الحوار المتمدن - موبايل


الثقافة في الجزائر ودوامة الحزبية والتفاهة والاستحمار.

بلحسن سيد علي
كاتب ومفكر

(Bellahsene Sid Ali)

2021 / 3 / 29
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


في الفترة الأخيرة صببت اهتمامي على بعض النشاطات الثقافية التي تلت جائحة كورونا وخاصة تلك التي أقيمت من طرف وزارة الثقافة بعد اعلان افتتاح الدخول الثقافي 2020 /2021 إلى غاية آخر نشاط أقيم لحد كتابة هذا المقال، وأول ما يتوجب علي أن أفتتح به مقالي هو التنويه بأنه يهم كل فاعلي الثقافة بلا استثناء في الجزائر وعلى وجه الخصوص الجهات الرسمية والتجمعات الحزبية، ثم أن عدم حضوري في أي من النشاطات التي أجريت لا يمنعني من انتقادها إذ أن نقدي لا يمس أصحابها أو حاضريها أو كفاءتهم أو حتى إيجابيتهم ومساعيهم في تطوير الثقافة وخدمتها، إلا أن الثقافة في الجزائر من وجهة نظري ورغم كل الجهود المبذولة والتي كانت ستلقى كثيرا من الإشادة فقط ان تخلت عن الحزبية والنمطية في نشاطاتها وابتعدت عن مظاهر التفاهة على حد قول الفيلسوف الكندي آلان دونو وكذا توخي العمل في إطار وعي الاستحمار على حد قول الدكتور علي شريعتي، لم تزل بلا فاعلية حقيقية أو على الأقل لم تصل للفاعلية المرجوة.
إن كتلة النشاطات الثقافية التي عاينتها سواء المتعلقة بالجهات الرسمية كالوزارة أو الجمعيات ونوادي القراءة كما يسمونها تعاني في نظري من أمراض ثلاث، أولا نزوعها نحو الحزبية ثم تركيزها على التفاهة ثم السقوط في وعي الاستحمار عوض محاولة الوصول إلى وعي النباهة، والترتيب هنا لا يهمنا لأن هذه الأمراض متداخلة فيما بينها إذ يؤدي أحدها إلى الآخر في نظام يشبه الدوامة.
وإذا كان مالك بن نبي قد علمنا أن الثقافة هي نظرية في السلوك أولا إلا أني لم أزل أعتقد أنها نظرية في المعرفة أيضا ولربما كان دليلي على ما أذهب إليه هو الوعي الذي يوجه السلوك ويسبق عملية المعرفة والتثقيف قبل أن يتأثر بها، ولعل أهم درجات الوعي التي سنتكلم عنها هنا هو ما أسماه الدكتور علي شريعتي وعي النباهة في مقاومة وعي الاستحمار.
أول مشكلة لها علاقة بوعي الاستحمار هي مشكلة الاكتفاء، فالربط الغير مبرر بين التكريمات والجوائز وبين الندوات والمحاضرات نوع من الاستحمار لأنها ناتجة عن مشكلة الاكتفاء، يقول علي شريعتي: "يجب أن نكون نبيهين، ولا نتوهم أنفسنا مغتنين فكريا بالكفاءة العلمية، لأن تلك الكفاءة كاذبة، ومدعي الاكتفاء كاذب، وهذا النوع من الغش الذي يختص به المثقفون والمتنورون في زماننا" إذ أن التكريمات والجوائز في رأيي تأتي تابعة لفعل التثقيف في حين أن الندوات والمحاضرات تأتي لدراسة مسألة التثقيف أو إدارة عجلته، والجمع بينهما ناتج عن مشكلة الاكتفاء والتي بدورها ناتجة عن وعي الاستحمار الذي نشأت عليه الثقافة الجزائرية منذ الاستقلال إن لم أكن مخطأ، كما أن عدم الشعور بالمسؤولية اتجاه حركة التاريخ الذي يتطلب منا إنقاذ الثقافة من هذا الاستحمار هو نفسه استحمار وإن لم يكن مضاعف.
