الحوار المتمدن - موبايل


الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة

مصطفى حجي
(Mustafa Hajee)

2021 / 4 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


كثيرًا ما يُتَّهَم الملحد العربي بأنَّه صنيعة الغرب أو متأثِّر بأفكاره أو تابع له، وفي أحسن الأحوال يتم اتّهامه بأنّه لَمْ يُقدِّم شيئًا للبشريّة مثلما قَدَّم الملحد الغربي...
وأوَدُّ مناقشة هذا الموضوع بأن أقول أنَّ الإلحاد ليس أيديولوجيّةً أو فكرًا تنظيميًّا كما هو حال الماركسيّة أو الشيوعيّة، بل هو مجموعة مِنَ الأفكار والقناعات الشخصيّة الخاصَّة والعابرة للحدود والّتي مِنْ خلالها يَجِد الإنسان نفسه غير مؤمن أو غير مقتنع بالآلهة أو الأديان.

كما أنَّ الإلحاد مرتبط بالدين بشكل عام وليس بقومية معيّة، لذلك ينبغي أن نتجاوز مصطلحات (ملحد عربي - ملحد أوروبي - ملحد غربي) ولنلجأ إلى مصطلحات أصح وأعم كأن نقول (ملحد من خلفيّة إسلاميّة / مسيحيّة).

كما يبدو أنَّ ارتباط العرب بالديانة الإسلاميّة جعلهم يتحمّلون الوِزر الأكبر في مسألة الإلحاد، وكثيرًا ما يَتصوّر الكثيرون أنَّ الإلحاد "ظاهرة حديثة" -وخاصَّةً في المجتمع الإسلامي العربي- ، وبهذا فهم يَجهلون أنَّ الإلحاد ليس وليدَ الحاضر، بل إنَّه قد وُلِد مع اختراع البشر للآلهة والأديان، فكثير مِنَ البشر منذُ العصور الأولى اختلفوا مع الآلهة والأديان التي كانت تُقدِّسها مجتمعاتهم وكَفَروا بها.. فالإلحاد في الدِّين الاسلاميّ نشأ منذُ ظهور هذا الدِّين في القرن السابع الميلادي...
وقد كان رفض قريش لنبوَّة محمد يُمثِّل المرحلة الأولى للإلحاد في هذا المجتمع، وبعد أنْ "فَتَح" المسلمون مكّة وفرضوا فيها الأمر الواقع، وبعد دخول عرب شبه الجزيرة للإسلام كخيارٍ لا مفرَّ منه، وبعد وفاة (النبيّ محمّد) جاءَت الخلافات والنزاعات فارتدت الكثير مِنَ القبائل العربيّة عن الإسلام لتُعلِن مرحلةً اُخرى مِنَ الإلحاد بمعناه الواضح.. وبعد أنْ تمَّ إخضاع هذه القبائل المُرتدَّة بقوَّة سيف -أبو بكر- وبعد تشديد العقوبات على المرتدِّين أصبح الإلحاد يأخُذ شكلًا آخر وهو الالتزام الظاهريّ بالإسلام واستغلاله كنهج سياسيٍّ في الحُكْم (كما فعل بنو أُميَّة) عندما استلموا السلطة واستغلُّوا الإسلام لتحقيق حلمِهم بالمُلك...
فهذا يزيد بن معاوية يُعلِنها صراحةً في إحدى قصائده الّتي تقول:

لَسْتُ من خندفَ إِنْ لم أَنْتَقِمْ
من بني أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْ
لَعِبَتْ هاشمُ بالملكِ فلا
خبرٌ جاء ولا وَحْيٌ نَزَلْ

وذاك الوليد بن يزيد وهو خليفة أموي فتح المصحف ذاتَ مرّة فقرأ الآية الّتي تقول: (واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيد) فألقاه ورماه بالسهام وأشعَر قائلًا:

أَتوعِدُ كُلَّ جَبّارٍ عَنيدٍ
فَها أَنا ذاكَ جَبّارٌ عَنيدُ
إِذا ما جِئتَ رَبَّكَ يَومَ حَشرٍ
فَقُل يا رَبِّ مَزَّقَني الوَليدُ

أمَّا بعد تلك الفترة مِنَ الإلحاد الأمويّ، تأتي مرحلة التمرُّد الّتي قادها المُعتزلَة الّذين كانوا منطقيين في تناوُلِهم لقضايا الدِّين إنْ لَمْ يكونوا "ملحدين" في بعض ما جاءت به نصوص الدين... ولتتبعها سِلسلة مِنَ الأفكار والتصوُّرات الّتي بَقيَتْ حبيْسة الخوف مِنَ التَّنكيلِ والتَّعذيبِ اللذَيْنِ يَتَعرَّض لهما كلُّ مَنْ يَتناول الدِّين بالشك والرِّيبة، فكان (ابن الراوندي وابن المقفع وابن الرازي وابن سينا وصولًا إلى ابن رشد) وغيرهم مِنَ الأعلام الّذينَ يُعتَبَرون علاماتٍ فارِقةٍ في التاريخ الإسلامي.

