الحوار المتمدن - موبايل


م 3 / ف 8 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 830

أحمد صبحى منصور

2021 / 4 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
شهر شعبان، أوله الأربعاء:
ميعاد البخارى
( فيه ابتدئ بقراءة الحديث النبوي بالقصر السلطاني من القلعة، على العادة التي استجدت، ورسم أن لا يحضر أحد من القضاة المعزولين، وأن لا يكون من الحاضرين بحث في حال القراء، وقد كان يقع بينهم في بحوثهم ما لا يليق.). عوقب القضاة المعزولون بالمنع من الحضور في هذا الاحتفال السلطانى الرسمي بتلاوة كتابهم المقدس في دينهم ( البخارى )، كما صدرت الأوامر للقضاة والفقهاء بعدم الجدال والمشاجرات أثناء ( ترتيل البخارى )، وأن يستمعوا له وأن ينصتوا لعلهم يُرجمون.!! ( بالجيم وليس بالحاء). برجاء عدم الضحك .!!
فساد القُضاة
( وفيه رسم بعزل نواب قضاة القضاة، وأن يقتصر الشافعي من نوابه على عشرة، والحنفي والمالكي كل منهما على ثمانية، والحنبلي على ثلاثة، فهمُّوا بذلك أو كادوا. ثم عادوا لما نهوا عنه، كما هي عادتهم .).
التعليق
تجذُّر الفساد في القُضاة وزعيمهم إبن حجر العسقلانى يكفى فيه قول المقريزى : ( فهمُّوا بذلك أو كادوا. ثم عادوا لما نهوا عنه، كما هي عادتهم .).
النيل
1 ـ ( وفي رابع عشره: أخذ قاع النيل بالمقياس، فكان خمسة أذرع، وخمسة عشر إصبعاً. )
2 ـ ( وفي يوم السبت خامس عشرينه- وسابع عشرين بؤونة-: ابتدئ بالنداء في الناس بزيادة النيل ثلاثة أصابع. )
نادرة أو مأساة : أمير القرعان
يقول المقريزى في أحداث شهر شعبان :
( وفيه أيضاً اتفق حادث فظيع، وهو أن بعض المماليك السلطانية الجراكسة انكشف رأسه بين يدي السلطان، فإذا هو أقرع، فسخر منه من هنالك من الجراكسة، فسأل السلطان أن يجعله كبير القرعان، ويوليه عليهم، فأجابه إلى ذلك، ورسم أن يكتب له به مرسوم سلطاني، وخلع عليه، فنزل وشق القاهرة بالخلعة في يوم الاثنين سابع عشرينه، وصار يأمر كل أحد بكشف رأسه حتى ينظر إن كان أقرع الرأس أو لا، وجعل على ذلك فرائض من المال؛ فعلى اليهودي مبلغ عينه، وعلى النصراني مبلغ، وعلى المسلم مبلغ، بحسب حاله ورتبته، ولم يتحاش من فعل ذلك مع أحد، حتى لقد فرض على الأمير الأقرع عشرة دنانير، وتجاوز حتى جعل الأصلع والأجلح في حكم الأقرع ليجبيه مالاً فكان هذا من شنائع القبائح، وقبائح الشنائع، فلما فحش أمره نودي بالقاهرة يا معشر القرعان لكم الأمان فكانت هذه مما يندر من الحوادث. )
تعليق
لماذا بدأ المقريزى هذه الحادثة بقوله : ( وفيه أيضاً اتفق حادث فظيع، ) ، وختمه بقوله : ( فكان هذا من شنائع القبائح، وقبائح الشنائع، فلما فحش أمره نودي بالقاهرة يا معشر القرعان لكم الأمان فكانت هذه مما يندر من الحوادث.)؟. المفهوم أن برسباى في جشعه رآها فرصة ليفرض ضرائب على القُرعان من الناس ، وأعطى هذا الأمير لقب ( كبير القُرعان ) ويكون واليا عليهم ، وأعطاه سُلطة كشف رءوس الناس لكشف من هو أقرع ومن هو صاحب ( جلحة أو صلعة ).هذا مفهوم ممّا عرفناه من تطرف برسباى في الجشع. ولكن هذا الخبر الطريف يعبر عن ثقافة ( تغطية الرأس ) التي سادت في العصر المملوكى ثم بادت. ونعطى عنها موجزا :
