الحوار المتمدن - موبايل


رواية (بيت بثلاثة جدران)-فصل -3

فرياد إبراهيم

2021 / 4 / 7
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات


رواية (بيت بثلاثة جدران)
تأليف: فرياد إبراهيم
فصل (3 )

كان العلامة محافظا جدا لما كان يتمتع به من مركز معروف يُشهد له في الأوساط العامة والخاصة، فحظي بإحترام العامة والخاصة وكان معروفا بحكمته ورجاحة عقله وحسن رأيه ، وقصده المتنازعون والمتشاجرن لحل خلافاتهم بآرائه السديدة وتقيد النصح وايجاد الحلول، ومما زاد هذا الإحترام انه كان يزور الفقراء البائسين والأرامل ويعطي من ماله للأيتام ، فان كان لديه غزارة في المال زار الفقراء وان كان لديه الندرة وشح ماله زار الأغنياء من معارفه وأصدقائه يحثهم ويذكر لهم محاسن العطاء والصدقة مستشهدا بأبيات الشعراء واقوال الحكماء وما كان يحفظه عن ظهر قلب، فقد كان يتمتع بذاكرة قوية حادة لا يجاريه في ذلك إنسان، فكان يقول مثلا :" اعط قليلا من كثيرك بذلك تتجنب طمع الفقير وحسد الحاسد وتطفئ نار الجوع وحرارة الضامئ وتدفئ العريان من جيرانك ، اعلم انك لن تسلم من لسانهم ولا من ايديهم ان امتلكوا لا شئ وانت تملك كل شئ" ويستشهد بآيات من القرآن ، وأحاديث النبي (محمد)، واقوال الأديب والشاعر والرسام الفرنسي فكتور هوغو و واقوال الأديب والشاعر والرسام الامريكي جبران خليل جبران وأشعار الشعراء الكرد الكلاسيك كالفيسلوف والحكيم (نالى) ، وشاعر الغزل الروحي الصوفي(ملا جزيري) وشاعر الغزل الحلال الروحي (وفايى) ، و (قانع) شاعر الكادحين والذي قال عنه انه قابله يوما في قريته وكلمّه شخصيا وكان يشكو من تراخوما في عينيه فكانتا تسيلان دمعا، وكذلك الشاعر الحكيم الفارسي سعدي الشيرازى وحافظ وجامي وعطار والرومي مولانا جلال الدين، وشمس التبريزي وغيرهم من شعراء العرب كالمتنبي والمعري وابي العتاهية وغيرهم المئات شعرا ونثرا.
فكان يتعمق جدا في الشؤون الإجتماعية وامراضه كالفقر والجهل واوضاعه الصحية ، وكان يؤمن بالعدالة الاجتماعية، و ان معظم الجرائم سببها الفقر ، فقد اثبتت التجارب، انه 90 % من الجرائم والسرقة والنهب حتى القتل سببه ذلك الفقر . في باب( الجرائم والعقاب) سجل نقاطا عدة في هذا الموضوع فكان يقرأ عليهم ولكن يقرأ اولا على زوجه في البيت ويعيد القراءة المرة تلو الاخرى حتى يحفظه ، فكان يقول لها: (من علّم الآخرين كمن تعلّم مرتين.) وكان يختار من الاقتباسات اكثرها تأثيرا والاقوال الرقيقة الحكيمة التي تلامس الوجدان وتخاطب القلوب اليائسة الحزينة ، فكانت كلماته بلسما تداوي جراح الثكالى وتمسح دموع اليتامى وتلقي السكينة في قلوب التعساء والفقراء وتهدي من ضل عن الطريق ، ويُبكي المستمعين في الجامع وفي المآتم ومجالس الفاتحة باقواله المؤثرة المعبرة الحكيمة. الى جانب ذلك كان معينه لا ينضب من احاديث شيقة وقصص واقعية ونكات نادرة وقصص طريفة ، واشتهر بروح المرح و الفكاهة والظرافة .فمثلا ان رأى احد اصدقائه عبوسا وجوما لا يتكلم ولا يضحك، حدثه قائلا: يا فلان الا تعلم بأن الانسان حيوان ضاحك، فإن لم تضحك فأنت حمار ناهق.
وكان العلامة يُبارِك حيثما مرّ وحيثما حلّ أو رحَل.
كان يبدو شابا في أعين البعض وهرما في عيون الآخرين وقد حرص أن لا يخبر أحدا بعمره الحقيقي فان سأله أحد او تجرأ ان يسأله أجاب: أشعر بأنني أبن الثلاثين. العمر هو ما تشعر وتحسّ به، ويُعد بالنشاط العقلي والحركي لا بالسنين.
والامر الذي لم يعلمه أحد انه كان يصبغ شعره بالحناء على سنة نبيه واعتبر ذلك سنة متبعة واستكره استعمال الأصباغ باعتبارها تقليدا لغير دينه. وأخفى عمره حتى على زوجته ، فإن سألته كم عمره ، قال : عندما نشبت الحرب العالمية الأولى كنت صبيا بعمر حمكو ، ولم تعرف مريم ابدا متى اندلعت هذه الحرب وبالنتيجة لم تتوصل أبدا الى حقيقة عمره الحقيقي. ورغم عمره الذي تجاوز الخمسين ومع رصانته وجديته في الأمور التي تتطلب الجد حتى في المواقف التافهة كان يميل الى روح الظرافة. وهذه الميزة كانت نابعة من تواضعه في كل شئ وزهده في المأكل والمشرب والملبس حتى ان زوجته شكته كثيرا رثة وقدم عهد ملابسه التي كانت عبارة عن سروال ابيض فوقه رداء رمادي اللون - طويل يصل الكوعين حتى يضطر ان سار في طريق موحل ان يرفع كم ردائه ، فقد عرف عنه بأنه يملك قدرة خارقة في سرد المواقف الطريفة والظريفة والبث في الأمور وكل ذلك بروح ودعابة، وكان يخوض في أحاديث شيقة مع كل من في نفسه رغبة في الإستماع. فكان لديه خزين هائل من هذه الطرائف فان مرّ بجمع من الولدان يلعبون ويمرحون ويضحكون فكان يقول: تمتعوا العمر قصير ستشيبون بسرعة ، هذه الدنيا هي كل ما لديكم والآخرة غير مضمون ، الهوا في حدود المعقول، والإثم ان كان قليلا صغيرا جائز ، لكن اجتنبوا الكبائر. " فيطيرون اليه ويتجمعون حوله كالزنابير وكان يسمح لهم طرح اسئلتهم وهم وقوف وفي الساحات العامة وفي الحدائق والسوق، وكان يحب التحدث الى الشباب لانه كان يعتبرهم النواة ولب المجتمع فكان يقول: الرجل والمرأة وما تجاوز سن الثلاثين لا ينفع معهم الكلام فقد شبّوا وشابوا على ما هم عليه الآن ، لا قوة تزعزعهم عن مواقفهم ونظرتهم الى الأمور وتعاملهم مع القضايا المختلفة اجتماعية تربوية دينية وغيرها ، لكن الشباب عرضة للتغير متفتحون ويتقبلون الآراء والأفكار الجديدة بسهولة ومرونة. فكان يصب اهتمامه في الشباب دون الثلاثين والمراهقين. جاء اليه بعض الشبان في المركز الثقافي الموسوعي وكان قد خصص حجرة صغيرة لمثل هذه اللقاءات في ركن من اركان المبنى الضخم نسبيا، فكان يسمح لهم بتوجيه كل ما يتبادر الى اذهانهم من اسئلة واستفسارات وبلا حياء ولا منة ولا تردد ولا خوف. وبما ان غالبية اولياء امورهم واكثرهم كانوا من الطبقة الكادحة غير المثقفة وغير المتعلمة لم تكن بحوزتهم اجوبة مقنعة عن اسئلة الجيل الجديد الذي بدأ يقرأ الجرائد والمجلات ويستمع الى الاذاعات المختلفة على الهواء وحتى الاذاعات الممنوعة من قبل آبائهم كونها تقدم برامج جريئة وبعضها ما اعتبروه منافيا للتقاليد والعرف المتعارف عليه ، وهكذا وبطرق اخرى كالسفر والسياحة الى المدن تمكنوا من الإطلاع على بعض التطورات الجديدة في العالم وخاصة الغربي وتطوير اسلوب انتقادي في تعاملهم مع الامور وعدم رضوخهم الكامل لإرادة اولياء امورهم سواء في البيت او في خارجه فنشأت تدريجيا روح تمرد ورغبة في التجديد والتغيير في نفوسهم. فكانوا، اي هذه النخبة، يجدون في امثال العلامة وبعض رجال الدين المنفتحين المعتدلين ومعلمي المدارس وبعض الكتاب قدوة لهم وملاذا لهم في بث افكارهم وأرائهم وطرح أسئلتهم التي لولاه لبقيت ابد الدهر عالقة غير مُجابة.
قرأ يوما شعرا لجمع من الشباب امام باب المركز:
الا ليت الشباب يعود يوما..فأخبره بما فعل المشيب
فسأله احد هؤلاء الشباب : "هل ترينا حضرة العلامة علامَ تدل على شيبك، اراك شابا نشيطا واكثر نشاطا وحيوية مني."
فما كان منه الا رفع عمامته البنية المتميزة المخططة بخيوط سوداء وخضراء فاتحة تميل الى اليمين دائما حتى ان بعضهم علقوا عليه بأنه يميني. "هذا ما يحصل لكم مشيرا الى صدغه حيث زالت منه الحناء الذي كان يصبغ بها مرة في الشهر. "
"لم يحصل شئ وحتى ولو فانت نشيط واكثر نشاطا منا." كان جوابه.
فواجهه بالقول:
"صحيح فأنا شاب لكنني جاوزت الخمسين. يقول الشاعر:
وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حد الاربعينِ
فالأربعين سن الكمال والخمسين سن بداية الكهولة. "
بعد لحظة صمت عاد يقول:" في كل الاحوال انا اكثر نشاطا منكم ، انتم شباب الفستق والكعك اما أنا فشباب البرغل والعدس، الشباب الذي عاش الـ (سفر برلك) وعانى منه." فغرت الافواه والعيون وتهامس الجمع فيما بينهم حول معنى الكلمة.
فطفق يشرح لهم ما معنى العبارة وفحواها:
(السفر برلك- كلمتان نزلتا على الأسماع كالصاعقة كلمتان خبأتا بين حروفهما الرعب المزلزل لأسر وعائلات المدن والقرى، الذين تحصنوا داخل بيوتهم وهربوا إلى البساتين والجبال خوفاً من الخطف المباغت من الجنود الأتراك، ولم ينج من حممها إلا القليل النادر، روايات كثيرة، مؤلمة محزنة.
قام الأتراك في تلك الفترة الزمنية بإعلان النفير العام للحرب العالمية الاولى ، ومارس عسكرهم سطوتهم بمطاردة الشباب، ليتم إرسالهم إلى ساحة الوغى في أصقاع أوروبا، وعرف عند أهل الشام أن من يذهب لساحات تلك الحرب نادراً ما يعود ولا أحد يعرف في أي جبهة عسكرية قد حارب، ولا أين مات أو دفن؟
كانت من تبعات الحرب هذه المجاعة المشهورة التي أطلق عليها مجاعة «السفر برلك».)
وبعد ان القى ضوءا خاطفا على هذا الحدث المؤلم التفت الى الحاضرين ليستدرك: "حدث هذا في بلاد الشام ولكن آثارها انسحبت على كل المنطقة ومن ضمنها منطقتنا لولا الجبل لمتنا من الجوع، تذكروا ان تذكروا اسم الجبل وتحمدوه بعد كل صلاة فهو الذي قام ونيابة عن الله بتوفير المؤونة وقوت الحياة. "
ثم بعد ان ينتهي من القصة يضيف مفتخرا بنفسه: انا عايشت هذه الفترة وهذه احدى عوامل القوة.
ولكي يزيل مسحة الحزن التي تركته القصة الماساوية اقترب من احد الشباب ورفع طاقيته فبدت صلعته
فقال له لا تخف كل الفلاسفة كانوا صلع.
فبادره احدهم وكان شابا مفتول العضلات ذو شوارب كثة وكل المجانين صلع.
فجاء جوابه وسط نظرات الطلاب التواقة الى رده :" نعم العبقري هو اصلا مجنون سنحت له الفرصة والبيئة المناسبة لتنمية مواهبه عبقريته وان لم تتوفر له الظروف الموضوعية المناسبة لتحول الى مجنون كل المجانين كانوا عباقرة اغلقت امامهم السبل لاستغلال عبقريتهم وعقولهم المتطورة وذكائهم الخارق غير العادي.
كل العظماء كانوا مجانين في عيون المجانين قبل ان يكتشف المجانين انهم كانوا عظماء.
هذا كان يحدث احيانا في الباب وان سمح لهم بدخول الحجرة الصغيرة لغاص في بحر العلوم سموه بعضهم- مفتاح العلوم- مواضيع شتى خلبت البابهم، فتحدث عن العشق : نوعان عذري روحي وحسي: العذري الروحي ينقي القلب والروح
وقص عليهم تجربته الوحيدة مع الحب: ابي تحدث معي يوما لا امانعك ان تحب لكن الحب الروحي لا الحسي تشجعت يوما واعترفت له قائلا يوما بابا انا عاشق، فرشقني بنظرة غاضبة : صه يا ولد اتعلم ان العاشق لا يفصح ان افصح فهو ليس عاشقا حقيقيا بل عاشق حسي، اسمع ماذا يقول الشاعر العاشق للروح
الحب ما منع الكلام الالسنا واذ شكوى عاشق ما اعلنا
والآخر:
العي ان ذكر الحبيب بلاغة وفصاحة العشاق ان لا يفصحوا

وهكذا من الامور العقلية والدينية فلو تطرق الى امور دينية لابقاهم مشدوهين مستمعين اليه لا يرمض لهم جفن غير حاسين بالوقت فتمضي الساعات كالدقائق الى ان ينظر الى ساعته العتيقة التي زال منها لون الذهب: أعتذر اسمحوا لي... انهم ينتظروني في البيت ، وانه يؤمن بوجود الله لكنه لا يرى اهمية لوجود القسس ورجال الدين ، الله لا يحتاج الى وساطة او دليل انه يسمع ويرى، ضاربا مثلا هوغو ووصيته وتولستوى ونيتشه وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين.
ثم نصيحة الى الشباب اياكم ان تغتروا بخطب بعض رجال الدين المحرضة لهذا وذاك من قبيل الجهاد او الشهادة .
وحول الزواج باربعة فهو يفضل واحدة هل تجوز للمراة تتزوج اربعة رجال نفس الشئ.

وهذا المركز وهذه الشهرة وهذه المكانة الجليلة التي تمتع بها في المجتمع قوبل بها في داخل البيت بوجه آخر. فمبدأ التواضع والصراحة هذين لم يلقيا ترحابا في بعض المواقف. لأن مركزه والمكانة المحترمة التي تمتع بها كان باهض الثمن، وكان على الأطفال والزوجة دفع ثمنها في أغلب الأحيان. دفع الثمن هذا كان يتمثل في الظهور بالمظهر اللائق والحذر الدائم والإنتباه الى كل افعالهما واقوالهما كبيرة وصغيرة، فما اكثر ما سمعوه يقول : السمعة السمعة فهي فوق كل شئ الا انها دون الشرف منزلة ، ان تلوثت السمعة بما يشين قد يزول بعامل الزمن اما ان تلوث الشرف فلن يزول الا بالموت. كان دائم المراقبة لأطفاله وزوجته بدافع الحرص الشديد الذي بلغ مرحلة الهواجس والوساوس. لم يقصر معهم بشئ ووفر لهم كل مطالبهم وضمن لهم كل حاجياتهم الضرورية وحتى الكمالية من لعب وملابس غالية وأطعمة مغذية وادوات المدرسة والكتب والمجلات التي يختارها هو حتى ولو لم يلق رضاهم الكامل، واشترى لهم ما أرادوا واعطاهم حرية كافية ليتمتعوا بمتع الحياة ومباهجها لكن ضمن الحدود التي رسمها هو لهم ، لا هم.
وعندها يقول: أنا ابوكم رب الاسرة اعاملكم بلطف وأدللكم واحبكم ولسوف ابذل المستحيل في سبيل إسعادكم وتأمين مستقبلكم، لكن هيهات ان تزل اقدامكم هيهات ، وحينها ترونني انسانا آخر غير العلامة الذي تعرفونه.."
كان بود حمكو ان يستفسر منه معنى الشرف واين هو من الجسم؟ في القلب، في المعدة؟ في الأمعاء الغليظة؟ في السيقان، أو في الخصيتان والجهاز التناسلي الأنثوي؟"
لم يجرأ فقد كانت ملامح ابوه قد استحالت الى ملامح هارب من الجحيم، متجهمة مكفهرّة عصيّة عن المداراة. لاذ بالصمت وهو يقرّ في نفسه ان "الشرف" هو روح العلامة ان اصيبت مات العلامة. كان من السابق لأوانه ان يتفطن ويستنتج انه في هذا اليوم بالذات قد اجاب ضمنيا على سؤاله بنفسه وذلك ضمن خياراته وشكوكه: وهو الجهاز التناسلي الأنثوي. فقد كان اباه يشير الى امه واخته متى ما أتى على موضوع الشرف.
