي إلى دمياط بطالاً. واستقر الأمير أقبغا التمرازي أمير مجلس عوضه في نيابة الإسكندرية . ). تقلبات في أحوال أكابر المجرمين من المماليك ، إعتقال ونفى ، وحلول هذا محلّ ذاك .
5 ـ ( وفي سادس عشره- الموافق له رابع عشرين توت-: انتهت زيادة النيل إلى تسعة عشر ذراعاً، تنقص إصبعاً واحداً، وابتدأ نقصه من الغد . ). أخبار النيل زيادة ونقصانا من أهم الأنباء .
6 ـ ( وفي تاسع عشره: خرج محمل الحاج صحبة الطواشي افتخار الدين مثقال مقدم المماليك، ورحل من بركة الحاج في ثالث عشرينه، وقد تقدمه الركب الأول صحبة الأمير أينال الششماني أحد أمراء العشرات. ). أيضا أخبار محمل الحج . ( الطواشى ) لقب للخصيان .
7 ـ ( وفي رابع عشرينه: خلع علي نقيب الأشراف، السيد الشريف بدر الدين حسن بن الشريف النقيب علي، وأضيف إليه نظر وقف الأشراف، عوضاً عن شرف الدين محمد ابن عبد الوهاب بن نصر الله. وكان قد باشر وقف الأشراف بعفة ونهضة، وأنفق للأشراف في كل سنة أزيد مما كانت عادتهم . ). ليس في الإسلام تقسيم الناس الى أشراف وغير أشراف ، لأن أكرم الناس عند الله جل وعلا هو أتقاهم ، وهو جل وعلا الأعلم بمن إتقى ، وسيكون ذلك معلوما يوم القيامة حيث سيدخل المتقون الجنة . في أديان المحمديين الأرضية يوجد من يزعم الانتساب الى النبى محمد ، ويكون ( شريفا ). ولهم مكانة عليا خصوصا في الدين الشيعي . وإنتشر إنتحال هذا النسب ، وتأسّست عليه دول وطموحات سياسية وانتشرت على جوانب هذا وذاك أنهار من الدماء. وغير ذلك جرى إنتحال هذا النسب للحصول على مكانة إجتماعية ومالية ، وظهرت نقابات الأشراف في العصور الوسطى ، وكان لنقبائها بيع النسب بالرشوة ، ( شجرة النسب ) متاحة بالثمن . هذه هي الخلفية لفهم هذا الخبر .
8 ـ ( وفي سادس عشرينه: نزل السلطان إلى عمارته . ). كان السلطان ( الأشرف ) برسباى يبنى جامعه الذى عُرف بلقبه ( الأشرفى ) ونزل يتفقد بناءه ، ولهث خلفه المقريزى يسجل هذا ، أما المستضعفون العاملون في البناء فلا ذكر لهم ولا أهمية لهم ، مع أنهم ـ بالتأكيد ــ بشر شأن السلطان .!
9 ـ ( وفيه خلع على صدر الدين أحمد بن العجمي، واستقر في نظر الكسوة، عوضاً عن شرف الدين المذكور، وفي نظر الجوالي عوضاً عن قاسم بن البلقيني وخلع على الأمير زين الدين عبد القادر ابن الأمير فخر الدين بن أبي الفرج، واستقر كاشف الشرقية. وكان الكشف بيد الأمير أرغون شاه أستادار . ). في تنقلات للمناصب بين أكابر المجرمين أصبح زين الدين ابن أبى الفرج كاشفا ( أي مديرا أو محافظا ) للشرقية ، وعُزل عن هذا المنصب الأمير أرغون شاه الاستادار . وهذه بداية محنة ( أرغون شاه الاستادار ).
10 ـ ( وفي سابع عشرينه: قبض على أرغون شاه المذكور لعجزه- مع ظلمه وعسفه- عن جامكية المماليك، فإن مصروف الديوان المفرد عظم، وصارت البلاد المفردة له- مع مظالم العباد- لا تفي به . ).
تعليق :
أدّى هذا الاستادار مهمته في سلب الناس ونهبهم لصالح السلطان ؛ أكبر أكابر المجرمين . وحاقت به اللعنات بدلا من السلطان ، هي ( ثقافة العبيد ) التي ترى أن المستبد ( رجل طيب ) وأن العيب في حاشيته وليس فيه . ما سلبه أرغون لم يكف نفقات البلاط السلطانى ، ولأن عين السلطان على أموال هذا الاستادار وأيضا على أموال من يطمح الى منصبه فقد إعتقل السلطان هذا الاستادار ، وبدأت محنته ، وكما قال الشاعر
ما طار طائر وارتفع إلّا كما طار وقع
وهو قول يصدق على دول الاستبداد والفساد . وانظر حولك في كوكب المحمديين .
11 ـ ( وفي ثامن عشرينه: خلع على ناصر الدين محمد بن شمس الدين محمد بن موسى المرداوي، المعروف بابن أبي والي، واستقر أستادارا، عوضاً عن أرغون شاه. وعوقب أرغون شاه بين يدي السلطان. ومن خبر ابن أبي والي هذا أن أباه من تجار القدس، وتزيا هو بزي الأجناد، وخدم أستادار الأمير جقمق الدوادار في أيام المؤيد بديار مصر مدة، ثم صادره وصرفه، فخدم أستادار نائب الشام مدة. وكثر ماله، فأحضر من دمشق إلى القاهرة في هذا الشهر، وألزم بحمل عشرين ألف دينار، فوعد أن يحمل في هذا اليوم ثلاثة آلاف دينار. فلما قبض على أرغون شاه، سولت له نفسه وزين له شيطانه أن يكون أستادارا، ويسد المبلغ الذي ألزم به منها، فاستقر . ).
تعليق :
تولى إبن أبى والى المرداوى الاستادارية محل أرغون شاه . وأمر السلطان بتعذيب أرغون أمامه ليستخلص منه الأموال ، وهذا من المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة . ولا يزال سائدا في كوكب المحمديين . إلا إن العجيب هو تقلب أكابر المجرمين من الجناح المدنى بين التولية والعزل والضرب والتعذيب ، والمصادرة ، وربما يعود أحدهم بعد العزل والتعذيب والمصادرة الى شراء وظيفة وتتكرر معه القصة ، فهى دائرة جهنمية تعلو بهم وتهبط . الاستادار الجديد ( إبن أبى والى المرداوى ) ذاق هذا ، وتحمل، ووصل بماله الى تولى الاستادارية ، ثم سيلقى نفس المصير .
12 ـ ( وفيه خلع أيضاً على كريم الدين عبد الكريم ابن الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرزاق ابن كاتب المناخ، واستقر في الوزارة، عوضاً عن أرغون شاه. ). تولى إبن كاتب المناخ الاستادارية ، بعد أن تولى كاشفا للشرقية .
13 ـ ( وفي تاسع عشرينه: سلم أرغون شاه إلى الأمير ناصر الدين محمد بن أبي والي أستادار ليستخلص منه ستين ألف دينار، فنزل من القلعة مع أعوان الوالي حتى دخل داره التي كان يسكنها أرغون شاه وقد سكنها ابن أبي والي، فعندما دخلها بكى، وكان في بلائه هذا أعظم عبرة. وذلك أن ابن والي في ابتداء حاله كان من جملة أجناد أرغون شاه الذين يخدمونه أيام عمله وهو أستادار نوروز الحافظي، فدارت الدوائر حتى صار ابن أبي والي أستادار عوضاً عن أرغون شاه، وسكن في داره بالقاهرة التي كان بالأمس يتردد إليه فيها. ويجلس حتى يستأذن له عليه. ثم أخذ ليعلقه في هذه الدار، يحضره من كان يخدمه بها. أعاذنا الله تعالى من سوء العاقبة وزوال نعمه، ورزقنا العافية بمنه وكرمه .).
تعليق :
هنا دراما أغرب من الخيال . الاستادار الجديد ( إبن أبى والى ) كان في السابق خادما للاستادار السابق أرغون شاه . ثم تولى محلّه ، وسكن قصره . وجىء بالاستادار المعزول من القلعة الى قصره الذى كان ، وحيث يقيم فيه الاستادار الجديد ، كى يقوم الاستادار الجديد بتعذيب الاستادار القديم ليستخلص منه الأموال المخبأة . دخل أرغون شاه الى قصره مكبلا بالأغلال فتذكر أيام جبروته وعزّه فبكى . وفى هذه الدار تم تعليقه وتعذيبه ، حيث يراه خدم القصر. ويرى المقريزى في هذا عبرة ..ولكن من يعتبر ؟ لم يعتبروا في الماضى ، ولا يعتبرون في الحاضر ، ولن يعتبروا في المستقبل ، هذا مع أنهم يقرأون في القرآن الكريم : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) النساء ).
14 ـ ( وفيه خلع على الأمير إينال النوروزي الذي كان نائباً بطرابلس، واستقر أمير مجلس، عوضاً عن أقبغا التمرازي نائب الإسكندرية . )








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أغناهم الله .. و رسوله !! / التوبة 70 - 78/ قناة الانسان / ح


.. إسرائيل.. تصاعد التوتر بين عرب 48 واليهود


.. دعوات للسلام يطلقها عرب ويهود في مدينة الجش داخل إسرائيل




.. الشريعة والحياة - بناء الشخصية المسلمة في ضوء القرآن والسنّة


.. ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق