الحوار المتمدن - موبايل


تحرير الموانئ العمانية

سعد سوسه

2021 / 4 / 3
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ادى توحيد الامام ناصر بن مرشد معظم اجزاء عمان الداخلية ، الى تهيئة الظروف لبدء عملية تحرير السواحل من السيطرة البرتغالية ، تسنده جموع القبائل التي اندفعت معلنة
ولاءها له . وقد ساعد الامام ، على تنفيذ مهمته ، الضعف الذي اصاب الوجود البرتغالي في الخليج العربي، بعد سقوط (هرمز) اقوى قواعدهم عام 1622 ، واتخاذهم (مسقط) قاعدة بديلة ، وقد واتت الامام ناصر الفرصة لبدء عملياته ضد البرتغاليين ، عندما لجأ مانع بن سنان العميري حاكم سمايل الى البرتغاليين في مسقط بعد فشل تمرده . لذا وجه الامام القائد مسعود بن رمضان على راس جيش كبير في نهاية عام 1632 ، الى قاعدة الوجود البرتغالي في مسقط والتقى الجيش العماني القوات البرتغالية في الدويج ، قرب مطرح ، وفي القتال الذي تلا ذلك ، تم تدمير حصون المراقبة المشرفة على مسقط ، وقتل عدد كبير من البرتغاليين ، وانسحب الباقون الى الحصون الداخلية ، ولم يكن بمقدور القائد العماني ان يحقق نتيجة حاسمة ، بسبب الضعف الذي اصاب قواته ، وقوة تحصينات مسقط ، لهذا وافق على طلب الهدنة الذي تقدم به القائد البرتغالي ( 1 ) . ومما جاء في شروطها :
1- يتنازل البرتغاليون عن الاراضي والمباني العائدة لهم في صحار .
2- يدفع البرتغاليون جزية سنوية للامام ( 2 ) .
3- يعامل البرتغاليون المسلمين معاملة حسنة في مسقط ومطرح .
ان عدم تحقيق نتيجة حاسمة في معركة مطرح ، دفع الامام ناصر لوضع خطة بعيدة المدى ، تستند الى تجريد البرتغاليين من قواعدهم على طول الساحل ، قبل شن الهجوم الكبير على قاعدة ارتكازهم الرئيسة في مسقط . بعدها اخذ الامام وقواته بالاستعداد للحملة الثانية ، لتحرير بقية الموانئ العمانية ، فوجه اهتمامه نحو تحرير جلفار (راس الخيمة) من السيطرة الفارسية – البرتغالية المشتركة ، فوجه الامام حملة قوية اوكل قيادتها الى على بن احمد ، فسار الجيش الى جلفار ، وكان فيها قلعتان ، يسيطر البرتغاليون على واحدة منهما ، فضلا عن مرابطة سفينتين لهما في الميناء ، وكان الفرس يسيطرون على القلعة الاخرى وهي حصن يدعى "حصن الصير" (اضطر الفرس ، نتيجة لاستمرار القائد البرتغالي روي فرير في ازعاجهم ، الى طلب الصلح سنة 1630، وجاء في بنوده : السماح للبرتغاليين بممارسة التجارة في ميناء كونك الفارسي ، بالشروط نفسها التي يتاجر بها الانكليز في بندر عباس ، كما سمح للبرتغاليين بتاسيس معسكر لهم في جلفار ، وكان مجاورا لمعسكر الفرس فيها ، لكن انجازات روي فرير لم تدم طويلا ، فبعد موته في كانون الاول عام 1632 ، نجح الامام في انتزاع المدينة وطرد حاميتها الفارسية والبرتغالية .) ( 3 ) . يقيم فيه ناصر الدين العجمي ، فتقدمت القوات العمانية الى الحصن . وحاصرته ، وكانت الحامية الفارسية تتلقى الدعم من السفينتين الحربيتين البرتغاليتين ولهذا كان من المتعذر شن هجوم مباشر ، مما دفع القائد العماني الى ان يامر بالهجوم ليلا على برج مرتبط بالقعة ، وتمكنت القوة المهاجمة من الاستيلاء على البرج ، واندفعت مقتحمة القلعة ، وبعد قتال لم يستمر طويلا استسلمت الحامية الفارسية وخلال ذلك وصلت الى قوات الامام تعزيزات عسكرية جديدة ، يقودها خميس بن رمضان ، فاحكموا حصار القلعة البرتغالية، التي أضطر قائدها الى طلب الصلح مقابل اخلاء القلعة . وقام الامام بتعيين قائد الجيش علي بن احمد والياً على جلفار .
وبذلك تمّ تحرير ساحل السر (يطلق مصطلح (السر) على الساحل الشمالي لعمان ، الممتد من مضيق هرمز الى حدود امارة ابو ظبي الحالية . كلّه في تموز عام 1633 . وحاول الفرس اثر هذه الهزيمة الاستعانة بالانكليز ، والحصول على مساعدتهم في الاستيلاء على مسقط ، لكن المشروع فشل ، ولاسيما بعد ان اعدم الشاه صفي (1630-1642) حاكم شيراز في اذار عام 1633 . ان انتصار الامام في جلفار شجعه على مواصلة فتوحاته وتحرير صحار، فاعد لها حملة كبيرة ، بقيادة والي ليوا ، حافظ بن سيف عام 1633 . تقدمت القوات نحو صحار ، فدخلت ضواحيها في 6 اب ، وتجمعت في موضع (البدعة) ، حيث واجهت مقاومة ضارية من البرتغاليين ، الذين تحصنوا في قلعتها القوية ، ومن اجل احكام الحصار على المدافعين ، بنى القائد العماني قلعة قريبة من القلعة البرتغالية . ويذكر ابن قيصر ، ان القتال كان شديدا على العمانيين ، واستشهد عدد كبير منهم ، كان من بينهم القائد راشد بن عباد .
وفي هذا الوقت ، حاول الامام ناصر تشتيت قوة البرتغاليين المدافعين عن صحار ، وتخفيف الضغط عن قواته هناك ، فقام بالهجوم على مسقط ، بجيش قادهُ الشيخ خميس بن سعيد الشقصي( تذكر عائشة السيار ان سبب هذه الحملة هو تذرع الامام تاديب المسيحيين الذين رفضوا دفع الجزية المفروضة عليهم منذ سنتين سابقتين ، فضلاً عن سوء معاملتهم للمسلمين). الذي رابط في موقع قريب من مسقط لغرض اكمال التعبئة . وما ان سمع قائد الحامية البرتغالية بانباء هذا التحشيد حتى سارع بارسال مبعوثه الى القائد العماني ، يطلب الصلح وتم التوصل الى هدنة وافق البرتغاليون بموجبها على وقف القتال ، والسماح للعمانيين بالتجارة في مسقط . وبعد عقد الاتفاق ، سارع القائد الشقصي بارسال من يستطلع احوال البرتغاليين في مسقط وسار بقواته نحو مطرح ( 4 ) . حيث عقد اتفاق بين الجانبين ، تضمن .
1- تدمير البرتغاليين تحصيناتهم خارج مدينة مطرح .
2- تعهد البرتغاليين بدفع الجزية السنوية للامام .
3- السماح للعمانيين بحرية التجارة في المناطق التي يسيطر عليها البرتغاليون .
وفي السنة التالية 1634 ، عاود الامام نشاطاته الحربية ضد البرتغاليين ، فوجه جيشاً قوياً الى كل من صور وقريات ، بقيادة مسعود بن رمضان ، الذي فرض حصاراً شديداً على صور ، شل حركة البرتغاليين ، فاستسلموا وسلموا المدينة للعمانيين ، ثم توجه مسعود بعد ذلك الى قريات ، وحدث للبرتغاليين هناك ما حدث لهم في صور ، وبهذا استطاع الامام تحرير هاتين المدينتين الساحليتين من يد البرتغاليين ، الذين لم يبق لهم الان في عمان سوى مسقط ومطرح وقلعه صحار .
ويبدو ان تحرير صور وقريات لم يكن بالمهمة السهلة ، فقد كان التباين واضحا بين حجم وكفاءة القوتين المتحاربتين (العمانية والبرتغالية) ، فضلاً عن ان الوحدة الوطنية لم تكتمل بعد بما يتناسب واعباء المواجهة التي كانت تقتضي قدراً كبيراً من الانسجام والتلاحم ، في وقت اتيح للبرتغاليين استعادة انفاسهم منذ ان طردوا من هرمز سنة 1622 ، بسبب صراع القبائل فيما بينها ، والتحسن الملموس طرأ على العلاقات البرتغالية – الانكليزية منذ عام 1634 (ان تحسن العلاقات الاسبانية – الانكليزية سنة 1634 ، ادى الى تحسن العلاقات في الخليج العربي والمحيط الهندي ، فقد وقع نائب الملك البرتغالي مع المعتمد الانكليزي في ميناء سورات على هدنة عسكرية في مايس عام 1634 ، لوقف المصادمات المسلحة بينهما في تلك البقاع ، وفي السنة التالية اصدرت شركة الهند الشرقية تعليما الى وكلائها في الخليج العربي ولاسيما في بندر عباس بوجوب اتخاذ موقف الحياد في أي نزاع يحدث بين الفرس والبرتغاليين ، وقد تحولت هذه الهدنة العسكرية الى معاهدة صداقة وقعت بين الطرفين في 20 كانون الثاني ، عام 1636 في غوا ) ( 5 ) . التي تحولت الى صداقة وتعاون بين الجانبين، ولاسّيما بعد حصول البرتغال على استقلالها من اسبانيا عام 1640 وهذا ما يفسر الهدوء النسبي الذي امتازت به العلاقات العمانية - البرتغالية ، فقد برز صراع جديد بين الهولنديين والبرتغاليين ، الامر الذي منعهم من التعرض للمناطق التي حررها الامام ناصر ، مما اتاح للامام ان يكرس جهوده ، في هذه المدة لاخماد حركات التمرد التي واجهها .
راقب البرتغاليون تطورات الاوضاع الداخلية في البلاد ، واستغلوها في اعادة سيطرتهم على مدن صور وقريات كما بذلوا جهودا كبيرة لتشجيع الانشقاقات الداخلية ، فدعموا ، سنة 1643 ، حركة التمرد التي قام بها حاكم ليوا سيف بن محمد ، وساعدوه بقوة عسكرية ، لكن الامام سارع فاخمد هذا التمرد ، واوقع هزيمة منكرة بالقوة البرتغالية ، واسر افرداها ، واتبع هذا النصر بتطويق الحامية البرتغالية في صحار ، وبعد مقاومة غير مجدية استسلمت له . في السابع من تشرين الثاني عام 1643 ، وكان هذا الانجاز الكبير فاتحة لطرد البرتغاليين من بقية السواحل العمانية .
ان تحرير صحار المركز التجاري المهم ، من يد البرتغاليين كانت له نتائج سلبية على التجارة البرتغالية ، مما اربك تجارتهم في مسقط ، التي باتت من دون شك ستتعرض لهجمات العمانيين لاستردادها . وهذا ما حدث بالفعل ، فقد بدأت سيطرة البرتغاليين على عمان بالانكماش ، وبدأ الامام ناصر بشنّ هجمات لانتزاع مسقط من ايديهم منذ عام 1640 ، وان تلك الهجمات على الرغم من فشلها ادت في النهاية الى تحرير صحار في تشرين الثاني عام 1643 .
وفي عام 1648 ، أعدّ الامام ناصر حملة كبيرة ، اوكل قيادتها للشيخ مسعود بن رمضان، الذي فرض حصاراً على مسقط دام من السادس عشر من آب عام 1648 والى الحادي عشر من ايلول من العام نفسه ، وتمكنت قواته خلال هذا الحصار ، من هدم برج المراقبة الساحلي في مسقط ، فسارع البرتغاليون الى الدعوة لعقد اتفاقية سلام ، فكانت شروط العمانيين :
1- تسليم الحصون البرتغالية وتدميرها في صور قريات
2- الغاء الكمارك التي كان العمانيون يدفعونها على منتجاتهم القادمة من الداخل الى مسقط وتدمير سور المدينة .
3- ان يدفع البرتغاليون جزية سنوية مقدارها 200 الف بارادوس .
ولما راى البرتغاليون تلك الشروط ثقيلة عليهم ، حاولوا الاستمرار في المقاومة لمدة ستة اسابيع اخرى . اضطر بعدها القائد البرتغالي دوم جوليا دا نورونها Dom Juliao da Noronha) الى التوقيع على الاتفاقية في 31 تشرين الاول عام 1648 (وقع المعاهدة في ريام سلطان بن سيف اليعربي قائد قوات الامام وكلٍّ من الولاة راشد بن سالم وعلي بن عبد الله وسيف بن علي النزوي ممثلين للامام ودوم جولياو دا نورونها وفالنتين كوريا valentin Correa ومانويل فاريلا Manule Varella والراهب لويزدي ميك دي ديوس Luiz de Mach Deus ممثلين للبرتغاليين ، وقد اتفقوا على ان هذه الاتفاقية عقدت لتبقى قوية ولتمنح العلاقات بينهما استقرار كبيرا ). وبموجب تلك الاتفاقية وافق البرتغاليون على شروط الوفد العماني ، فضلا عن هدم حصن مطرح وتسليم الممتلكات البرتغالية في صحار ، ودفع جزية سنوية للعمانيين ، إلاّ ان قلعتي : الجلالي والميراني ، بقيتا بيد البرتغاليين .
إنّ اهم نصر حققه العمانيون في هذه الاتفاقية ، هو اعتراف البرتغاليين بحرية الملاحة العمانية في مسقط وبحر العرب ، ومرور السفن العمانية دون تفتيش ، وان كان عليها ان تتزود بتصاريح من المراكز البرتغالية عند عودتها ، فهي بمثابة جوازات للمرور تسمح لها بالابحار بحرية تامة مع أي نوع من البضائع ، والى أيٍّ من الموانئ .
