الحوار المتمدن - موبايل


موضوعات فلسفية: تحليل نقدي (2)

علي محمد اليوسف
كاتب وباحث

(Ali M.alyousif)

2021 / 3 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


(1) هيدجر وتشتيت الوجود
يتسم العرض الوجودي لتحقق الذات لدى هيدجر بالغموض في نحته مصطلحات جديدة غامضة في الفلسفة, وترتّب على هذا الاجتهاد الهيدجري ارباكا من سوء الفهم البعيد عن الوضوح المطلوب. من شطحات هيدجر قوله "الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده" واضح هنا هيدجر لايعتبر تحقيق الذات بمعيارية تعالقها الاختلافي مع الموضوع الملازم لها لا يحققها كبنية قائمة متمّيزة.
بمعنى هيدجر يعتبر الانسان كائن من غير وجود منفصل متمايز عن توزّع وجوده في مدركاته الذاتية كمواضيع تختلف معه بالمجانسة المغايرة وتتحد به في تحقيق ذاتيته الانسانية, هنا يمكننا القول بضوء الفهم الهيدجري أن الانسان هو وجود معطى متحقق غير محتاج إثباته.
بنفس هذا المعنى وأشمل منه تأتي مقولة هيجل (الله هو الوجود ) عبارة هيجل هذه لا تشي بتصور صوفي ميتافيزيقي, في تقطير وتكثيف عبارته الله هو الوجود. وأجد بهذا المعنى منتهى المادية وليس المثالية الابتذالية, في موضعة الطبيعة والانسان في وجود الله, ولا توجد موجودات الوجود بذاتها مستقلة بل في ذات تدركها.
يمكننا التعبير بجملة إستنباطية بنفس المعنى حين نقول (العقل هو الوجود) وبذلك لا نكون متناقضين لا مع الله ولا مع الطبيعة المادية للانسان. فما لا يدركه العقل ليس غير موجود في استقلالية, بل تصبح لاقيمة للعقل من غير وجود يشتغل عليه العقل. في إحالة تحقق الوجود الى الله دلالة استدلالية في تعميق الموجودات المادية والطبيعة إستقلاليتها الاقتران المباشر وغير المباشر بالله. لا يمكن للذات الالهية أن تكون موزّعة الجوهر أو موزعة الصفات في موجودات وأشياء يدركها العقل في مرجعية وجود الله.. وإلا ترتّب على هذا إمكانية العقل البشري معرفة الخالق في وجوده.
تعقيب نقدي تحليلي
- اول ملاحظة على فهم هيدجر للوجود أن تذويت الموجودات وإنصهارها في الانسان كوجود وكينونة تعي ذاتها والموضوع لا يحتاج بعدها الى موضوع يغاير به توكيد وجوده. كون الانسان وجود يمتلك مقومات موجوديته الكاملة التي تدخله حسب تفسيرنا لمقولة هيدجر في انفصامية مرضية هي بحث الانسان عن توكيد وجوده خارج وجوده الحقيقي المعطى له, التطابق القائم بين الذات والكينونة, يعني علاقة الذات بالموضوع لا يلغي إنعدام الفروق غير المتجانسة بينهما رغم حاجة أحدهما الآخر, فالذات بلا موضوع يحقق وجودها لامعنى إفصاحي لها, وكذا المواضيع كموجودات إدراكية لا قيمة تكتسبها في وجودها المستقل سوى بإدراك الذات الانسانية لها.
- عبارة هيدجر الانسان لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده. الوجود بمعنى الكينونة المتحققة ذاتيا تحتاج تحقيق وجودها الحقيقي بالمغايرة الوجودية (الموضوع). وحسب عبارة هيدجر تحقق الوجود الاصيل للانسان لا يكون إلا ضمن وجود – في – عالم تؤكد هذه الحاجة ولا تنفي أهميتها. الانسان لا يحتاج توكيد وجوده الذاتي في وعيه الادراكي بموجوديته الذاتية بمعزل عن معرفة أين يكون وجوده المتحّقق من وجود الآخرين. الاستنكار الذي واجهه كوجيتو ديكارت أنا أفكر في تحقق الذات الانفرادية بسلبية منعزلة عن المجموع أو عن الكليّة الناسيّة إستنسخها هيدجر في تحقيق الوجود في إدراك الذات لذاتيتها.
