الحوار المتمدن - موبايل


رهط من الرجال

فاتن نور

2021 / 3 / 29
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات


عندما نضع في كفة ميزان امرأة بقامة فكرية عالمية سامقة، ونضع في الكفة الأخرى رهطاً من الرجال، أي رهط غير معرّف؛ ونفعل هذا في معرض الإشادة بوزن المرأة وإرثها النضالي؛ فإننا نكشف، سهواً، عن مساحة البؤس الإجتماعي المتجذّر فينا. وتذهب إشادتنا بالمرأة في مهب الريح.
المعرّف لا يشاد به بنكرات.
هي امرأة عظيمة بعشرة رجال / هو رجل عظيم بعشر نساء
في الجملتين، ثمة إشادة ضمنية بعشرة أشخاص نكرات، لا نعرف عنهم أكثر من جنسهم. بمعنى، إسباغ عظمة لا مسوغ لها على جنس الرجال في الجملة الأولى، وعلى جنس النساء في الثانية. فعشرة من الرجال، لا على التعيين، يعادلون امرأة عظيمة ومعرّفة بعظمتها. هكذا نحطّ من قيمة امرأة في معرض تثمين قيمتها، عندما يغلبنا التصوّر النمطي المتداول عن كل جنس.
وهذا هو هراء الجنوسة العنصري لمن لا يعرفه. وجيفة البئر المتوارثة والمحميّة من الضياع، التي لا ينجو من روائحها النفاثة، حتى أهل الفكر والثقافة. والمهتمون منهم بقضية المرأة والعقل ضد النقل السلفي.
بيد أن الإشادة برهط من النساء النكرات، في معرض الإشادة برجل معرّف بعظمته، بوضعهنّ في كفة الميزان بالمقابل؛ ليس لها تلك السوق الرائجة. ومن الحيف أن يكون. لكنها قد تبين الحيف النظير في مقولة الإتجاه الآخر الشائعة.

وكثرما يحصل مثل هذا السهو الثقيل عند الحديث عن المرأة، فيقع المتحدث المناصر لقضيتها في مطبات الفهم العرفي-التراثي السائد عنها. حيث تلوح ظلال الصورة الرجعية والنظرة الدونيّة في أفق تناوله وفي خضم تعريته للأعراف البالية والمفاهيم المنتهية الصلاحية.
فالتقّول مثلاً، بتسخير المرأة واستغلالها في سوق التجارة الإباحيّة، هو بحد ذاته انتقاص من شأن المرأة ووضعها في منزلة متدنّية عن الرجل. ولا يختلف تصويرها كسلعة تتقاذفها سوح الإبتذال والتجارة الرخيصة، عن نظرة التشييء التراثي المتداول، باعتبار المرأة سلعة تنتقل ملكيتها من سلطة الأب إلى سلطة الزوج. من المؤسف أننا لا نكف عن تسليع المرأة سهواً، وتهزيلها حتى في أوج الدفاع عنها.

ضغط الحياة، والصراع المستميت من أجل البقاء؛ قد يدفع الإنسان إلى خرق المحظورات الإجتماعية والأخلاقية من أجل العيش. فلا فاصلة هنا إذا كنا نتحدث عن قضية مساواة ولا نريد حيفاً بذكر أو أنثى، بتحميل أحدهما مسؤولية خيار الآخر. أو توريط كفة لتبرئة كفة والتعاطف معها كضحية في ميزان متهالك نريده أن يستقيم أفقياً، بتساوي كفتيه في تحمّل المسؤوليات. ومسؤولية الوصاية الذاتية قبل أي شيء.
تبقى السبل الإباحية سوق عمل مفتوحة لمن يريدها من الرجال والنساء، والنساء يدخلن السوق بعقولهن وإرادتهن كطريق مختصرة للتكسّب مثلما يدخلها الرجال. البدائل متوافرة دائماً لمن يريدها. واعتبار المرأة ضحية مُسخرَة، والتذرّع نيابة عنها بالعوز والحاجة وشظف العيش؛ ينطوي على تسقيط ضمني لعقلها وإرادتها.

حسناً.. هذا مشهد بسيط؛ أحدهم يحمل كاميرا ويصور فيديو لامرأة تنزع ثيابها وتستحم في حوض جاكوزي. في هذا العمل، من سخّر من؟
هل الرجل سخّر المرأة لإنتاج وتسويق فيلم إباحي، أم المرأة سخّرت الرجل، وسخرت كاميرته، معدّاته الفنية وحوضه الجاكوزي؟
أي سخرّت رأسمال مشروعه البورنوغرافي، فقط لتصويرها بوضع خاص لا جهد فيه، لكنه يجذب الزبائن ويفيض عليها برزق جزيل، غير آبهة بمسألة الأخلاق والشرف كزميلها الرجل تماماً.

وعلى المحك وخارج الصندوق: لماذ لا ننظر بعين المساواة في هكذا أحوال إذا كنا من دعاتها، ونتظلّم للمرأة والرجل على حد سواء؟
ولماذا نفترض ثمة تسخير من طرف لطرف، ولا ننظر للطرفين كطاقم عمل، لا أخلاقي بالمنظور الاجتماعي؟
وإذا كان صاحب رأس المال هو المُسـخِر، فقد سخّر ماله، وفي المقابل سخّرت المرأة ما هو ملك صرف لها. رأسمال مقابل رأسمال. وينبغي أن نتظلّم للأثنين إذا كنا مهتمون بالتظلّم، ونشهد عجلة الحياة المتسارعة وهي تدوس الرجل والمرأة بإملاءاتها، كما تدوسهما الحضارة بضروراتها غير الضرورية، وتسحب الاثنين إلى سوق رائجة تستقطب اعداداً هائلة من الزبائن المتزايدة بشكل مطرد.
يمكن لنا أن نتأمل تبادل المواقع بين الرجل والمرأة في المشهد، ربما ستفيض تساؤلات من نوع آخر تفيدنا كرياضية عقلية.
وبعد، كلنا مسخرون لهتك ما نستطيع هتكه في الوقت الصعب. ومسألة تسخير الإنسان للإنسان من ضروب الهتك القديم منذ البدء، وهو القضية الأهم العابرة للجنوسة.

وتبقى قضية المرأة جزء من واقع مخيض. ومن قضية أكبر من قضية جنس بعينه، قضية وعي عام وجهل متوارث، وحضارة ذكورية تسببت بكساد معرفي وركود، فلقت الإنسان إلى جبهتين يتمرغ بوحولها كلا الجنسين ويتبادلان الإمتهان والتحايا. وجهل بالعوامل الاقتصادية وأهمية الاستقلال للفرد للتخلص من سلطة العائل والتحرر من طاعة المعيل. وجهل بمفهوم الشرف. لأننا والحمد لله مؤمنون بالشرف السفليّ. وكرسنا ثقافتنا بما فيها من عدّة وعتاد لأجله.
لكننا قد ننجو، لو سقطت عنا بعض الأقنعة الثقيلة، وبدأ رهط من الرجال، ورهط من النساء، التفكير صدفة، خارج الصندوق.. ولو لبعض الوقت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الإمام الطيب | قضية سفر المرأة | الحلقة الخامسة والعشرون


.. بعد العثور على قدم صغيرة في معدتها.. علماء يكتشفون أن مومياء


.. فيديو: معركة حقوق المرأة ضد المجتمع الذكوري في كوسوفو




.. عبد الشافى و اوباما يلتقط الصور التذكارية مع الاطفال قبل بدء


.. قلوب عامرة - د. نادية عمارة ترد على سؤال بخصوص زكاة المال: ا