الحوار المتمدن - موبايل


موضوعات فلسفية :تحليل نقدي (6)

علي محمد اليوسف
كاتب وباحث

(Ali M.alyousif)

2021 / 3 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


(1)الكلمة والخطاب
الكلمة مفردة لغوية لا تكون صادقة أو كاذبة إلا إذا وردت ضمن سياق نظامي لغوي متماسك الدلالة في التعبير عن معنى أو لامعنى. المفردة اللغوية المعبّرة عن معنى شيئيء بالتمام منفردة تكون تعبيرا عن بديهية إدراكية تختلف عن المفردة المجازية التجريدية التي ترد ضمن خطاب لغوي مكوّنا من عبارات وجمل عديدة فهي لا تعبّر عن معنى الا ضمن سياقها في جملة لغوية. وأخرج فينجشتين كل مفردة لا يكون معناها في خطاب دلالي تعبيري يسير في مجرى الحياة وبخلافه إعتبرها ملفوظا بلا معنى يكون الصمت أفضل منه.
وإذا ما كانت العبارة أو الجملة ضمن خطاب نسقي أو كليّة بنيوية لغوية تستوعب محمولاتها من المعنى بإنتظام الكلمات المفردة في سياق ترصيفي لغوي هادف, فيكون هنا معنا الحال أن الخطاب الذي بين أيدينا هو خطاب تداولي تقليدي يتداخل جدليا مع الحياة في كل تقلباتها وتغيراتها ويدخل في محاورة مباشرة مع القاريء المتلقي.. وبالعكس لا يمكن تشكيل خطاب يحمل معنى في ترصيف الكلمات والجمل في عشوائية غير منتظمة خارج قواعد لغوية.
أما في حال نسعى أن يكون خطاب اللغة هو بنية نسقية تراعي الانتظام داخليا في بنية مكتفية بذاتها بمعزل عن دفق وحيوية الواقع بل تتشكل في موازاته هنا يكون الخطاب اللغوي بنية ليس من شأنها التداخل الواقعي جدليا مع الخارج بل يبقى هاجسها الاول تحقيق الاكتفاء الذاتي الفلسفي القائم على تجريد نظام اللغة من قصدية هادفة تخرجها عما هي عليه من خصائص لغوية فقط. وهو ما تشتغل عليه فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في التاويلية والتفكيكية والتحليلية والتوليدية والسلوكية في رعايتهم البذرة الاولى التي بذرها دي سوسير منذ بداية القرن العشرين في أن دور اللغة أن تكون وسيطا تواصليا بين البشر إنتهت عصوره. فالمهم أصبح التفتيش عن فائض المعنى في اللغة أكثر من أهمية التفتيش عن فائض معنى الوجود والحياة بين البشر.
الاهمية البالغة لفلسفة اللغة وعلوم اللسانيات التي فتحت فضاءات فلسفية تجديدية إلا أنها سلكت منحى متطرفا جعل منها بنية كليّة نظامية لغوية صرف سارت فلسفيا في موازاة واقع الحياة...وحسب التفريق الارسطي في مقال له عن التاويل اللغوي يكون للاسم المفردة النحوية معنى , وللعقل فضلا عن إنطوائه على معنى يشيرلزمن. يعتبر هذا الربط الارسطي في زمن ماض سحيق بين اللغة والزمان فتحا عبقريا في حينه. الاسم كمفردة نحوية لغوية هو دلالة كافيّة في التعبير عن أصالة حقيقية شيئية زمنية موحدة. عندما نقول لفظة اسم قلم مثلا فنحن نفهم شيئا ماديا متحققا وجوده الانطولوجي, والاكثر أهمية أن إسم القلم يؤكد وجود الشيء في دلالة ثابتة لا يحدها الزمن ولا يؤكد وجودها زمنا ايضا باستثناء حالة إدراكها زمكانيا..
على العكس من لفظة فعل مثل (ركض, يركض, سأركض) فهنا اللفظة تدل على القيام بحركة أو عمل معين مقصود لكنما يداخله الزمن الذي هو زمن حدوث الفعل, ركض تفيد الزمن الماضي, ويركض تفيد الزمن الحاضر , وسأركض تفيد زمن فعل الركض مستقبلا.
وحول الشفرة اللغوية يشير بول ريكور الى "ان الشفرة اللغوية التي نعرفها بوصفها لغات متعددة متكلمة, تتكلمها جماعات لغوية مختلفة, عليه لا تعني اللغة هنا القدرة على التحدث بل تشير الى البنية الخاصة للنسق اللغوي الخاص ".
نفهم من هذا الاقتباس عن ريكور أن النسق اللغوي الخاص بمجتمع معين هو المعوّل عليه أن تكون فعاليته ليس في القدرة على التحدث, وإنما الفعالية الحقيقية في البنية النسقية الخاصة بها كلغة تهم مجموعة بشرية لاغيرها, تتكلم بها, وليس هذا من الإهمية الكبيرة التي يكون فيها الخطاب قائما.
تعميق هذا التوجه نجده ايضا في تعبير ريكور " انجازات علم اللغة التي تسعى الى حل اشكالية الخطاب أنها تهتم باللغة كبنية ونسق وليس من حيث هي مستعملة كوظيفة تواصلية ".
أي ليس من حيث الخطاب اللغوي وسيلة تواصلية في التعبير عن فهم العالم من حولنا والوجود المركزي للانسان فيه بمجمل قضاياه.فالموضوع يكون ملزما للغة التعبير عن معنى دلالته الوجودية, وإلا أصبحت اللغة ليست وسيلة إستدلال معرفي برقابة الادراك العقلي. أثبتت الدراسات اللسانية الى حقيقة الللغة ملكة فطرية مشّفرة, وتكتسب صفة السلوك النفسي اللغوي بمرور الوقت.
(2) الوعي والجوهر
لم أجد أبلغ من تعبير سارتر قوله " جوهر الانسان أن يكون بلا جوهر".
ثمة أمور تخص علاقة الوعي بالجوهر أعرض لبعضها:
- أهم انجاز يسجل في تاريخ الفلسفة لاسبينوزا أنه عكس الخطأ المتداول أننا ندرك الجوهر بدلالة الوجود الى عكسه أننا ندرك الوجود بدلالة الجوهر. هذا الخطأ ألذي يرى إدراكنا الجوهر بدلالة الوجود الذي قام اسبينوزا تصحيحه كان يتردد في مباحث تاريخ الفلسفة على إمتداد قرون طويلة معتقدين أن وجود شيء مادي يحتوي جوهرا لا يمكننا إدراكه ولا يمكننا التأكد من عدم وجوده, فقال العكس الذي لم ينتبه اليه أحد قوله : اننا نعرف الوجود بدلالة الجوهر.
- إعتبر سبينوزا الجوهر كلّي شامل لا يمكن تجزئته وهو خالق غير مخلوق بعكس الوجود (الطبيعة ) فهو مخلوق وليس خالق. لذا نحن ندرك الطبيعة في موجوداتها المادية وفي علاقاتها الموجودية وظواهرها ولا ندرك الجوهر في موجوديته التي لا نستطيع توكيده لا حدسا ولا إدراكا..
- مبدأ وحدة الوجود مشكوك البرهنة على صحته في إعتبارنا الجوهر الخالق التام الكلي الشمولي لا يمكن تجزئته الى جواهر موزعة في موجودات الطبيعة والاشياء, وخطورة ذلك أن إدراكنا لجوهر جزئي مادي تنسحب نفس آلية إدراكه على معرفة الجوهر الكلي(الله) الذي من المحال إدراكه لا بالصفات ولا بالماهية الجوهرية. ربما من باب الإفتراض يتسّنى لنا إدراك جواهر موجودات الوجود لكننا نكون عاجزين إدراك الجوهر الكلي الخالق لها حسب المفهوم اللاهوتي الذي هو الله الجوهر الكامل.
أجد أن علاقة الجوهر بالوجود علاقة مصطنعة مفتعلة لا حقيقة لها بدليل أن جميع مدركاتنا التي نعرف بها صفات الاشياء الخارجية فقط لا يقودنا هذا لمعرفة جواهر تحتويها الاشياء إفتراضا. الوجود بجميع موجوداته المادية ليست جواهر نستدل عليها بموجوديتها في المادة أو في المواضيع. الوجود بموجوداته هي صفات خارجية يدركها الانسان خالية من أي جوهر خفي تحتجبه الصفات خلفها. فهمنا الصفات الماهوية الاستبطانية للانسان هي جوهره التي غالبا ما نعبّر عنها بالماهية أو بالضمير او بالحب او بالسلوك الاخلاقي وغير ذلك متجاهلين عبارة سارتر جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر. ما يصنعه الانسان من سمات خصائصية إنفرادية تمّيز شخصية فرد عن آخر هي بناء صفات له مستمدة من السلوك الإنفرادي للشخص في تمايزه ضمن مجتمع.
البحث عن جوهر إنساني غير موجود يشبه البحث عن جوهر إفتراضي لا نمتلك معرفة أين يكون ولا كيف نستدل عليه؟ لذا يكون الجوهر والبحث عنه يمثل أعلى درجات تغييب التفكير العقلي وإشغاله بميتافيزيقا محال التحقق منها.
(3) الوعي الذاتي
وضع هوبز فيلسوف عصر النهضة"النزعة الآلية في الإمتداد وأضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح بالمجال للوعي الانساني بالحضور ". وجعل من هذين الميزتين للجوهر يعتمدان على الله. ولا علاقة لجوهر الوعي بخصائص تمتلكها المادة ولا يستطيع الوعي المجرد إمتلاكها. والمادة والوعي ليسا جوهرين بمعنى الإستقلالية الإنفصالية في عملية الإدراك بل مستّقلين في دلالة عملية الإدراك العقلي بمجملها..
التساؤل المبني على هذا الإجتزاء عن هوبز هو هل التفكير خاصّية آلية في المادة؟ أي هل المادة تمنح الوعي الذاتي نوعا من الإدراك؟ والوعي جوهر لا مادي بمعنى عدم تعيّنه الانطولوجي بمحدودية مواصفات المادة (الطول , العرض, الارتفاع, والزمن ) بل الوعي هو حلقة توسيل وظيفي في عملية الإدراك العقلي للاشياء والمواضيع, والوعي المرتبط وظيفيا بالعقل لا يصبح موضوعا مستقلا لإدراك العقل ذاته كون الوعي تجريدا مرتبطا بتجريد العقل للفكر... وحينما يعي الوعي ذاته, فهو يكوّن الصورة التعبيرية الثابتة الثانية المطابقة أنه وعي العقل لكينونته الفيزيائية.****
صفة الحركة والإمتداد هي صفة المادة المدركة من موجودات العالم الخارجي, والوعي هو جزء إدراكي لمثل هذه المدركات, والوعي الذاتي والوعي الخارجي هما خاصية واحدة ترتبط بتفكير العقل ولا فرق بين وعي داخلي ولا وعي خارجي سوى بإختلاف نوع موضوع الإدراك ماديا خارجيا أم داخليا خياليا.
إعتبر سبينوزا شخصنة الخالق في جوهر وجوده في وحدة موجوداته الطبيعية وبذا يكون إكتسب صفتي المادة بالحركة والامتداد, فتصبح الصفات الإعجازية الموزّعة في الطبيعة على موجوداته دلالة مدركة عليه تسري عليها قوانين الطبيعة ولا تمتلك تلك الموجودات قوانينها الخاصة بها..
هل الوعي يمتلك ماهية تنوب عن العقل في تمثله الاشياء تجريديا بالفكر واللغة؟ الجواب على هذا التساؤل أن ماهية الوعي هي تمثيل أمين مستمد من ماهية العقل غير الفيزيائية. لماذا إستدركنا وقلنا ماهية العقل غير الفيزيائية؟ ماهية العقل غير الفيزيائية كان عرّفها ديكارت هي خاصيّة تفكير العقل. وهنا يكون العقل تجريدا إدراكيا معرفيا يتبعه العديد من حلقات إدراكية غير فيزيائية ترتبط به مثل الوعي, الذهن, الذاكرة, المخيلة, الفكر , اللغة وهكذا جميع هذه المفردات تمّثل إدراكات إفصاحية تجريدية ترتبط بتجريد العقل. وإذا نحن إعتبرنا العقل فيزيائيا بمعنى أصبح ذلك العضو الوظيفي وتلك العجينة وزنها كيلو وربع التي تحتويها جمجمة الانسان والذي يمكننا بها إدراك جميع مكوناتها وتحديد أعمالها كاجزاء وظائفية عضوية يتشّكل منها العقل (الدماغ الذي يحتوي المخ والمخيخ والنخاع الشوكي وشبكة الاعصاب الناقلة والمستلمة)..

(4) اللغة مادة أم وعي؟
إعتبر ارسطو ماهيّة الانسان هي ليس بوصفه حيوانا عاقلا, فهذه صفة ليست حقيقية تماما ولا تمّثل ماهيّة الانسان الحقيقية علما أن الحيوان بلا ماهيّة ولا جوهر فهو يمتلك صفات خارجية ندركها فقط, كما إعتبر ارسطو ماهيّة الانسان هي ايضا بإمتلاكه خاصّية اللغة المقترنة بالتفكير الذكي.
المجمع عليه تقريبا بالفلسفة هو ماهيّة الانسان هي الجوهر الدفين الذي يتعّذر علينا إدراكه وبتعبير فينومينولوجي موجود بذاته "نومين". وجوهر الانسان بهذا المعنى هو تشكيل يتم تصنيعه ذاتيا من قبل الشخص الفرد مدى الحياة. لذا يكون جوهر الانسان خاصّية غير ثابتة لا يمكن إدراكها سوى من قبل حاملها. بينما تكون جواهر غير الانسان ثابتة لا تتطور ولا تتغيّر لأنه كما في الحيوان لا يمتلك وعي بناء ماهيّة جوهرية له كما يفعل الانسان في حياته, لذا تكون الصفات الخارجية والسلوكية للحيوان هي جوهره أو ماهيته. هنا نود تثبيت ملاحظاتنا عن الجوهر والصفات والوعي :
- لا يمكننا الجزم القاطع أن يمتلك الانسان ولا الحيوان جوهرا هو غير صفاته البيولوجية الطبيعة المدركة خارجيا. ولا توجد جواهر يمتلكها الانسان ولا أيّا من الكائنات الاخرى هي معطى جاهز يشّكل عضوا بايولوجيا أو صفاتيا او سلوكيا ناجزا يمتلكه الاحياء وغير الاحياء بالطبيعة.
- لقد شككت العديد من الفلسفات منها الماركسية أن يكون هناك ما يسمى جوهرا أو ماهية هي غير الصفات الخارجية التي ندركها. وهو نفس الرأي الذي أخذ به كانط وفلاسفة الوجودية.
- الجوهرفي الشيء حسب نظرية اسبينوزا لا يعرف بمرجعية وجوده الفيزيائي وهو خطأ سارت عليه الفلسفة قرونا طويلة, والصحيح الذي إفترضه سبينوزا أن الوجود المدرك يدرك بدلالة الجوهر اللامتناهي غير المدرك الذي هو الله.
هنا لا بد لنا من التطرق الى اشكالية تمس مفهوم الجوهر والماهية بالصميم إنفرد بها سارتر واعتبرها انضج وأقوى الآراء الفلسفية مصداقية ويمكنني إجمالها بالتالي :
- لا وجود لجوهر يكون خاصّية منفردة نوعية للانسان لكنها بنفس الوقت هي قسمة عادلة بين الانسان والحيوان وجميع موجودات الطبيعة أن الصفات المدركة خارجيا لكل شيء هي جوهره الماهوي.
- لم يناقش سارتر الرؤية الفلسفية التي تقول أن جوهر الانسان يختلف عن جوهر غيره من الكائنات مثل الحيوان, وركّز إهتمامه هل يمتلك الانسان جوهرا أو ماهية هي غير صفاته الخارجية المدركة أم لا يمتلك؟
- إعتبر سارتر ماهية أو جوهر الانسان هو عملية تصنيع ذاتي لبنية شخصية متمايزة عن غيرها, بمعنى الجوهر لا يمتلكه الانسان دفعة واحدة, بل يقوم بإنشائه بتراكم تجاربي معرفي خبراتي مدى الحياة. لكنه يبدو كان مترددا في حسم هذا الموضوع الفلسفي بما ادرجه دليل ذلك عبارته " جوهر الانسان الحقيقي أنه لا يمتلك جوهرا".
- الجوهر الانساني لا يكون موضوعا مدركا من غيره المشارك له بالنوع.
- الجوهر لا يمكن التحقق الادراكي من وجوده أوعدم وجوده لذا يكون قريبا من مبحث الميتافيزيقا.
مرت بنا عبارة لسارتر ليست عبقرية فلسفيا وحسب بل هي إقفال لمبحث فلسفي دام قرونا طويلة بلا معنى لخصّه سارتر قوله ( جوهر الانسان أن يكون بلا جوهر). لمّا كان الفلاسفة عجزوا عن حسم مسالة نقاشية فلسفية رافقت تاريخ الفلسفة قرونا طويلة , فلا أقل من إعتبار عبارة سارتر هي المسّلمة الحقيقية الواجب إعتمادها ليس في الهروب من مواجهة حلها الى امام بل عن قناعة فلسفية صحيحة تماما في الخلاص من سفسطة فلسفية لا نتيجة ولا مخرج منها يشوبها الشك الفلسفي الملازم لها.
(5) الماهية او الجوهر الفلسفي
يرى جون لوك أن كل شيء بالوجود في الطبيعة من كائنات حّية هي متغيرة بالصفات والماهية ما عدا الله الذي خلق هذه الكائنات فهو ثابت غير مدرك الوجود والتعّين العقلي المحدود لنا.
الحقيقة الطبيعية في التغيير والسيرورة والتحولات ليست بحاجة كثير عناء لمعرفتها وإدراكها بعد إكتشاف الانسان لها قوانين طبيعية ثابتة تحكم الطبيعة والانسان وجميع الكائنات ولا تسري على الخالق الذي أوجدها, كوننا ندركها في الطبيعة ولا نستطيع تحقق إدراكها من عدمه في الله. فمحدودية الادراك العقلي للانسان تجعله عاجزا التمييز بين ما هو صفات غير مدركة بالخالق أو ماهيّة غير مدركة ايضا له.
لقد وضع جون لوك بلا قصدية منه اللبنات الاساسية التي أقام عليها فيما بعد داروين في القرن التاسع عشر وضع مؤلفه الشهير أصل الانواع. ويذهب بعض الفلاسفة الى إمكانية صياغة ماهيّات حقيقية للأعراض الصفاتية أو المدركة كما هو الحال معنا في علم الهندسة اننا نعرف ماهية المثلث من مجموع صفاته وهي ثلاثة اعضاء ومجموع زواياه 180 درجة, وكل تغيير يطرأ على هذه الصفات يفقد المثلث ماهيته الثابتة , ويمكننا التعميم أكثر في ثبات ماهيّة الحيوان المستخلصة من مجموع صفاته الخارجية الثابتة. لكن يوجد نقد فلسفي لهذه الأطروحة لا بأس من المرور السريع عليها.
توجد معلومة فلسفية تذهب الى أن مجموع خصائص أجزاء الكل لا تمّثل خاصيته الكليّة. وبرهان هذه المعلومة الفلسفية نجده في الفلسفة الماركسية في القانون الثاني من الجدلية المادية في تحول المتراكمات الكمية الى إستحداث طفرة هي حالة نوعية جديدة لا تشبه خصائصها خصائص مكونات أجزائها. فمثلا من صفات الاحجار في تراكمها الكمي لا تشكل سدا او لا تشكل حائطا, لكن عندما تتدخل الارادة الانسانية في ترصيف هذه الاحجار على وفق مواصفات غير كميّة عشوائية نستطيع بناء حائط من تلك الاحجار أو بناء سد حجري يقطع مجرى مائي مثلا فيكون الحجر لإكتسب صفة نوعية لم يكن يمتلكها وهي حجر متراكم فوق بعضه.
ويضرب جون لوك مثلا لا يسنده الى الماركسية التي ظهرت بعده قوله كل شيء في الوجود متغيّر ما عدا الله فهو ثابت, لذا نجد أن العشب الذي يقتاته الحيوان يتحول الى لحم ضأن نأكله. ويمضي لوك في مثاله قائلا الكلمة المفردة لا تفقد المعنى الحقيقي في الدلالة الشيئية المتطابقة معها, فكلمة عشب بقيت كما هي في دلالتها التي لم تفقدها حين تحوّلت الى لحم ضأن.
حسب مذهب لوك الفلسفي يمكننا القول أن ماهية الشيء كجوهر هو محصلة تجميعات فكرية عنه بالذهن.- هنا لدينا تحفظ لا مجال التقاطع معه بتفصيل هو الذهن ليس مستودع تجميع الافكار بل هو طريق مرور الانطباعات عبره الى الدماغ - الذهن حسب رؤية جون لوك يجعل من تكوينات صفات جزئية لشيء جوهرا خفيّا لذلك الشيء لا يدركه العقل كماهيّة. طبعا الإعتراض على مقولة جون لوك ليس فقط أن صفات الشيء المدركة لا تمّثل جوهر ذلك الشيء بإستثناء صفات الحيوان الخارجية بمجموعها تكون جوهرا لماهيته في تطابقها مع الصفات الخارجية المكونة لماهيته الحيوانية. بل الخطأ القاتل الاكبر أن الذهن الذي هو حلقة تجريد إدراكي معرفي لا يستطيع انتاج ماهيات وجواهر لاشياء لا يدركها العقل وهو محال.
**** حين تعامل ديكارت في توصيفه العقل على أنه جوهرغير فيزيائي ماهيته التفكير, كان يعتبر العقل جوهرا تجريديا وغير عضوي ويمكن خلوده بعد موت الجسم. والحقيقة التي يتعامل معها الفلاسفة أن العقل سواء كعضو بيولوجي داخل جمجمة الانسان, هو نفس العقل غير الفيزيائي التجريدي , فكلاهما في الحالتين ينتجان الافكار التجريدية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فرنسا: شرطة باريس تفرق مظاهرة داعمة للفلسطينيين


.. استبعاد التوصل إلى حل لاتفاق إيران النووي قبل 21 مايو| #راد


.. تعرف على المدن المختلطة التي شهدت مواجهات بين فلسطيني الداخل




.. جامعة روسيا للصداقة في قائمة أفضل 100 جامعة


.. صور لما يعتقد أنه استهداف برج مشتهى غرب غزة