- وعي الوجود الضائع الذي يضعه الانسان في جيبه ولا يدركه عقليا, هو وعي الانسان بكينونة متكاملة وإلا يكون الوعي بلا معنى ولا قصدية لاقيمة حقيقية له ترفضه الوجودية ذاتها التي ينتسب لها فيلسوفنا هيدجر. الوجود الملازم للانسان كظله لا يجعله في غنى البحث عن تحقيق ذاتيته القيمية كانسان في بحثه عن مدركات تعطي وجوده معناه الحقيقي ضمن عالم يعيشه.
- الانسان في كينونته الكليّة لا ينقسم الى وجود سايكولوجي منفرد, ولا الى وجود (قيمي) آخر انساني أو أخلاقي منفرد حتى لو جاء على صعيد تباين واختلاف السلوك بينهما. ورغم الإفصات السلوكية الانسانية المتباينة عن كلا المحتويين الوجوديين بالحياة. وفي حال تسليمنا أن الانسان ليس بحاجة توكيد وجوده لأنه هو هو وجوده, فبأي وسط يمكن للانسان إمتلاك وجوده الحقيقي غير التكويني الملازم له في محاولته إثبات وجوده المتمايز ضمن فعالية مجتمعية تحتويه هو وغيره.؟ توكيد الذات لنفسها في موجودية منفردة لا قيمة حقيقية لها بالحياة فألانسان موجود لا يحقق كل رغائبه الفردية بمعزل عن مجتمع يحتويه. فما فائدة عبارة هيدجر لايحتاج الانسان البحث عن وجوده لانه هو هو وجوده.؟ وجود الانسان المادي المستقل بالطبيعة هو معطى طبيعي وليس إكتسابا معرفيا يسعى الانسان تحقيقه.
- الوجود الانساني الحقيقي الفاعل بالحياة لا يتم بغير إمتلاكه الفعاليات البيولوجية التالية: التعبير عن الحرية بمسؤولية عن حرية الاخرين, إرادة الفعل والحركة, السعي نحو هدف قصدي يحتاجه الانسان تحقيقه له ولغيره. ويوجد أمور أخرى عديدة تمّثل خصائص الوجود الحقيقي للانسان. فالوجود الانساني لا يقاس إلا بمعيارية (الفعل) البراكسيس فقط. والوجود لا يعبّر عن أصالته الحقيقية إلا بالعمل وفق الوعي القصدي بالحياة. لا وفق الوعي النرجسي في توكيد الذات.
- الوجود الديناميكي للإنسان هو وعي قصدي مدرك أهمية الإمتلاك عندما يكون الانسان مشروع تنمية مستدامة من التطور الفاعل لوجوده. وبحسب سارتر تحقق الوجود المتمّيز الفاعل لا يكون إلا في حالة من التنمية المتصاعدة في تخليق الانسان نفسه بنفسه في إمتلاكه وعيه بالحرية الكاملة, فهي أساس كل إختيار حقيقي في الوجود, كما هي أيضا معيارية أصالة الوجود بالحياة. وممارسة الحرية بمسؤولية لا يكون حقيقيا صادقا بغير وعي الذات لأهميتها في تحقق الإرتباط المثمر بالوجود الانساني في صنع الحياة, لذا الحرية وعي وجودي مدرك بإمتلاء ذاتي ومسؤولية انسانية. وهذا لا يتوفر لكينونة لا تمتلك ذاتيتها الوجودية وتعي إرتباطها بعالم.
- تناقض الوجودية نفسها على لسان هيدجر قوله "الانسان ذاتية خالصة, وليس مظهرا أو تجسيدا لتيار حيوي أشمل منه هو التيار الكوني ". لا أعتقد ونحن نتحدث عن وجود أرضي أن تكون معياريته الحقيقية في ذاتيته الخالصة في تيار أشمل منه هو التيار الكوني. ولا أعتقد هيدجر صاحب مؤلف (الكينونة والزمان ) لا يعرف الزمن هو إدراك الانسان وجوده الديناميكي المتواتر, وهذا الإدراك الزمني كتحقيب أرضي هو معيار موجودية الانسان في تحقيق تنميته الانسانية كذات متمايزة غير منفصلة عن محيطها في حالتي المجانسة بالعيش نوعيا داخل مجتمع بشري, وبين عدم تجانسها الماهوي ولا الصفاتي مع موضوعات يدركها في الطبيعة.
- الانسان كينونة مدركة في تعّين زماني- مكاني غير مفارق لها., وإدراك كينونة الانسان أو بعض جوانبها الماهوية وخصائصها الصفاتية من خلال إفتراض تعطيل الزمن الإدراكي الذي يحكم قوانين الطبيعة شاملة, هو نفس الزمن الإدراكي الذي يحدسه الوجود الكوني من غير وجود انساني فيه.
(2) هارتمان والتفكير المادي
في تفرّد متمايز وفلسفة واضحة بلا تعقيد يطرح نيقولاي هارتمان رؤاه الفلسفية "جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم, بل فقط بشيء ما ". ويضع هارتمان بعض ركائز فلسفته المادية في إعلائه قيمة العقل قوله " أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا, فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حلا لما هو غير ممكن المعرفة, ومع ذلك فإن كل موجود يمكن إدراكه ومعرفته."
بهذه العبارات يجّنبنا هارتمان الخطأ المستمر في تداوله إعتبارنا الميتافيزيقا لا تستطيع معالجة الوجود والاشياء كموجودات مادية, وهذه الخاصّية تتقاسمها الميتافيزيقا مع جميع الفلسفات المادية غير المثالية. كما أن القول الانسان كائن ميتافيزيقي لم تمت رغم إدعاء نيتشة موت الاله وإدعاءات فلاسفة المادية العقلية العلمية إنتحار الاديان.
يقول هارتمان بوضوح إسلوبه الفلسفي الرشيق " العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الإتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيّات ". هنا يتوجب علينا التنبيه الى أن العقل لا يدرك الماهيّات في كل مدركاته كونها مضيعة وقت بحسب فلسفة كانط. أعتقد ما أراد هارتمان التعبير عنه أن العقل يدرك الموجودات المادية والموضوعات الخيالية بما يغنيه عن البحث في محاولة إدراكه الماهيّات أو الجواهر وهو تعبير صحيح.
منذ القرن الثامن عشر عصر كانط تم التبشير بمسلمّة لا تقبل المناقشة أن العقل الذي يدرك إمتلاكه المعارف, يتوازى في مساره التسليم في عدم قدرة العقل إدراك ماهيّات الاشياء في وجودها الدفين وراء حجاب الصفات الخارجية. وبقيت هذه المقولة الفلسفية ساريّة المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة وفلاسفة الفينامينالوجيا عند هوسرل تحديدا, والأهم أن الماركسية تقّر أن العقل غير ملزم بإدراك الماهيات قدر إلتزام إدراكه الصفات الخارجية للاشياء.
يقرّ هارتمان بحقيقة " الميتافيزيقا ليست علما, بل هي مجموعة اسئلة لا يمكن الإجابة عليها". لا حاجة هنا تأكيد أن عبارة هارتمان متكررة ومعادة حد التخمة, لكن ما هو جدير بالملاحظة أنه ليست الميتافيزيقا في حقيقتها الجوهرية وحدها حمولتها تساؤلات متسلسلة لا تقف عند حدود معينة بلا أجوبة نهائية. بل الفلسفة عموما تقوم على سلسلة لانهائية من التساؤلات المتروكة بلا أجوبة أسئلة متوارثة الى اليوم.
إنه لمن الجدير التعقيب عليه أن العقل من حيث المبدأ هو فعالية لا تتوقف في التساؤل عن كل وجود مادي أو ظاهرة طبيعية أو موضوع خيالي, لكن العبرة هي في محدودية قدرة العقل إعطاء أجوبة عن كل شيء. وخير دليل على هذا العجز العقلي الإدراكي نجده أن كلتا الفلسفتين المادية والمثالية تعتبران مرجعية العقل هي الفيصل في إدراك العقل وعدم إدراكه.
(3) سبينوزا وإعجاز الطبيعة
يقول سبينوزا " أن ارادة الله وقوانين الطبيعة شيء واحد, وهما إسمان يعبّران عن حقيقة واحدة, ويتبع ذلك أن كل الاحداث التي تقع في العالم هي نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة, وليست نزوة من نزوات حاكم مطلق يجلس بين النجوم."
تعقيب وتحليل
- لا نعتقد جازمين أن ما يحدث من ظواهر وأحداث خارج قوانين الطبيعة الثابتة, تقف خلفها إرادة الهية في تبعيتها نفس آلية قوانين الطبيعة التي تعمل وفق مشيئة الخالق تنظيمه الطبيعة. الزلازل, البراكين, الاعاصير وغيرها من أحداث طبيعية لا تحكمها نفس آلية القوانين الثابتة, فهذه محكومة بوقت زمني زائل وتندثر بلا رجعة بخلاف قوانين الطبيعة فهي ثابتة أزلية ودائمية ولا تتغيّرزمكانيا.
- الصفات المستمّدة من الطبيعة وتفكير الانسان بها, يجعل الإدراك البشري يخلعها على صفات الخالق, وهي صفات قابلة للادراك العقلي المحدود بخلاف صفات الخالق التي نجهلها تماما ولا نستطيع لإدراكها. صفات الخالق التي يخلعها الانسان على الرب الخالق هي صفات بشرية يدرك مصدرها, هي صفات من الطبيعة, وصفات مأخوذة من تدوينات الكتب المقدسة الدينية, وثالثا وأخيرا هي صفات نموذجية متعالية لا يجدها البشر متحققة في حياتهم فيردونها على الخالق بما يتمنّون أن يكونوا عليه كما هو الخالق يمتلكها.
- صفات الطبيعة ليست هي صفات الله, كون صفات الطبيعة مدركة عقليا, وأفكار الناس في معتقداتهم الأخلاقية الدينية هي صفات بشرية تخلعها على خالق لا يحتاج صفات تؤكد الوهيته. هذا المنطلق الفلسفي الذي إعتمده سبينوزا بمذهب وحدة الوجود أخذه فيورباخ نصّا, أن صفات الطبيعة التي يخلعها الانسان على الله, هي ليست صفاته الإلهية الحقيقية, بينما واقع الحال يشير الى أن الطبيعة تستمد صفاتها من قدرة الله خالق نظام الطبيعة الثابت وفق قوانين ثابتة تحكمها.
- مذهب وحدة الوجود اسيء فهمه كثيرا حسب تعبير سبينوزا نفسه. فالتفسيرات الابتذالية الفجّة التي تصور كل شيء بالطبيعة هو الله, في وقت أن الطبيعة وقوانينها وصفاتها هي مخلوقة من الله وليست خالقة وجوده وخالقة وجودها بنفسها. ويعبّر سبينوزا بتوضيح أكثر قائلا :"لقد أخطأ فهمي اولئك الذين يقولون أن غرضي هو أن أبيّن أن الله والطبيعة شيء واحد. والقائلون بهذا يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة, إنني لا اقصد ذلك".
- لماذا قال سبينوزا القوانين الطبيعية الثابتة هي والله شيء واحد في تعبيرهما عن حقيقة واحدة.؟ السبب حسب تحليلنا هو: قوانين الطبيعة ثابتة لا تتغير, لذا هي إعجاز الهي خاص بمن خلق الطبيعة بنظامها الثابت. وجعل إمكانية العقل الانساني اكتشاف القوانين التي تحكمها وليس إختراعها, وعجزه عن مجاراة نظامها في حكمها الطبيعة. لذا إعتبر سبينوزا عدم إمكانية السيطرة الانسانية عليها أنها إعجاز إلهي لا يستطيع الانسان مجاراته.
• صفات الله ليست صفات القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة, فهذه القوانين إستطاع العقل إكتشافها, وعرفها كيف تعمل, وهذه المعرفة بقوانين الطبيعة لا يترتّب عليها إدراك كيف يدير الخالق الكون.