طالما قدم العلامة ارشاداته وايعازته الى الأم فيما يخص تصرفاتها خارج البيت وتعاملها مع الناس ، وكان ينبهها مرارا وتكرارا انه لا يخفي عليه شئ وان عليها ان لا تتبرج وتخرج من البيت محتشمة، وكان يركز على ولديه على ان يبتعدا عن أصدقاء السوء وان لا يثقا بأحد حتى بالملائكة فمعظم هؤلاء الملائكة شياطين في جسد إنسان. وهكذا..وكان و في كثير من المناسبات ولغير مناسبة يرفع صوته بالقول: انا انسان متواضع انظروا الى بيتي المتواضع لو أردت لكان لي قصر ، لكن ليس يعرف المرء بالقصور ، فصدري اوسع من كل القصور وسمعتي هذا فوق كل اعتبار واغلى من كل كنوز العالم. فأخذت مريم تتمتم يوما بين ثنيات اسنانها بصوت منخفض لكنه مسموع: لنر بماذا ستفيدك السمعة؟ يوما قالت له: بنظري السمعة هي قصر منيف، وان ملكت هذا ملكت قلوب الناس ، والمتواضع مرغوب من قبل العامة مكروه من قبل الخاصة وهذا الطرف اهم لانهم يملكون القوة وبيدهم نواصي الأمور. كلام واقعي، قال العلامة، لكنني اجد القوة هنا، وأخذ ينقر في جمجمته نقرا فيصدر صوتا كصوت الضرب على اليقطين. ثم رمق زوجته ليرى على وجهها امارات الخيبة فيحاول تطييب خاطرها وتسليتها وبث الامل في روحها التواقة الى بيت فسيح فيقول وهو يربت على كتفها بلطف: سيكون لك هذا حالما أحصل على ترقية فاطمأني.
فبما ان شرف الرجل كان مرتبطا بشرف المرأة والبنت فكانت هي والبنت دفعتا ألقسم الأعظم من كلفة السمعة والشرف. اتخذ العلامة الام في البداية كحلقة وسط في توصيل ارشاداته وتوجيهاته التي هي من اختصاص النساء: نبهيها مريم أن.... أن لا تقفز من مكان عالي هذا قد يسبب اذى لغشاء البكارة، وان لا تتكلم ولا تضحك في وجه احد من الرجال اوالفتيان ، ولا انت يا مريم؟ اتعلمين لماذا؟ لأن الضحك مفتاح كل الموبقات والفواحش. ضحكة المرأة دعوة صريحة للرجل ان يقوم بحماقات، بما انني انسان منور واعي مثقف فلن ارغمها على تغطية الشعر ولا الوجه ، فكم من وجه مستور ورؤوس محجبة ظاهرا عاريات باطنا، انما الروح هي التي يجب ان تستر بغلاف الطهر والعفة.
لحسن حظه جرت الأمور حسب ما يشتهيه. وزعم ان المرأة صارت حلقة في بنصره يديرها متى يشاء وكيفما شاء. فوكّل امور تربية الاطفال الى مريم فكان يخرج للعمل قرير العين مطمئنا. بين الحين والحين يقوم بالمراقبة بنفسه كي يتأكد بنفسه فيما لو كانت الامور تجري وفق المتفق عليه. فكان يعود مرة او مرتين في الشهر فجأة ودون سابق انذار او تنبيه الى البيت ويدخل ولا يدق الباب، ويتمتم في هذه المواقف مع نفسه: ان النفس لأمارة بالسوء الا ما شاء ربي. فبعدما يرى ان الامور عادية : مريم تطبخ ولوليتا في غرفتها تدرس وحمكو مع اصدقائه يلعب في الساحة المجاورة مع ابناء المحلة،يعود الى الدائرة مطمإنا.
"من هناك؟" يصله صوت مريم من باب المطبخ ممزوجا بصوت غليان الفاصوليا اليابسة وهسيس إناء القلي تحت الدجاج المحمرّ. ومن الباب يلوّح لها بشئ ، كتاب او دفتر او سجل أو ما الى ذلك، يخرجه من تحت قميصه، ويتظاهر انه نساه لدى خروجه في الصباح الباكر. ولم تتوصل مريم الى دواعي هذا الظهور المفاجي ، اذ كان لدى العلامة الكثير من المعاذير والحجج لهذه المبادرات الترصدية. ثم يندفع الى الخارج هاشا باشا فقد بلغ مُنيته ولم يُكتشف أمره.

*
يتبع فصل 4








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دراما رمضان | -للموت- مسلسل لبناني يحذر من تشوهات تصيب الأسر


.. إصابة 11 إسرائيليا في أسدود وعسقلان.. والصحة الفلسطينية: است


.. دراما رمضان | -للموت- مسلسل لبناني يحذر من تشوهات تصيب الأسر




.. مجوهرات بديلة للمقبلين على الزواج.. مسن يحول العملة السورية


.. الجزيرة تحاور الفتاة المقدسية مريم التي واجهت الاعتقال بالاب