1 ـ في العصر المملوكي لم يكن فيه أحد من الناس يكشف رأسه إلا عندما تقع عليه مصيبة تخرجه عن عقله واحترامه لنفسه ورغبته في الحياة !! فحين مات ابن السلطان المملوكي المنصور قلاوون ليلة الجمعة 4 شعبان 679هـ حزن عليه السلطان حزنا شديدا ، وكان من مظاهر ذلك الحزن الهائل أن كشف السلطان رأسه !! رمي كلوتته -أي عمامته المملوكية – من على رأسه وأظهر للناس رأسه مكشوفة تعبر عن حزنه الفظيع لموت ابنه ( على بن قلاوون) ..قال المقريزي : " أظهر السلطان لموته جزعا مفرطا وصرخ بأعلى صوته : " واولداه " ، ورمى كلوتته من رأسه للأرض ، وبقي مكشوف الرأس إلا أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ : " واولداه" !! فعند ما عاينوه كذلك ألقوا كلوتاتهم عن رءوسهم وبكوا ساعة ، ثم أخذ الأمير طرنطاي النائب شاش السلطان من الأرض وناول الشاش للسلطان فدفعه وقال : " ايش أعمل بالملك بعد ولدي ".!، وامتنع عن لبسه ، فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان في لبس شاشه ويخضعون له في السؤال ساعة حتى أجابهم وغطى رأسه ..!!
2 : ونتخيل أن بعضهم كاد يضيع في شربة ماء ثم جاءه الفرج من حيث لا يتوقع ، عندئذ يعبر عن فرحه الشديد الجنوني بأن يخلع عمامته ويكشف رأسه ويدعو لمن جاءه بالفرج.. حدث هذا يوم الثلاثاء 18 رجب 876هـ حين أصابت السلطان قايتباي نوبة عدل فأخذ يعاقب أتباعه من الظلمة ويضربهم بين يديه في مجلسه السلطاني وظهرت براءة أحدهم فنجا ، ولما لم يكن مسموحا له أن يرقص أو يغني ليعبر عن فرحه- لذا فعل ما هو أخطر ـ كشف رأسه ودعا للسلطان !!
3 : ـ وكان التشهير أو التجريس من العقوبات المعروفة في العصر المملوكي ، ضمن عقوبات أخري مثل الضرب والتسمير والصلب . وكانوا يترفقون بالذي يجرسونه فلا يكشفون رأسه ، حتى لا تزداد عقوبته إذلالا . وظل ذلك حتي جاء المحتسب يشبك الجمالي وصار يعاقب الناس بالضرب والتشهير مع كشف الرأس ، والمؤرخ ابن الصيرفي الذي عاش هذا العهد يقول عن ذلك المحتسب وأفعاله " بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم فيضربه ثلاث علقات ... ويشهرونه بلا طرطور بل يكشفون رأسه . وهو الذي أحدث كشف الرأس مع أن جماعة كثيرين ممن فعل بهم ذلك عميوا وطرشوا فإن الواحد يكون ضعيف البصر أو به نزلة فيكشفون رأسه ويدورون به القاهرة فلا يرجع إلا بضر أو أمثال ذلك ". جعل المحتسب يشبك كشف الرأس عقوبة يذل بها خصومه وذلك 873هـ وكان الناس يعتقدون أن الذي تنكشف رأسه ويطاف به في القاهرة يصاب بالعمى والطرش ..!!
رُخص الأسعار مع بقاء الظلم
( وفي هذا الشهر: كثر رخاء الأسعار حتى أبيع كل أربعة أردب شعير بدينار، وفي الريف كل خمسة أرادب بدينار، وأبيع الفول كل ثلاثة أرادب بأقل من دينار، وأبيع القمح كل أردبين بأقل من دينار، وأقبلت الفواكه إقبالاً زائداً على المعهود في هذه الأزمنة، وكثرت الخضروات، ولله الحمد. ونسأل الله حسن العاقبة. فإنك مع هذه النعم الكبيرة لا تكاد تجد إلا شاكياً لقلة المكاسب، وتوقف الأحوال، وفشو الظلم، والإعراض عن العمل بطاعة الله، سبحانه وتعالى سيما من يقيم الحدود. ). ترتفع الأسعار وتنخفض ولكن الظُّلم راسخ ومستمر . ( دى مصر يا عبلة .! ).
شهر رمضان، أوله الخميس:
منشئات معمارية
1 ـ ( فيه فتح الجامع الذي أنشأه الأمير جانبك الدوادار قريباً من صليبة جامع ابن طولون، وأقيمت به الجمعة ثانية، وجاء من أبهج العمارات وأحسنها . ).
هو الجامع المعروف ب ( جامع الجنابكية ) وبداخله قبر منشئه ، ويقع خارج باب زويلة . وقلنا إن إنشاء المعابد والصرف عليها من الأوقاف المُرصدة لها كان وسيلة لتحصين أموال الأمير أو السلطان المملوكى وأكابر المجرمين . أكابر المجرمين في عصرنا يحصّنون سرقاتهم بتهريبها الى الخارج ، وينتهى أمرها بالضياع : أين بلايين القذافى ؟ .
