الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هزال المنظومة القيادية الراهنة في العالم الغربي : بين قوة الاقتصاد و ضعف السياسة والثقافة

محمد عبد الشفيع عيسى

2021 / 3 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


هى "الأزمة العميقة" تطلّ برأسها حول العالم كله، و قبل ذلك حول الغرب الرأسمالي المعاصر، في أمريكا وأوروبا، بل وكذلك اليابان . وهذه الأزمة تتجلى فى تناقض ظاهر بين الوجه الاقتصادى من ناحية ، والوجه السياسى والثقافى من ناحية أخرى. اقتصادياً يبدو أن الغرب يواصل تقدمه المادى، من الجانب التكنولوجى، دون عوائق جوهرية ، بل يواصله بشكل مضطرد ولوتيرة مرتفعة نسبياً ، وهو ما يبدو فيما يسمى "بالثورة الصناعية الرابعة وتكنولوجياتها العالية" فى أحدث أطوارها، ممثلة فى خمس تكنولوجيات غدت معروفة : "إنترنت الأشياء" ، و "الروبوتيات" ، و "تحليلات البيانات الكبيرة" ، و "الحوسبة السحابية" ، و "الطباعة ثلاثية الأبعاد". وهذا التقدم التكنولوجي يصحبه نهج اقتصادي محسوباً بالزيادة الدورية فى الناتج المحلى الإجمالى (لولا كورونا ...!) ولكن مع زيادة فى حدّة التفاوت فى توزيع الدخل والثروة على المستويين المحلّي والعالمى، ليس فقط بين عنصريْ رأس المال والعمل الأجير، ولكن داخل العمل نفسه، بين الأعلى مهارة والأقل، من حيث الدراية المعرفية والتطبيقية بالتكنولوجيات الجديدة .
هذا كله في الجانب الاقتصادي ، الذى يبدو وكأنه يسير دون هوادة ، ولكن على غير هدى، حيث لا تنفكّ "الشركات" ، تلك العملاقة عابرة الجنسيات، تغذّ السير مليّا، حيث تراكم الثروات من باطن التملك الاحتكارى للتكنولوجيا ، ويتم ذلك من خلال الاستئثار بالنصيب النسبي الأكبر من الإنفاق على عمليات "البحث والتطوير" وعلى منظومات الابتكار، ومن ثم على أنظمة التجارة والتسويق ، بدءً من "التواصل" أو "اللاتواصل" الاجتماعى ..! وانتهاء بالتكنولوجيا الحيوية فى مجالات الطب والصيدلة : دواءً ولقاحاً .
و لكنّ "الشركة" فيما يبدو أصبحت الفاعل المجتمعى الأكثر أهمية فى الغرب، مقارنة بالمجتمع المدنى – الأهلى ، بل وبالسلطة السياسية نفسها .. وبالتالى أصبح "قانون الربح" هو المهيمن دون شريك ، حتى فى الثقافة ، بحيث اختفى أو كاد أن يختفى الإبداع الفكرىّ الرفيع وخاصة فى حقول "الإنسانيات" بما فى ذلك بصفة خاصة : الفلسفة وعلم الاجتماع، بل و علم الاقتصاد أيضا، الذى أخذ فى التحول المتسارع إلى مجرد علم "أدائى" تسيطر عليه استخدامات الأساليب الكمية، وينزوى إلى حد بعيد كعلم للاقتصاد السياسى والاجتماعى بالذات.