اثارت انباء الحصار العربي للحامية البرتغالية ، قلقا كبيرا لدى السلطات البرتغالية في لشبونة ، ومستعمراتها في الهند ، فرفض ملك البرتغال جون الرابع John IV الشروط المذكورة انفا وعدها اهانة لبلاده ، فامر باستئناف الحرب ، وسارع نائب الملك في الهند فيليب ماسكارينهاسMascarenhas) الى ارسال جزء من الاسطول لنجدة الحامية البرتغالية ، منتصف كانون الثاني عام 1649 ، لكن بعد فوات الاوان ، اذ وصل بعد ان عقدت الاتفاقية ، فوجه اللوم الى دوم جولياو , متهماً اياه بالتقصير في مواجهة الحصار العربي ، وامر باعتقاله مع مراقب المالية ، وارسالهما الى كوا للتحقيق .
اصدر الملك البرتغالي جون الرابع اوامره ببذل كل جهد ممكن من اجل التمسك بمسقط ، وزيادة عدد السفن الحربية في الميناء ، ومنع العرب من البقاء في المدينة ، وتقوية حصن خصب ، لكن في الوقت الذي وصلت فيه تلك الاوامر الى غوا كان الامر قد خرج عن ارادة القادة البرتغاليين ، وكان العلم العماني يرتفع بشموخ على طول الساحل المحرّر .
وقبل ان يشهد الامام ناصر حرب التحرير الاخيرة ، وافته المنية في الرابع والعشرين من نيسان عام 1649 ، بعد ان إستمر حكمه حوالي ستة وعشرين عاما ، كرسها لتوحيد البلاد، وتحرير موانئها ، وقد دفن في مدينة نزوى .
وما ان اعلنت وفاته حتى اجتمع الفقهاء والقضاة والقادة لاختيار امام جديد ، وفي تلك الظروف الدقيقة التي كانت تمر بها البلاد ، ولاسيما ان معركة تحرير مسقط لم تحسم بعد ، كان من المتوقع ان يقع الاختيار على ابن عم الامام الراحل ، وقائد جيوشه سلطان بن سيف اليعربي (1649-1679) لما كان يتمتع به من صفات سديدة منها الحزم والشجاعة والجرأة والكفاءة العسكرية ( 6 ) . ويصفه السالمي بقوله : "انه كان للامام ناصر بن مرشد سيفاً وكفاً يبيد بها الاعداء" .
وتدون المؤرخة الفرنسية لوكور غرانميزون (Le Cour Grandmaison)
عن الامام سلطان بن سيف التالي : "ان سلطان بن سيف الاول ، الذي خلف ابن عمه ناصر ، هو الذي يعود اليه مجد اعادة الفتح هذا ، وقد بذل هذا الاستراتيجي الفذ نشاطاً كثيفاً على امتداد البلاد ، التي كانت تعيش حالة سلام مؤقت ، وزّود البلاد ببحرية قوية كفيلة بتأمين انتصاره على البرتغاليين" . نلتقي في مقال اخر
المصادر
1 . صالح العابد ، تحرير سواحل عمان من الهيمنة البرتغالية 1632-1650 ، محاضرات الدورة التاسعة في سلطنة عمان ، المعهد الدبلوماسي ، 1994، ص27 .
2 . فالح حنظل ، المفصل في تاريخ الامارات العربية المتحدة ، ج1 ، ابو ظبي ، 1983، ص69 .
3 . بروفسور . بوكسر ، ملاحظات جديدة عن الصلات بين العمانين والبرتغالين 1613-1633 ندوة الدراسات العمانية ، المجلد ، سلطنة عمان ، 1981، ص211-212 ؛
4 . نور الدين السالمي ، تحفه الاعيان بسيرة اهل عمان ، ج2 ، ط5 ، 1974 ، الكويت ، ص12.
5 . محمود علي الداود ، العلاقات البرتغالية في الخليج العربي ، مجلة كلية الاداب ، جامعة بغداد ، العدد 2 ، 1960 ، ص252 .
6 . غانم محمد رميض العجيلي، معركة تحرير مسقط، مجلة الوثيقة، العدد 12، السنة 6، البحرين، 1988، ص108.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ...شراكة أمنية بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطاني


.. -أبل ووتش سيريس 7-.. تعرف إلى مميزات وسعر ساعة أبل الجديدة


.. الحكومة الجديدة في لبنان.. نجاح أم فشل؟ | #حوار_بلس




.. ما هي خيارات النجاح والفشل للحكومة اللبنانية الجديدة؟ | #حوا


.. كتاب -الثائر- يحتفي بمشوار 50 عاماً للمخرج المصري الكبير علي