2 ـ ( وفي سابع عشره: قدم زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، بعد ما انتهى في سفره إلى مدينة حلب، ورتب عمارة سورها، فعمل به بين يديه في يوم واحد ألف ومائتا حجر، وبعد صيته، وانتشر ذكره، وعظم قدره، وفخم أمره، في هذه السفرة، بحيث لم ندرك في هذه الدولة المتأخرة صاحب قلم بلغ مبلغه. فلما نزل ظاهر القاهرة خرج الأمير جانبك الدوادار وطائفة من الأمراء وسائر مباشري الدولة، وعامة الأعيان إلى لقائه، فصعد القلعة، وخلع عليه، ونزل إلى داره في موكب جليل، وقد زينت له الأسواق، وأشعلت له الشموع وجلس الناس لمشاهدته، فسبحان المعطي ما شاء من شاء. ).
( حضرة الناظر ) عبد الباسط كان أقل أكابر المجرمين فسادا ، ولذا حاز إعجاب المقريزى ، لأن الأعور سلطان بين العُميان . ولكن فساد ( حضرة الناظر ) عبد الباسط يظهر بين سطور الخبر التالى :
حضرة الناظر عبد الباسط الأقل فسادا ين أكابر المجرمين
( وفي ثالث عشرينه: طلع عظيم الدولة زين الدين عبد الباسط بهدية إلى السلطان، وفيها مائتا فرس وحلي ما بين زركش ولؤلؤ برسم النساء، وثياب صوف، وفرو سمور، وغيره مما قيمته نحو العشرين ألف دينار، وعمّ المباشرين والأمراء بأنواع الهدايا . ). نسأل بكل ما لدينا من براءة : حضرة الناظر النزيه جاء من حلب ومعه كل هذه الهدايا التي وزعها رشاوى على السلطان والأمراء ، فمن اين حصل عليها ؟ وكيف ؟ واضح أنه سلب هذا من حلب ، وهو كثير لأن المقريزى يتكلم عن هداياه ، ولا يعرف بكم إحتفظ لنفسه . ولكن المهم إن هذا معروف ومألوف ، أي إنه عندهم من ( المعلوم من الدين السُنّى بالضرورة ).!
صراعات أكابر المجرمين
( وفي حادي عشرينه: قبض على عبد العظيم ناظر الديوان المفرد، وأسلم إلى الأمير زين الدين عبد القادر أستادار على مال يحمله، ثم أفرج عنه بعد أيام .). حضرة الناظر هذا كان يتولى الديوان المفرد ، أي ديوان الأموال الخاص بالسلطان ، يقوم بالسلب والنهب ليملأ خزائن السلطان . السلطان يعلم أنه يسرق لنفسه أيضا ، لذا يترصّده ويتحين الفرصة لاعتقاله وربما يعذّبه ليستخلص منه بعض ما سرقه لنفسه . ونظنُّ ـ وبعض الظّن ليس إثما ـ أن للسلطان عيونا وجواسيس تترصّد أتباعه ، ونظنُّ ـ وبعض الظّن ليس إثما ـ أنه في مناخ الصراعات بين أكابر المجرمين تكثر الوشايات ، والمستفيد منها هو أكبر أكابر المجرمين الذى يصفه المقريزى بأن ( سلطان الإسلام ). عيب يا مقريزى .!!
النيل
( وفي يوم الاثنين سادس عشرينه- وسابع عشرين أبيب-: نودي على النيل بزيادةً إصبع واحد لتتمة عشر أذرع وتسعة عشر إصبعاً، فنقص من الغد أربعة أصابع إلا أن الله تدارك العباد بلطفه، وردّ النقص، وزاد، فنودي يوم الخميس تاسع عشرينه بزيادة سبعة أصابع ، ولله الحمد. ).
شهر شوال، أوله السبت:
أخبار من حول العالم :
( في أثناء هذا الشهر قدم الخبر بأن مراد بن محمد كرشجي بن بايزيد بن عثمان، صاحب برصا من بلاد الروم، جمع لمحاربة الأنكرس- من طوائف الروم المتنصرة- وواقعهم، عدة من عسكره، وهزموا . وأن مدينة بلنسية التي تغلب عليها الفرنج- مما غلبوا عليه من بلاد الأندلس- خسف بها وبما حولها نحو ثلاثمائة ميل، فهلك بها من النصارى خلائق كثيرة، وأن مدينة برشلونة زلزلت زلزالاً شديداً، ونزلت بها صاعقة، فهلك بها أمم كثيرة، وخرج ملكها فيمن بقي فارين إلى ظاهرها، فوقع بهم وباء كبير. )
الحج والمحمل
( وفي يوم الخميس عشرينه: خرج محمل الحاج إلى الريدانية، ظاهر القاهرة، ورفع منها ليلاً إلى بركة الحاج على العادة، فتتابع خروج الحجاج . )
النيل
( وفي يوم الجمعة حادي عشرينه- الموافق له ثاني مسرى-: كان وفاء النيل ستة عشر ذراعاً، فركب الأمير ناصر الدين محمد ابن السلطان حتى خلق عمود بين يديه، ثم فتح الخليج على العادة، ولم تزين الحراريق ( السفن والمراكب التي للزينة والاحتفالات ) في هذه السنة، ولا كان للناس من الاجتماعات بمدينه مصر والروضة على شاطئ النيل ما جرت به عادتهم في ليالي الوفاء، وذلك أن النيل توقفت زيادته من أوائل مسرى، وأقام أياماً عديدة لا ينادي عليه في كل يوم سوى إصبع أو إصبعين، وأجرى الله العادة في الغالب من السنين أن تكون زيادة النيل المبارك منذ يدخل شهر مسرى في كل يوم عدة أصابع، فيقال: " في أبيب يدب الماء في دبيب." ، وفي مسرى تكون الدفوع الكبرى. فجاء الأمر في نيل هذه السنة بخلاف ذلك، حتى ظن الناس الظنون، وتوقف خُزّان الغلال عن بيعها، وأخذ غالب الناس في شراء الغلال خوفاً من ألا يطلع النيل، فمنع السلطان من تزيين الحراريق، ومن اجتماع الناس بشاطئ النيل لانتظار الوفاء، فانكف الناس عن منكرات قبيحة، كانت تكون هناك ولله الحمد، فإنه تعالى أغاث عباده وأجرى النيل بعد ما كادوا يقنطوا . )
2 ـ ( وفي سادس عشرينه: نودي على النيل بزيادة إصبع واحد، لتتمة ستة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً، فما أصبح يوم الخميس إلا وقد نقص . ).
التعليق
1 ـ ( النيل المبارك ) عبارة تحكى تقديس النيل المنحدر من العصر الفرعونى ، والأعياد المرتبطة بالنيل ومواعيد الفيضان بالشهور القبطية أيضا من آثار الثقافة الفرعونية المتجذّرة في مصر . كانت هناك أماكن للتنزّه والانحلال الخُلُقى على النيل ، وخوفا من عدم ( وفاء النيل ) أي نُقصانه يمنعون الناس من عادتهم في عمل ( المنكرات القبيحة ) على حدّ وصف المقريزى .
2 ـ الجديد هنا أن:
2 / 1 : العسكر المملوكى إقتصر على الجباية دون تنمية الريف وصيانة الجسور والتُّرع والمصارف.
2 / 2 : نقص النيل ـ في العصر المملوكى ــ كان نذيرا بغلاء وربما مجاعة ، وممارسة تخزين الحبوب .
2 / 3 : الكفّ عن ممارسة اللهو واللعب والانحلال الخلقى خوفا من الانتقام الالهى .
جرائم المماليك الجُلبان
( وفي هذا الشهر- والذي قبله-: كثر عبث المماليك الجلب الذين استجدهم السلطان، وتعدى فسادهم إلى الحُرم ( أي الحريم أو النساء ) . وهذا أمر له ما بعده.). هذه هي البداية عن وحشية المماليك الجُلبان ، ويصفهم المقريزى بقوله ( الذين استجدهم السلطان ) ، أي بدأ بشرائهم . العادة أن يشترى السلطان المملوكى والأمراء رقيقا من الأطفال ، ويتعلمون الثقافة السائدة دينيا واجتماعيا مع المهارة الحربية وفنون التآمر. استجدّ برسباى شراء مماليك من الشباب من بلادهم الأصلية، تعلموا العربدة والسلب والنهب والاغتصاب، و( جلبهم ) الى مصر فحملوا وصف ( الجلب / ( الجُلبان ). وسيأتي ذكرهم في أحداث لاحقة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أغناهم الله .. و رسوله !! / التوبة 70 - 78/ قناة الانسان / ح


.. إسرائيل.. تصاعد التوتر بين عرب 48 واليهود


.. دعوات للسلام يطلقها عرب ويهود في مدينة الجش داخل إسرائيل




.. الشريعة والحياة - بناء الشخصية المسلمة في ضوء القرآن والسنّة


.. ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق