الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


موكب نقل المومياوات الملكية قراءة فلسفية

محمد عرفات حجازي
كاتب وباحث أكاديمي ـ رئيس اتحاد الفلاسفة العرب

(Mohamed Arafat Hegazy)

2021 / 4 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أضحى العالم أجمع في حالة استعداد قُصوى لمُتابعة الحدث الأضخم: نقل المُومياوات الملكيّة من المتحف المصريّ بالتّحرير إلى المتحف القوميّ للحضارة المصريّة بالفسطاط، وذلك يوم السبت الماضي المُوافق 3/ 4/ 2021م، بما يُمثّله من إضافة فريدة للسّياحة والوعي الأثري، على المستويين: المحليّ والعالميّ.
وأمام تضارب الآراء حول الحدث: إذ يرى البعض أنّه من تداعيات سايكس بيكو: سنُخرج لهم قوميّاتهم قبل إسلامهم (الفرعونيّة؛ البابليّة؛ الآشوريّة... إلخ)؛ وتهكّم آخرون: نقل المومياوات يُثبت أنّ الإنسان في مصر غير مرتاح، حتى الموتى. بينما رأى آخرون أنّ السيسي يُكرم الأموات كما فعل مع الأحياء، وآواهم مدنًا جديدة. ووصفه البعض بالفرعون القادم من أعماق التاريخ ليتحدى أعداء مصر ويعلو بها فوق الرؤوس. فقد تساءل آخرون: ما الذي ورثناه ـ كشعب ودولة ـ من ماضينا الثقافي والحضاري الذي نحتفي به الآن؟، وما هو وزن ومكانة مصر الآن مقارنة بوزن ومكانة مصر القديمة التي نفتخر بها؟ وعلى هذا الأساس نقترح مُناقشة الموضوع من زاوية فلسفيّة. والطرح الفلسفيّ هنا لا يسعى إلى التّعقيد أو إرباك المُتلقِّي، بقدر ما يهدف الدخول لقلب الحدث؛ لأجل فهمه، ومحاولة الإجابة عن بعض التساؤلات الهامّة والملحّة من قبيل: لماذا النقل، وفي هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل هناك رسائل كليّة للشّعب المصريّ وللعالم؟ ثمّ ما هي دلالات الإضاءة والكلمات والألوان والموسيقى وغيرها؟
لو بدأنا بتاريخ الحدث (3/ 4/ 2021م)، وبتحليله فلكيًّا، لتوصّلنا إلى الرقم (3) ـ الذي يُعدّ ذبذبة موجات طاقة الكون وسطوع نجم الشعري اليمانية، وهو رمز الميلاد الجديد في علم الفلك المصريّ، والطّاقة النُّورانيّة القُصوى في الميثولوجيا المصريّة، وبالتّالي تكون الرّسالة الفلكيّة: هناك ميلاد جديد لمصر، ميلاد روحيّ وعمليّ.
وعلى مستوى الصورة، فإنّ إضافة مشهد الأطفال المُشاركين في وداع الملوك بالتّحرير، كأحد عناصر جمال الحدث، هو مشهدٌ يمزج بين السّعادة والشجن والأمل؛ سعادةٌ بتلك الوجوه الفرحة المُتطلِّعة لمُستقبلِ أفضل، والتي تُضاعف إيماننا العميق بحقّها في حياة كريمة. وشجنٌ من عجزنا عن رسم تلك الفرحة على وجوه أطفالها. وأملٌ في أن نتكاتف جميعًا، دولةً وشعبًا، عبر مشروعِ تربويّ ثقافيّ نُعيد من خلاله توحيد شعبنا على قيمِ مشتركة، نُؤكِّد من خلالها على ضرورة العدالة الاجتماعية والاعتزاز بالقيم وبالماضي العريق، والعمل لمستقبلِ أفضل.
أيضًا، فالأطباق المُضيئة التي ظهرت في الموكب، ترمز إلى قرص الشّمس (رع) الذي يُشعّ نوره لينير الظلام. وهي ذات الرسالة التي حملها المشهد الذي ظهرت فيه الفنانة منى زكي.
ومن خلال ملابس المُمثّلات والفرق الاستعراضيّة والأوركسترا، وألوان تلك الملابس التي تأرجحت بين الأبيض والأسود، وما يحمله اللونين من دلالات؛ فقد وضع مُصمّمو الأزياء المصريّون معيارًا جديدًا لتصميم الأزياء في كافة أرجاء المعمورة.
وقد اعتمدت الإضاءة على اللونين الأبيض والأزرق. الأبيض رمز النقاء والطهارة؛ والأزرق رمز الطاقة الإيجابيّة القُصوى.
إنّ الموسيقى أعماق العالم، ومُنقذةٌ له، وهي المادة الخام للإرادة بحسب الفيلسوف شوبنهاور. هي ليست أصوات فقط، بل أيضًا لغة الألم والمُعاناة، ووميض الحقيقة الخافت عن العالم الظاهر. وقد قال الفيلسوف الألمانيّ نيتشه: إنّ الموسيقى ألغت الكلمات التي كانت تقول إنّ الوجود كان خطئًا، وأنّها أعطت أجمل المعاني لمعنى الوجود والحياة.
وقامت موسيقى الحفل على النّاي والطبل والقيثارة، فجاءت المعزوفات مُتوافقة مع تردُّدات طاقة الإنسان، ورفعت المعنويّات، وولّدت شعورًا بالسلام الداخلي والفخر. ونقلت مشاعر الجلال والرّهبة والتّقديس لنفوس المُتابعين عبر العالم.