وهنا مكمن التناقض الذى أشرنا إليه، حيث تقدم اقتصادي بحت ، مادى وتكنولوجي ، يسير على ساق ، مع سياسة وثقافة بنصف ساق، أو لعلها فى بعض الأحيان والأماكن ، دون ذلك .
و من بين الجوانب المتعددة التى يثيرها التناقض المشار إليه، ما يمكن أن نطلق عليه ضعف منظومة القيادة السياسية، ونقصد به انتقاء ذلك النوع من القيادات العليا ذات البصيرة الإدراكية العالية ، مع الإرادة القوية، و "الإدارة الحسنة" للناس وللأشياء فى وقت واحد. إذْ يبدو لنا أن المجتمعات الغربية فى أمريكا وأوروبا شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً ، ومعها اليابان ، لم تعد لديها تلك القيادات، كأفراد ومجموعات منظمة، التي كانت لها من قبل كما بدا عليه الأمر بصفة خاصة خلال القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين أيضا حتى سبعيناته بالذات .
و الملاحظ أن انكفاء التكوين القيادي ارتبط، فيما يبدو، بانكفاء مناظر فى الجانب الفكري والثقافي، وفى مجال الحياة السياسية على وجه العموم. من ناحية التكوين القيادى، لا نجد أحداً من الطراز الذى أسس في القرن التاسع عشر للوحدة الألمانية (من نوعية بسمارك) و الوحدة الإيطالية (من طراز "ماتزينى") ومن قبلهما "ميترنخ" النمساوى صاحب الدور المشهود فى "مؤتمر فيينا" عام 1815. ولا نجد أحداً يناظر ما برز في القرن العشرين، أعقاب الحرب العالمية الأولى، مثل الرئيس الأمريكي "وودرو ويلسون" مع دوره المحوري فى مؤتمر الصلح بباريس 1919، و لا فرانكلين روزفلت أثناء معالجة الكساد العالمى الكبير فى ثلاثينيات القرن ، وونستون تشرشل فى بريطانيا أواخر الحرب العالمية الثانية. ولا ننسى قيادات سياسية أخرى فى أمريكا من طراز "أيزنهاور" الذى قاد بلاده لدورتين رئاستين بين 1953 و 1961 ثم "جون كينيدي" (بين 20 يناير 1961 و 22 نوفمبر 1963 ) برغم اغتياله الفاجع في التاريخ الأخير؛ و ريتشارد ونيكسون ( بين 20 يناير 1969 و9 أغسطس 1974 ) برغم اضطراره للاستقالة في التاريخ الأخير. وفى فرنسا الجنرال ديجول ( الرئيس بين 1958 و 1969 ) بل وفرانسوا ميتران (بين 1981 و 1995) ، وربما وزير الخارجية الأمريكى "الثعلب" كيسنجر (مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بين 1969 و 1975 ثم وزير الخارجية بين 1973 و 1977 ) .
إنما بدأ تزعزع الكيان القيادى مع مطلع الثمانينات ، إبان بروز قيادات – سياسية من التيار المحافظ من طراز تاتشر رئيسة الوزراء فى بريطانيا ( بين 1979 و1990 )، و رونالد ريجان فى أمريكا (رئيسا بين 1981 و 1989 ) حيث كانت الأولى قد حملتها موجة اليمين الداعى إلى تفكيك الدور الاجتماعى للدولة ، وكذلك ريجان الذى صعدت به الموجة دون تأهيل مسبق كاف . ولن نتحدث عن قادة يمتلكون المؤهلات القيادية، ولكن تم توظيفها، مثلها مثل غيرها مما سبق ذكرهم، في السياق المعادي لحركة التحرر الوطني العالمية (مثل بوش "الأب" الرئيس الأمريكي بين 1989 و1993) ومن قبله الجنرال فرانكو (ديكتاتور إسبانيا بين 1939و1975 ). أما الانهيار القيادى فقد ظهر بصورة جلية لدى "بوش الابن" ( الرئيس الأمريكي بين 2001 و 2009 ) و تلاه بارك أوباما الذى قضى فترتىْ ولايته دون (إزعاج) بين 2009 و 2016 و لكن دون بصمة قيادية بارزة ، برغم بعض ما قام به فى الداخل وخاصة نظام الرعاية الصحية المنتسب إليه إسماً (أوباماكير). ومن بعد أوباما جاء دونالد ترامب الذى اعتبره فريق واسع من المحللين علامة على تيار سياسى جديد فى عالم الغرب أطلقوا عليه مسمّى (الشعبوية) التى أصابت عدواها دولاً عديدة كالبرازيل (الرئيس الحالي بو لسنارو) ..الخ .
ويمكن القول إن (الشعبوية) المذكورة في التحليل الأخير، عموما، هي في الأغلب الأعمّ نزعة يمينيّة ذات طابع عنصري أكثر عدوانية فى الداخل والخارج (كما فى حالة ترامب) و أشد "ديماغوجية" (حالة الرئيس البرازيلي بوسونارو) والموغل فى التحيز الطبقى والفكرى الضيق (حالة راببيندرا مودي) رئيس الوزراء الحالي في الهند .
ويلفت النظر أن ضعف البنيان القيادى فى الدول الغربية القائدة وتوابعها (كما فى البرازيل والهند) يرتبط بما يمكن أن نسميه (االخواء) الفكرى ، وكذلك "الفراغ السياسى". فقد اضمحلت التيارات الفكرية الدافعة للتطور الارتقائى اضمحلالاً شديداً منذ أواسط السبعينات من القرن المنصرم، بانزواء الدعوات الاجتماعية التجديدية فى حقل التنمية والاقتصاد، والتى قادها رجال ونساء عديدون فى أوربا بالذات (من التيار اليساري والتيار "الكينزي" الداعي إلى تدخل الدولة بسياسات الرفاه)، مثل ويلى برانت فى ألمانيا ، وترودو (الأب) من كندا؛ و من بلدان (العالم الثالث): مثل جوليوس نيريري (تنزانيا) و آخرين رجالا ونساءّ ورثة زعامات حركة التحرر الوطنى والاجتماعى فى الخمسينات والستينات، من طراز جمال عبد الناصر فى (الوطن العربى)، و جواهر لال نهرو فى (الهند) ، وكوامى نكروما من (غانا) ، وأحمد سيكوتورى فى (غينيا)، و أحمد سوكارنو فى إندونيسيا ، وكذلك فيديل كاسترو و أرنستو تشي جيفارا (كوبا -شيلي). دون أن نغفل فضل شواين لاي (مع ماوتسي تونج) فى الصين. و لا ننسى جوزيف بروز تيتو من يوغوسلافيا.
إلى جوار حركة التحرر الوطنى وزعاماتها الكبيرة تلك، كانت هناك الحركة الاشتراكية الواسعة فى كل من الاتحاد السوفيتى (و الصين) فى الخمسينات من القرن العشرين وحتى الستينات، والأحزاب ذات النزعات الاشتراكية المتفاوتة فى سائر العالم، بل والأحزاب الشيوعية الأوروبية وخاصة فى إيطاليا (ومن قبلها فى يوغوسلافيا التى أكدت استقلالها عن الاتحاد السوفيتى وحزبه الشيوعى والأحزاب (الشقيقة) .

أما شمال أوروبا الإسكندنافىّ فقد كان يضجّ حتى الثمانينات بالفكر الاجتماعى المستنير الداعى إلى "تنمية أخرى" أو "تنمية مستقلة" وحفز "شركاء التنمية" ، وغير ذلك مما حفلت به المنتديات ومراكز البحث والتفكير ذات النزعة الاستقلالية القوية .
هذه الحيوية القيادية والفكرية تزامنت مع حيوية لدى جيل الشباب آئنذ فى أوروبا خصوصاً ، وفرنسا بصفة أخص (ما يسمى ثورة الشباب عام 1968) ؛ أما على الصعيد الفكرى فقد ازدهرت المذاهب الفلسفية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، من خلال المناظرة بين الوجودية والماركسية ، وبين الماركسية التقليدية والماركية المجدّدة لدى مفكرين من طراز جرامشى فى إيطاليا ، هذى لوفيفر فى فرنسا وروجيه (رجاء) جاردرى ، وجورج لوكاش و تشيكوسلوفاكيا.
وفى ستينات وسبعينات القرن المنصرم تعالت موجة الفكر الاقتصادى التجديدى من دعاة نقد "التبادل غير المتكافىء" على الصعيد العالمى ، ومناهضة التبعية ، من أمثال سمير أمين و والرشتاين ، وأليجاندرو نادال ، وأندريه جوندر فرانك ، ودوس سانتوس ، و لولا دا سيلفا و آخرين.
هذا الازدهار الفكرى خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينات ومطلع الثمانينات، أعقبه (الخواء) الذى أشرنا إليه . ومع الخواء الفكرى وجدنا (الفراغ السياسى) المتمثل فى انزواء ظاهرة (الأحزاب السياسية) التى ميزت الحياة السياسية فى الدول الغربية جميعاً ، والأوروبية خصوصاً ، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، من ألوان الطيف فى اليمين والوسط واليسار، لتحل محلها ما يسمى "جماعات المصالح" Interest groups و قوى الضغط ، التى تحركها جماعات اجتماعية مرتبطة بالشركات الكبرى ، تقابلها قوى ضاغطة من الجانب النقابى والمطلبي لدى "الطبقة المتوسطة". وسرعان ما أخْلَت جماعات المصالح وقوى الضغط الساحة السياسية للجماعات والفرق السياسية من الاتجاهات العنصرية فى أوروبا وأمريكا ، التى استنفرت قواها لمنع عودة التيارات الفكرية التجديدية والأحزاب السياسية ذات النّفس الاجتماعي. ثم سرعان ما حلّ محلّ جماعات المصالح والأحزاب من قبلها، إلى حد كبير، فاعل جديد، يمثل "الشركة" الهادفة إلى الربح ، والمتمركزة حول توجيه الرأى العام وسلوكه الاجتماعى والتسويقى والاستهلاكى باسم "التواصل الاجتماعى" باستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الأحدث. وحسب البيانات المتضمّنة فى "تقرير عن التنمية فى العالم" عن عام 2020 World Development Report, Table.1, p. 141 فإنه من بين الشركات العشر الأكبر على مستوى العالم هناك ثمانية شركات أمريكية ، منها أربع شركات تحتل المواقع الأولى تباعاً، وهي: "آبل" بقيمة سوقية لرأس المال تقارب التريليون دولار (.3961مليار دولار) ، و "ميكروسوفت" (946.5 مليار دولار)، و "أمازون" (916.1 مليار دولار) ، و "آلفا بيت" (863.1)، وتحتل الموقع الخامس الشركة العاملة في تجارة المواد المتنوعة "بيرك شاير هاثاواى" بقيمة ( 516,4 مليار دولار) ، وفى الموقع السادس شركة "فيس بوك" ( برأس مال سوقي 512 مليار دولار) بينما السابعة والثامنة من الصين هما (على بابا) بقيمة (480 مليار دولار) ، و "تنسنت القابضة" بقيمة 472.1) مليار دولار) . وفى الموقعين التاسع والعاشر شركتان أمريكيتان أخريان هما مورجان تشيز (368.5 مليار دولار) و، وجونسون آند جونسون بقيمة (366.2 مليار دولار) .
هذا إذن هو عالم الشركات الخاصة الهادفة إلى الربح ، والعاملة بصفة اساسية فى مجالات البيانات والمعلومات والاتصالات والتسويق. فماذا تتوقع من (الفضاء العام) Public sphere الناجم عن ذلك ؟ هذا هو العالم المتفاعل تشابكاً بالإيجاب والسلب مع عالم "دونالد ترامب" –المنتهية ولايته- الخاوي فكرياً والفارغ سياسياً ، واللاعب على وتر االعنصرية والطبقية الضيقة والاستعلاء (الأمريكى) تجاه سائر المجتمعات.