• ربط الحوادث الطبيعية على أنها قوانين ثانوية متعالقة بقوانين الطبيعة العامة الثابتة توحدهما نفس الآلية, سوء تقدير سقط به سبينوزا, فلا علاقة ترابطية بينهما لا فيزيائيا ولا ميتافيزيقيا. ما عدا قوانين الطبيعة الثابتة, فكل شيء يحدث ويدركه عقل الانسان في الطبيعة لا يشير الى ارادة الله في ظهورها التدميري ولا علاقة قصدية الهية تسيّطر عليها سوى في الاساطير والخرافات البدائية..
(4) برجسون والحقيقة الفلسفية
ينسب لبرجسون قوله " الحقيقة ليست اكتشافا بل هي اختراعا " وحين يعطي برجسون الحقيقة صفة الاختراع فهو يجزم بما يلي:
- حين يعمم برجسون الحقائق هي إختراعات فهو ينّحي من أمامه قصديا أو غير قصدي خلو عالمنا الارضي من حقائق إكتشفها الانسان ولا دور له في خلقها وإيجادها في مقدمتها جميع القوانين التي تحكم الطبيعة من جاذبية , وتمدد وحركة وزمن وأمواج كهرومغناطيسية وقوانين فيزيائية وكيميائية جميعها قوانين لحقائق تم إكتشافها ولا دخل للانسان في إختراعها.
- الحقيقة الفلسفية والحقيقة العلمية تحكمهما قوانين نسبية وليست مطلقة. وتختلف الحقيقة الفلسفية عن الحقيقة العلمية في مناحي عديدة منها الحقيقة الفلسفية هي خارج نطاق التجربة والتطبيق على العكس من الحقيقة العلمية التي هي حاصل نتيجة تجربة وتطبيق. المنطق التجريبي العلمي يقوم على نوع من العلامات المشفرة التي هي المعادلات الرياضية بينما الحقيقة الفلسفية لا تقترب من لغة العلوم الطبيعية الصارمة التي ترفض المنطق اللغوي التجريدي كفكر.
- كل حقيقة فلسفية أو علمية هي نسبية ما يجعل منها مفهوما إستدلاليا في سلسلة من الحقائق المتناسلة تبعا لتغيّرات الظروف وتبّدل الخواص الذاتية التي أنتجتها. هذا يجعل من الحقائق سيرورة دائمية من التشكل والإنحلال في تعاقب متوالي من سلسلة حقائق تتبّدل وتتغّير..
- الحقيقة مفهوم ومصطلح لا تمتلك وجودا زمكنيا ثابتا, والذات الانسانية المفكرة لا تكون خالقة ومخترعة لحقائق الحياة, فالذات الانسانية لا تستطيع تخليق الحقائق بالفكر التجريدي, حتى في حال تسليمنا الإفتراضي أن الحقيقة ليست وجودا إفتراضيا في المطلق. بل هي سيرورة من الإنتقالات الإستدلالية.
- الحقيقة الفلسفية ميلاد فكرة ضمن شروط ذاتية وتوافر إشتراطات موضوعية. كي يكتمل إنبثاقها وتحققها الإفتراضي, غير المتعيّن وجودا ماديا, ولا متعينا فكريا لم يكتسب الإجماع عليه. لذا تكون كل حقيقية يطلق عليها حقيقة فلسفية إنما هي مشروع إنحلال حتمي قادم ضمن سيرورة تحكمها.
- السيرورة الملازمة لكل حقيقة هي مشروع إستدلالي لغيرها من حقائق مستقبلية غير قائمة على إستقلالية دائمية ثابتة. وحقيقة الشيء ليس في وجوده المادي المستقل, بل في معرفته الادراكية الابستمولوجية.
- الحقيقة الفلسفية ليست من إختراعات الذات الانسانية كما يذهب له برجسون, فالذات هي وعي إدراكي لا يستطيع خلق الموجودات المادية في تجريد الفكر. بل حقائق الاشياء فلسفيا هي مفهوم فكري يجري التعبير عنه باللغة.