ولو عرجنا على الكلمات، نجد بدايةً أغنية: أنا المصري اللي من غيري ميزان الدنيا يختلّ، لمحمد منير، هي رسالة واضحة بأنّ مصر هي قوى الخير المنوط بها مُواجهة قوى الشرّ. وتتوالى كلماته وتدور حول محور العلم والإيمان الذي استطاع بهما المصريّ القديم كتابة التاريخ المُعجز حتى اللحظة الراهنة.. وهي ذات الرسالة التي تمّ تأكيدها من خلال حديث العديد من الفنّانين.
لقد تمّ اختيار أنشودة المهابة لإيزيس، أم حورس ـ سيد النور، الذي واجه ست (الشيطان) وهزمه وأنهى سيطرته على الأرض، وبالتالي فهي بمثابة رسالة من الأحفاد لمواجهة قوى الظلام. ناهيك عن مشهد زيارة الفنان خالد النبوي للمعبد اليهودي، وهو يُردّد فقرات الوصايا العشر، بمثابة رسالة أخرى للعالم أجمع.
لقد تمّ نقل المومياوات إلى مقرّهم الأخير؛ ليتمّ عرضهم للزّوار بالشّكل الذي يليق بمكانتهم العظيمة، وقيمتهم، وبالطريقة العلميّة المُتطوِّرة التي تضمن سلامة الحفاظ على حالتهم الأثريّة. ليُفصح لنا الحدث عن جهود جبّارة قامت بها الدولة المصريّة خلال السنوات الماضية، من استكشاف وإنشاء وترميم العديد من المعابد والمتاحف والكنائس وغيرها، في واقعة تصنع التاريخ والمستقبل، لتضع مصر، بذلك، الحضارة والآثار على رأس أولويّاتها، مُؤكّدةً إدراكها التام لقيمة إرثها الحضاريّ الفريد والحفاظ عليه، وتعطي العالم درسًا في احترام التاريخ والحضارة.
وقد جاء الحضور النسائيّ، في الحفل، بمثابة رسالة مُباشرة، قويّة واضحة وحازمة، للعالم أجمع، تحمل الاعتزاز بالمرأة المصرية ومكانتها.
إنّ هذا المهرجان الحضاريّ رسالةٌ من قاهرة المُعِزّ إلى العالم أجمع: الدولة المصريّة مُستقرّة ولا يتحكّم فيها إلا أبناؤها، بعد أن استيقظت مصر من سُباتها العميق وتطهّرت بالفنّ الجميل في صحوة حضاريّة غير مسبوقة. وبذلك، فقد قرّرت مصر أن تأخذ مكانتها في الحداثة بأصالتها، وصنعت تاريخًا مُوازيًا لتاريخنا استخرجت منه الحكم والعبر.. إنّها مصر التي لم تحتقر المرأة، بل كانت نساؤها ملكات؛ هي مصر التي عرفت الله الواحد الأحد قبل الأديان الإبراهيمية بمئات السنين؛ هي مصر التي ينطق كل حجر فيها: هنا كان مهندس عظيم، وهنا طبيب عظيم، وهنا كان بنّاء ماهر؛ هي مصر المصريّة التي لم يعرف أهلها حياة الجاهليّة ولم يعبدوا في أيّة فترة آلهة من العجوة.. هي مصر شاء من شاء وأبى من أبى..
وأمام هذا التّنظيم المُبدع، والتّناغم الرّائع، والإطلالة البهيّة، والتّصوير المُبهر بدون إرهاق للمشاهد، والاختيار الرائع للموسيقى والأوركسترا والمطربين، وإخراج الحدث بمستوى عالمي، نقول: أمام هذا النجاح المُبهر في إخراج الموكب الذهبيّ للملوك العظام، وإعطائه طابع ملحميّ ودينيّ وفنيّ وحضاريّ يليق بعظمة وتاريخ مصر، يمكننا التأكيد على وجود دولة ذات طابع حضاريّ من الطراز الرفيع، تحمل هويّة مُميّزة، تملك مُؤسّسات قويّة راسخة، ولديها من القدرة على إثارة سعادة الأشقاء، وإثارة مخاوف، بل وبثّ الرُّعب في نفوس الأعداء..
وأخيرًا، لا يسعنا إلا اقتباس تلك الكلمات..
إنّ مصــــــر لم تنمْ.. ما انهار شعبها العظيم ما انهدم؛
ولن يـــــــــــــــزل.. مُزوّدًا بأعرق القيم مُتوّج الأمل؛
في الأرض كالهرم.. وفي السمـــــــاء للذرى وللقمم..
وباللهجة المصريّة نقول:
دي حكاية شعب وأرض وناس.. ووطن دايمًا مرفــــــوع الراس..
وهيفضل كده لما شــــــاء الله؛
دي حكاية قديــــمة بقالها سنين.. وهتفضل عايشة ليــــــــوم الدين..
اللي يقول غير كده أتحــــــداه؛
وما بين الليل والنور فيه فرق..
وفي يوم طلعت شمس من الشرق نورت الدنيا أمل وحياة..
ده تــــاريخ الناس كلها عارفاه؛








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أوضاع مقلقة لتونس في حرية الصحافة


.. احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين: ماذا حدث في جامعة كاليفورنيا الأ




.. احتجاجات طلابية مؤيدة للفلسطينيين: هل ألقت كلمة بايدن الزيت


.. بانتظار رد حماس.. استمرار ضغوط عائلات الرهائن على حكومة الحر




.. الإكوادور: غواياكيل مرتع المافيا • فرانس 24 / FRANCE 24