المرض الثاني الذي يشتق من مشكلة الاكتفاء هو مرض التحزب وعدم إدراج المهمشين ثقافيا والمختلفين أو الأقليات الثقافية (كما أسميها نسبة إلى فلسفة مدرسة فرانكفورت النقدية التي تربط الخلاص من مشاكل الحداثة وما بعد الحداثة بثورة الأقليات) والتركيز فقط على الخبرات المعروفة والكفاءات المكشوفة هو انحدار في دوامة التفاهة التي سنوضح معناها لاحقا في هذا المقال، وإذا لم يزل مصطلح الاستحمار يثير اشمئزاز كثير من القراء في حين أنه عند الأقلية الباقية لم يزل يحويه كثير من الغموض سنورد هذا النص من الدكتور علي شريعتي ليشرحه إذ يقول: "فمعنى الاستحمار إذا في تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره وتغيير مسيرته عن "النباهة الإنسانية" و"النباهة الاجتماعية" وأي دافع لتحريف الفرد أو الجماعة عن هاتين النباهتين أو أبعد منهما هو دافع استحمار ! وإن كان من أكثر الدوافع قدسية، وما البعد عن هاتين كذلك إلا وقوع في العبودية، والذهاب ضحية لقوة العدو والاستحمار المطلق". ولن نزيد على هذا النص شيئا ليس لأننا لا نستطيع الشرح أو البسط وإنما لضيق المقال.
لننتقل الآن لمرض التفاهة التي خصه الفيلسوف الكندي آلان دونو كتابا أسماه نظام التفاهة(la médiocrité)، إلا اني اعتبر التفاهة الموجودة عندنا أقرب إلى الدوامة منها إلى النظام، ولعل الذي يؤكد كلامي هو غياب الدراسات الثقافية الحقيقية في المجتمع الجزائري فلا الوزارة تقوم بدورها في هذا المجال ولا النظام الأكاديمي وإن وجدت على قلتها لا تلاقي اهتمام ما يعرفون بنوادي القراءة أو الجمعيات التي تهتم بفعل الثقافة، في حين عوض هذا النقص بالاهتمام بالرواية والأدب وكأن ذلك يغنينا عن دراسة مشكلاتنا الثقافية، أو كأن الحلول الكلية تكمن في الروايات بجيدها وهزيلها.
يقول ألان دونو: "إن التفاهة (بالفرنسية médiocrité) هو الاسم الذي يشير إلى ما هو متوسط تماما مثلما تشير كلمات supériorité و infériorité إلى ما هو أعلى وما هو أدنى... لكن مصطلح نظام التفاهة يفيد مرحلة المتوسط خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من متوسط.." والذي أراه من كل النشاطات الثقافية أنها تسير في نظام أشبه بدوامة يسيطر عليه المتوسط والضعيف على حساب الجيد والمتقن وإن حدث العكس كانت للصدفة الفضل أن تجعل الثاني في موضع الأول، وذلك راجع في نظري إلى غياب معايير واضحة المعالم تفصل التفاهة عن ما هو متميز وإبداع حقيقي، والأدلة على ما أذهب إليه ليس له علاقة بالأشخاص والكفاءات وإنما بالمشاريع والنشاطات بالدرجة الأولى قبل كل شيء وهذا أهم شيء في اعتقادي يجب أن يفهمه كل من له تأثير على الثقافة في مجتمعنا، ثم أن هذا التأصل للتفاهة في نشاطاتنا يقودنا إلى الحزبية التي تكلمنا عنها آنفا فغياب (النباهة) معايير حقيقية للفصل بين التفاهة وما هو أعلى قيمة منها يترك فجوة وفراغا لا يمكن ملأه إلا بأحزاب ثقافية أدبية تدور في دوامة لأنها تترفع تارة عن التفاهة وتسقط فيها حينا آخر فهي لم تبنى على معايير حقيقة وإنما على الصدف والتحزب والتكتل، وقد يكون دافع هذا التكتل والتحزب جيدا ونبيلا إلا أن سقوطه في دوامة التفاهة يجعل من نشاطه مخنوق بحبل التحزب والاستحمار.
وإذا كان كل ما ذكرنا من كلام نظري بحت فلماذا لا نضرب الأمثلة مباشرة من الواقع حتى نزيد كلامنا دقة ووضوحا، ولا أرى أحسن في ذلك من ذكر بعض مظاهر التحزب والتفاهة والاستحمار ولكن قبل ذلك أعود وأذكر بأن هذا التحليل ما هو إلا رأي شخصي وليس أحكام نلقها جزافا لذلك تأن صديقي القارئ ولا تلقي عليا الظنون.
من أكثر مظاهر الاستحمار ظهورا في النشاطات الثقافية حسب اعتقادي هي تقديم الخطاب العاطفي على الخطاب العلمي أو الفكري والعقلي أو النقدي، وعندما نقول الخطاب العلمي أو النقدي لا نقصد به بالضرورة الخطاب الأكاديمي لأن التركيز على هذا الخطاب أيضا يعتبر تحزبا كما سبق وشرحنا، المظهر الثاني الذي يظهر جليا لنا هو تقديم موضوعات أقل أهمية على حساب موضوعات أكثر أهمية فمثلا تقديم ما وراء الطبيعة وما يكتب فيها من روايات على الطبيعة ذاتها التي نحن منصهرون في كنفها ما هو إلا ناتج من وعي الاستحمار ولذلك تجد أن موضوعات مثل السحر والجن والخرافات تتصدر موضوعات الروايات، ثم أن استعمال لغة التعميم والمطلق والحصر والتمنيط في الدراسات النقدية هو استحمار لوعي القارئ لأن النقد مهما كانت قوته يبقى مقاربة على حد قول الدكتور محمد الأمين بحري.
لننتقل الآن لمظاهر التفاهة وهي الأكثر شيوعا وان كانت متداخلة مع سابقتها، إن تقديم المفضول مع وجود الفاضل وتقدم من هو ليس أهل لما قدم له ما هو إلا تكريس للتفاهة، كل تكرار في النشاطات أو الدراسات من دون هدف واضح المعالم هو أيضا تفاهة، كل تقديم لخطاب الحفظ والترديد على الخطاب النقدي والإبداعي هو أيضا تفاهة، كل إقصاء أو تهميش لأي مبدع بأي شكل من الأشكال حتى ولو لم يكن مقصودا يعتبر تفاهة في نظري، كل تقديم للاحتفال بالمنجز الثقافي على نقد هذا المنجز وإبراز محاسنه وإعلائها وتبيان مساوئه من أجل تجنبها يعتبر تفاهة، كل تكريم لمن لم يصل لدرجة التكريم على حساب من يستحق هذا التكريم فهو تفاهة أيضا، كل تنكر لما هو حضاري وتقليدي وأصيل في ثقافتنا في مقابل استيراد لما هو أجنبي حتى وإن كان عربي فهو أيضا تفاهة في نظرنا، ولو بقينا نضرب الأمثال لما توقفنا لأنها بكل صراحة عديدة وواضحة وان كانت تبدو لغالبية المثقفين بأنها ليست بهذه السوء والسبب هو أنهم قد درجوا عليها حتى أصيبوا بعمى الإلف فالتعود على التفاهة والاستحمار والتحزب يعميك عن رؤيتها وتشخيصها.
لننتقل الآن إلى ظاهرة التحزب الثقافي ونزيدها شيئا من التوضيح لأنها ظاهرة مركبة وتحوي كثير من النتائج الإيجابية إلا أنها نتائجها السلبية فتاكة ومضرة بالثقافة والمثقفين. ما معنى التحزب الثقافي؟ نعني به كل تجمع للمثقفين على شكل أحزاب تجمعهم رابطة معينة، وعادة ما تجدهم يتعصبون لهذه الرابطة ولا ينشطون إلا من خلالها ولا يسمحون لمن لا يرتبط معهم عن طريق هذه الرابطة بالانخراط في نشاطاتهم، هذا التحزب لا يكون دائما مقصودا، فالطلبة الجامعيين على سبيل المثال عندما يجتمعون ويتفقون على القيام بمجموعة من النشاطات الثقافية هم لا يدرون أنهم بتصرفهم هذا قد أنشئوا حزبا ثقافيا جديدا، إلا أنه وكما قلت آنفا فلهذا التحزب إيجابيات كثيرة وقد يكون في بعض الأحيان ضرورة ثقافية، لكن الذي نود أن نلفت انتباه المثقفين إليه في هذه المقالة هو أن بعض السلبيات في نظرنا مضرة حد الفتك بكل نشاط ثقافي يهدف لخدمة المصالح العامة وليس الفردية.
لكن قبل أن نخوض في عمق هذه الظاهرة دعونا نوضح نقطة مهمة قد تكلمنا عليها قبل قليل ألا وهي الرابطة الثقافية والتي تعد العمود الفقري لكل تحزب ثقافي، وحتى يتضح المقام سنضرب مثالا بالرابطة الأكاديمية في مقابل الرابطة الغير الأكاديمية، فالرابطة الأكاديمية هي التي تجمع الأكاديميين ضمن أحزاب أكاديمية بحيث لا يمارسون نشاطاتهم الثقافية إلا داخل أسوار هذه الرابطة وضمن أطرها وشروطها، في المقبال تجد الرابطة الغير أكاديمية وهي بطبيعة الحال الرابطة التي تجمع الغير أكاديميين في نشاطات ثقافية يمكن اعتبارها موازية لسابقتها، ولحد الآن وما ذكرناه في مثالنا لا ضير فيه لكن الضرر ينشأ من انعدام النشاط والتفاعل بين الرابطتين أو بين الحزبين ان صح التعبير، هذه المشكلة تؤدي بدورها إلى ظاهرة أكثر خطورة ألا وهي ظاهرة الإقصاء حتى وإن كان هذا الإقصاء غير مقصود، وعلى هذا النحو هناك عدة روابط ثقافية منها الروابط الأساسية كالرابطة الأكاديمية والرابطة الإيديولوجية والرابطة الجيلية (رابطة تجمع جيل بعينه) والرابطة النوعية (تجمع نوعا ثقافيا بعينه ) وغيرها، وهناك أيضا روابط ثانوية كالرابطة الشعرية أو الروائية أو المسرحية أو الفلسفية أو غيرها، ويمكن لهذه الروابط أن تتداخل لتشكل أحزاب داخل أحزاب فتسمى الأول الأحزاب الثانوية والثانية بالأحزاب الرئيسية وهذه نقطة إيجابية، أما سلبيات هذه الأحزاب التي سنخصها بالذكر في هذا المقال هي أولا إقصاء المهمشين ثقافيا أو كما أسميتهم بالأقليات الثقافية التي لا يمكن لها أن تتحزب أو لا يمكن لنشاطها أن يكون حزبيا لعدة اعتبارات، وهذا الإقصاء والتهميش سيؤدي بالضرورة إلى إخفاء ابداعات المهمشين وضياعها وسط الإبداع الحزبي وهذا أول الخطر، الخطر الثاني وهو الذي ينتج عن انعدام النشاط والتفاعل بين هذه الأحزاب هو طغيان بعض الأحزاب على الأخرى كأن يتقرب حزب معين من السلطة ويستفيد من النشاطات الوزارية وتقصى الأحزاب الأخرى، أو كأن يطغى حزب الروائيين مثلا على حزب القصاص في كل النشاطات الثقافية الأدبية، أما الخطر الأكبر هو أن يطغى حزب أساسي كبير يحوي داخله عدة أحزاب ثانوية وهذا الذي يحصل حسب نظري في الجزائر، وهذا الحزب هو الذي يسيطر على جل النشاطات الثقافية في الجزائر ألا وهو حزب التفاهة والإستحمار.
وعلى الرغم من أن حزب التفاهة الذي يسيطر على المشهد الثقافي في الجزائر أغلب مثقفيه أو لنقل عدد لا بأس به من المثقفين الذي ينشطون داخله هم وعلى فرديتهم مميزين ومؤهلين سواء كانوا أكاديميين أو غير أكاديميين ولنصفهم الآن مستخمين مصطلح النخبة للدلالة عليهم، إلا أن نشاطاتهم تنقصها الفاعلية وهذه الفاعلية ان انعدمت انعدم بطبيعة الحال تأثيرهم على المجتمع وعلى ثقافته، وهذه ربما يعتبرها البعض مفارقة، لكن بالنسبة لنا ليست كذلك لأن السقوط في حزب التفاهة هو الذي يحد من فاعليتهم ويجعلهم غير مؤثرين ثقافيا حتى وإن كان لكل واحد منهم فاعليته وتأثيره الفردي، إذن ومما سبق ومن وجهة نظري الشخصية فإن المشكلة تكمن بالدرجة الأولى في طبيعة النشاطات التي درجنا عليها والتي تكرس رابطة التفاهة وتجعلها حاكمة حتى على نخبة المثقفين، ولذلك كان لزاما علينا وعلى كل الفاعلين الثقافيين أن ينتبهوا لهذه النقطة فيا إما أن نترفع ونرقى بنشاطاتنا الثقافية إلى ما فوق التفاهمة ويا إما أن نقيم نشاطات ثقافية موازية لها، والحل الثاني قد بدأ يظهر مع بعض الأنشطة الجادة لكن للأسف حتى وإن كانت تبدوا في ظاهرها تسير بخطى ثابتة نحو تحسين مستوى الثقافة في الجزائر إلى أنها أصيبت بالداء نفسه الذي حاولت التملص منه، وإذا كان هدف هذه النشاطات النزول إلى الشارع لاكتساب الفاعلية فإن رفعها وتركيزها على التكريم والاحتفال عوض التركيز على العمل الثقافي ذاته والعكوف على تحسينه ودراسته جعلها تعود لتسقط في دوامة الحزبية والتفاهة والاستحمار.