وعي الذات أكبر خصيصة يمتلكها هو تنفيذ إملاءات العقل في تحديد الموجود أنطولوجيا أو في جعله مدركا فكريا.
(5) جون سيرل والوعي القصدي
يرجع الفضل الاكبر في أسبقية مصطلح الوعي القصدي لبرينتانو بعد أن أسقط ديكارت في القرن السابع عشر الوعي في قاع محكومية الوعي الذاتي الإدراكي مجرّدا من ميزتين الاولى أن الوعي الديكارتي هو وعي إنفرادي لا يلتفت لوجوده ضمن عالم, والثانية إتهام ديكارت عدم تعيينه بماذا كان يفكر ديكارت في إثبات وعيه الذاتي أنه موجود يفكر بلا موضوع, والتفكير بلا موضوع إستحالة إدراكية لا تتحقق..
جون سيرل فيلسوف امريكي معاصر أخذ مفهوم الوعي القصدي من منطلق مغايرة كان إحتكره الفلاسفة الفرنسيين. فقد ربط سيرل الوعي القصدي بكل من العقل واللغة. ينطلق سيرل من مقولة فلسفية كانت مثار جدل نقاشي شديد بين كل من ديكارت من جهة وبيركلي من جهة مقابلة, تلك هي أننا لا نستطيع أن ندرك العالم الخارجي بصورته الحقيقية. "مقالتي بعنوان الادراك :الاصل والصورة تعطي تحليلا كاملا لهذا الموضوع منشورة على موقع الحوار المتمدن وموقع المثقف. "
تلخيص أفكار سيرل
- سيرل أفضل الفلاسفة الاميركان المحدثين الذين تناولوا الوعي القصدي في تعالقه باللغة وفلسفة العقل, معتبرا قصدية الوعي هو التمّثل المسّبق لموضوع الإدراك. ولا يمكن فهم قصدية الوعي من غير سلوك تحكمه اللغة وليس موجودية الشيء المادي. التجربة الإدراكية هي وعي قصدي يحتاج السلوك الذي تتحكم به لغة وتفكير العقل.
- الإشباع الغريزي لحاجات الانسان البيولوجية تختلف تماما, عن إشباع الوعي القصدي في إدراكه موجودات العالم الذي تحيط به, والوعي القصدي ليس وعيا محايدا في الإدراك بل هو إشباع لمعارف ابستمولوجية يحتاجها الانسان في حياته هي غيرها إشباع حاجات الجسم الغريزية.
- التجربة الإدراكية مصدرها الموجود المادي, ورغبة الوعي القصدي من التعرف عليه. والقصدية لا تهتم بالوعي من حيث هو فعالية عقلية – بيولوجية تتوقف في تحقق إشباعات الغرائز الانسانية.
- خصائص الوعي القصدي يجملها جون سيرل بالتالي:
• الوعي القصدي حقيقي لا يمكن إختزاله.
• الوعي نوعي بمعنى هناك نوعية تجريبية تخص كل حالة لوحدها, والوعي شخصاني بشري لا يمتلكه الحيوان.
• الوعي عملية يتوزعها الهدف والسلوك نحو الهدف وتحقيق معرفة ذلك الهدف. والوعي هو خاصية الجهاز العصبي عند الانسان.
كلمة ختامية: يذهب الفيلسوف (الفانوي) في مقال نشره بعنوان ( تجربة من دون رأس) قائلا"الوعي الإدراكي من الممكن أن يتم خارج الدماغ, وتجربتنا بالوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا, بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي , الدماغ, والجسم, والبيئة ".
يتبع في ج3 لاحقا.......................


.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دمار كبير نتيجة سقوط صواريخ أطلقت من غزة على مدينة أسدود


.. دمار في بئر السبع في إسرائيل جراء الصواريخ التي أطلقت من غزة


.. توجب عليهم الاحتماء على الهواء.. فريق CNN وسط اشتباكات بين ا




.. البيت الأبيض: فقدان الأرواح الفلسطينية أو الإسرائيلية أمر مأ


.. تجدد القصف الإسرائيلي على غزة وصدامات في الضفة الغربية وسط م