فى هذه الأجواء المعقدة إذن، نمت الظاهرة الراهنة المسماة بالشعبوية ، حتى آخر سلالاتها العنصرية ممثلة فى "الترامبية" سيئة الصيت ونظيراتها ، فى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين وما قد يتلوه .
.. ولكن ما الذى جعل أزمة "البناء القيادى" تظهر على هذا النحو فى الغرب ؟ لقد تعمقت الأزمة فى المجال القيادى ، جنباً إلى جنب ، مع كل من (الخواء الفكرى) ، و (الفراغ السياسى) مما يحيل إلى أزمة "القيادة السياسية" بالمعنى الشامل ، وخاصة منذ بدأ يظهر "التفوق الاقتصادي والعسكري" إزاء الاتحاد السوفيتي ، الذى كانت أزمته الداخلية الخاصة ، قد استشرت تدريجياً منذ أواخر الستينات ، وربما منذ عام 1968 بالتحديد .
لقد توقفت تقريباً حركة التطور الاقتصادي و التجديد التكنولوجى السوفيتي التي حدثت إثْر وفاة ستالين 1953 ، ونجاح الحزب الشيوعى السوفيتى فى مؤتمره العشرين عام 1956 فى وضع أسس التقدم الاقتصادي والاجتماعي، على قاعدة من الندّيّة العسكرية والنورية مع الولايات المتحدة الأمريكية جنباً إلى جنب بروز قيادة جماعية بزعامة "خروتشوف". ولكن يبدو أن إرث الستالينية الثقيل، و ماخلّفته (المقاومة الوطنية) من أهوال فى مواجهة (النازى) فى السنوات الأخيرة للحرب العالمية الثانية ( نحو20 مليون قتيل) ..الخ؛ ثم ما أعقب الحرب من أعباء ثقال فى مجال إعادة التعمير و توازن الرعب المسلح مع الولايات المتحدة.. إن كل ذلك لم يكن يناسبه حالة "الركود القيادي" التي خيمتّ علي الحزب وعلي البلاد منذ انفرد (ليونيد بربجنيف) بتسيير دقة القيادة اعتباراً من عام 1965 بالذات .
ومن بعد وفاة بريجنيف ثم "أندروبوف"، جاء "جورباتشوف" عام 1985 ليستكمل مهمة ( الانهيار – الكبير) بالتوازى مع صعود المخطط "الأمريكي – الريجاني" للإجهاز علي الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية تحت وطأة سباق التسلح الباهظ بالذات ، حتى وقع السقوط بالفعل في مطلع 1990.
حينذاك برزت الولايات المتحدة الامريكية لتصبح " القوة العظمى الوحيدة" Lonely super-power . ولعل سقوط المنافس السوفيتي قد أدى الي التراخي السياسي والذهني في أركان القوة الوحيدة شيئاً فشيئاً، ولعبت "أوهام العظمة الإمبراطورية" بعقول زعماء ضعاف مثل "بوش الإبن" (2003-2009 ) و كان ما كان .
وهكذا، إن التحدي الكبير الذى كان خلقه صعود أدولف هتلر في ألمانيا و أوربا في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، ثم الذي خلقه صعود السوفيت ( بعد الحرب) قد اختفي، ليحل محله تدريجياً سكون سياسي مُطْبق وصمت فكرى رهيب، و هذا هو الوضع الذي يعيشه الغرب الآن .
و إنه وضع " الأزمة ".. وليست الأزمة بغريبة علي النظام الرأسمالي العالمي ، فهو بحكم جوهره ينطوي علي تناقض لا سبيل الي علاجه علاجاً جذرياً ، وإنما أقصي ما يمكن عمله معه هو محاولات متكررة لإصلاح طوارىء الخلل ، ثم معاودة المحاولات ، مرة بعد مرة. هذه هي "إدارة الأزمة" التي برعت فيها الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة حيناً وفشلت أحياناً كثيرة ، أما " حل الأزمة " نفسها فهو أمر بعيد .
هذه الأزمة فى حالتها الراهنة ، تتمظهر في التناقض الأساسي الذي اشرنا اليه غير مرة : تقدم اقتصادى -مادى تكنولوجي ، وثماره موزعة بشكل مختل احتلالاً جوهريا بين الفئات والطبقات الاجتماعية داخل البلد الواحد ، ثم بين الدول المختلفة علي المستوى العالمي. و في مقابل التقدم المادي، غير العادل بالضرورة، خواء فكرى وفراغ سياسي واعتلال اجتماعي غير قابل للعلاج بآليات النظام القائمة .
و يبقي الحل المؤقت في استعادة، و لو جزئية و مؤقتة، لمحاولات الإصلاح الاجتماعي التي عهدها النظام الرأسمالى العالمي منذ ثلاثينات القرن المنصرم حتى السبعينات ، عن طريق سياسات " دولة الرفاهة ". أما علي الصعيد العالمي فليس من حل سوى الاعتصام بسياسات قائمة علي تقبّل واقع التعدّد في النظام العالمي، و القبول المتسامح بالقيم الإنسانية حقاً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الدنيا خربانة
هانى شاكر ( 2021 / 3 / 8 - 05:50 )

الدنيا خربانة
______

الاغنية الشهيرة عمرها الان حوالي عشر سنوات ، ولم يعد معناها و مغزاها يتناول المنيب و المنصورة كما قال مغنيها

العالم كله الان علي كف عفريت، الشركات و الاسواق و البنوك ووزارات الخزانة مهددة كلها بالانهيار ... لم تعد هناك قيادة فكرية او ضميرية في طبقة السياسيين و الحكام، بل كل يوم نسمع بفضيحة مالية بجانب فضيحة اخلاقية

اما عن شرقنا الغلبان فحدث ولا حرج، و اعتذر للاستاذ الكاتب في الاختلاف معه، فعبد الناصر لم يقدم الا المثال المحاذي في تدمير الامة و الحجر و الشجر و البشر، و بالامس القريب كان ذكري وفاة احد جلاديه الملاعين، و اقصد صلاح نصر

امم اليوم اما منتحرة كالصومال و سوريا او مبتذلة كالبرازيل و فنزويلا، او مبتسرة كامريكا و روسيا

هل نحن الان علي عتبات حرب جديدة؟ ربما

....

اخر الافلام

.. تسرب غاز نورد ستريم: لماذا شبهة التخريب ولمن توجه أصابع الات


.. مصر.. ممرض يتحرش بفتاة داخل إحدى المستشفيات بعد إجرائها عملي


.. أفغانستان تتهم أمريكا بانتهاك أجوائها بعد تحليق طائراتها في




.. مسؤولون أوروبيون: تسرّب غاز نورد ستريم مفتعل والمتسبب سيدفع


.. شاهد| اشتباكات مسلحة بين قوات الاحتلال وفلسطينيين في مخيم جن