وفي ختام هذا المقال سأقول جملة تلخص حال تفاهة هذه النشاطات: إن الثقافة في الجزائر بحاجة إلى فعل وفاعلية ونشاط وليس إلى تكريم وحفلات وتظاهرات ونشاطات جوفاء، وبحاجة إلى دراسة الفعل الثقافي والنمط الثقافي السائد وحال الثقافة الجزائرية وكيفية تنشيطها وتعديلها ضمن ما نسيمه بالمجتمع المعدل ثقافيا.
ماذا قدم أكبر فيلسوف أو روائي أو مثقف جزائري معاصر للثقافة الجزائرية وللمجتمع الجزائري؟ بكل صراحة جوابي هو مجرد كلام، نعم قد قدم كل ممن ذكرنا إبداعا وأعمالا منقطعة النظير ولكن بلا فاعلية، وحتى نجعل لهذه المنجزات فاعلية علينا أن نخصص لها نشاطات ثقافية نبيهة لكي تأثر في ثقافة المجتمع، والمثال الذي يحضرني حاليا هو ما يقام كل سنة من ندوات عن فكر مالك بن نبي، والسؤال ماذا استفدنا من كل تلك الندوات والدراسات؟ الجواب لا شيء سوى ضياع جهود من بذل جهده في تلك الندوات، والسبب في ذلك هو انعدام لمشروع ثقافي واضح المعالم ذو فعالية يمكننا من استغلال فلسفة مالك بن نبي في نشاطات مدروسة تمس المجتمع وتخرج من حزبيتها الأكاديمية، أعلم أن الفكرة قد لا تكون واضحة وأقصد بقولي فكرة النشاطات الثقافية النبيهة، لأنها بذاتها مشروع ثقافي مدروس بمنهجية وليست مجرد نشاطات عشوائية تسبقها العاطفة من أجل التغيير، فلو كان هذا المشروع (أي مشروع النشاطات الثقافية النبيهة) سينفذ من طرف الدولة أو السلطة أو وزارة الثقافة على وجه التحديد لكان الأمر أقل غموضا، فعوض أن تقام الندوة في وزارة الثقافة وفقط يمكن أن تقام مثيلتها في كل دار ثقافة وفي كل مكتبة بلدية، وكان يمكن أن تكفل الوزارة بطبع كتب مالك بن نبي والدراسات التي تجرى على فكره وتوزيعها بأسعار مدعمة على كل مكتبات الوطن حتى تكون في متناول جميع القراء وحتى الفقراء منهم، وكان يمكن أن تدخل هذه الندوات والمحاضرات إلى كل أطوار المدارس للتعريف بفكر وفلسفة مالك بن نبي، كل هذا وأكثر يمكن أن يقام فقط إذا كان المشروع مدروسا ويراد له أن يتحقق من طرف السلطة، أما إذا كان الأمر يخص المثقفين على اختلافهم واختلاف مشاربهم وتوجهاتهم فعندها أتفق مع من يراه مشروعا ضبابيا غير واضح المعالم، لكن هناك حل للخروج من هذه الأزمة في نظري ألا وهو تطهير نشاطاتنا الثقافية من الأمراض التي نحن بصدد تحليلها ألا وهي التحزب والتفاهة والاستحمار وهذا هو أول الغيث.
هذا الذي أود قوله باختصار شديد في هذا المقال وإذا كان له تأصيل وبسط واستزادة سيكون في مقالات لاحقة، وهو مجرد رأي شخصي لمواطن لم يرق بعد لمرتبة كاتب أو ناشط ثقافي أو مساهم في مثل هذه النشاطات بل يعتبر نفسه فقط محب للكتابة على طريقة سقراط حين قال: "أن لست حكيما أنا محب للحكمة (أي فيلسوفا)" ومحبتي للكتابة دفعتني لأقدم رأيي لمن هم أقدر مني على تحسين الأنشطة الثقافية في الجزائر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معادلة جديدة في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.. ما هي؟


.. الجيش الإسرائيلي يكثف غاراته على غزة


.. مقتل 11 فلسطينيا في غارات جديدة على غزة




.. ميشال أبو نجم: لا أعتقد أن هناك فروقا بين تصرحيات المندوب و


.. الشهوات | #بذور_الخير الحلقة الثلاثون