وعلى ما سبق أقول: إنَّ الإلحاد "العربي" ليسَ ظاهرةً طارِئَةً وَلِيدة الساعة كي يُنسَب إلى الإلحاد "الغربي"...
أمّا عن (ماذا قَدَّم الملحدون "العرب" للعالم) فأظنّ أنّهم قَدَّموا الكثير؛ فكما قلتُ وأسلَفت أنَّ الكثير مِنَ العلماء الّذين يَنسبهم المسلمون إلى الإسلام مثل -ابن الرازي وابن سينا وابن الهيثم- وغيرهم قد قَدَّموا في عصرِهم ما عزَّزَ عجلة التطوُّر العلمي الّذي نعيش أجواءَه اليوم، وما العِلم الّذي بين أيدينا الآن إلّا تراكُمًا للعلوم السابقة عبر الأزمنة، ولا فضل لأُمَّةٍ فيه على أُمَّة...
أمّا في العصر الراهن فأعتقد أنَّ أوروبا الّتي كانت تعيش في ظلامِ القرون الوُسطى بسبب التخلّف الدِّيني وسيطرة الكنيسة، استطاعت أنْ تأخذ زِمام المبادرة العلميّة خاصَّة بعد أنْ أعادَتْ رجال الّدين إلى كنائِسِهم وأديِرتهم وأبعدتْهم عن مواقع السُّلطة واتّخاذ القرار، لتبدأ أوروبا بهذا الثورة التكنولوجيّة والصناعيّة الكُبرى وتتقدَّم والغربُ عمومًا بِخطًى ثابتة... فيما عاد العرب والمسلمون إلى الوراء بعدما تمَّ تكفير مَنْ تَجرَّأ مِنَ العلماء على نقد الموروث الدِّيني، حتّى يُقال أنَّ نيرانَ كُتُب ابن رشد الّتي أحرقها المسلمون -بعدما اتّهموه بالإلحاد والزندقة- أضاءَتْ وأنارتْ سماء أوروبا الّتي استلهمت مِن فِكرِه الشيءَ الكثير في ثورتها العقلانيّ بعد سنوات الانحطاط في القرون الوسطى.

وإذا كان الملحد "العربي" لَمْ يُقدِّم شيئًا للبشريّة كما يدًَعي البعض، فإنَّ ذلك ناجمٌ عن الظروف البائِسة الّتي تسود المجتمعات العربيّة والاسلاميّة (فالموروث الدِّينيُّ المتخلًِف الّذي يَمنع الكثير مِنَ المبدعين العرب في إبراز مواهبهم، وافتقار الدول العربيّة والإسلامية إلى مراكز الأبحاث والدراسات والجامعات والمناهج الرَّصينة) تقف حجَر عَثرة أمام التّطوُّر في هذا المجتمع...
فالبحث عن الحلال والحرام بكل ما هو جديد، والاهتمام بالمواضيع الدِّينية السخيفة والساذجة، والبحث عن أوهام الإعجاز العلمي والعددي في القرآن، جعل مِنْ إيجاد الباحثِ والمبدِعِ مكانًا له في عالَم يدفع بِخُطاه إلى الأمام بشكل متسارِع (أمرًا مستحيلًا)، والغرب قد أمسَك بزِمام المبادرة منذُ زمنٍ بعيد ولن يعطيها لغيره؛ لأنَّ سيادة العالَم تكمُن في البحث العلميّ والتطوُّر التِّقني والتكنولوجي، وليس بالدُّعاء والصلاة والاستخارة.

لذلك مِنَ الإجحاف والظًُلم أنْ يُوضَع أو يُقارَن ما يُسمّيه المسلمون "الملحد العربي" مع أقرانِه في الغرب؛ لأنَّ ظُروفه الّتي يعيش فيها ليست كظروف الملحد في الغرب، والمجتمع الّذي يعيش فيه الملحد "العربي" يقف حاجِزًا أمامه، بل إنَّ مجتمعه قاتِلٌ لأفكارِه (إنْ لَمْ يَكُن قاتِلًا لحياتِه) أمّا عن المجتمع الّذي يعيش فيه الملحد "الغربي" فيحتويه ويدعمه بل ويحميه...

تلك هي المُفارَقَة!

تحيّاتي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الالحاد والايمان وجدا منذ وجود الانسان
سمير آل طوق البحراني ( 2021 / 4 / 12 - 15:24 )
اخي الكريم بعد التحية. شكرا على هذا التعريف المنطقي للملحدين كافة. انا يا اخي الكريم لست ملحدا ولكني لا اوؤمن بالاه الاديان لان الاه الاديان مبرمج حسب البيئة التي فيها جاء الدعاة اليه ولذى ترى الاه اليهوية ليس هو الاه المسيحية كما ان الاه الاسلام يختلف جذريا عن دينك الالاهين فلو كان الاه الاديان الثلاثة التي تسمى سماوية واحد لكان اتفاق في الاصل. اما السؤآل التهكمي ماذا قدم الملحدون العرب نسال نفس السؤآل ماذا قدم علماء الدين المسلمين سوى الضحك على ذقون المؤمنين بانتحال خرافات وكانهم هم الناطقون باسم السماء والشاهدون على صنعة الكون. اخي الكريم ان جميع الاديان هي وراثة وليس دراسة لان الايمان بالغيب ايمان ينقصه الدليل.من هم على الصواب ومن هم على الخطا؟؟. هل من المنطق ان مليارات البشر ومئات الاديان كلهم في النار والمسلمون وحدهم في الجنة او اصحاب اي دين آخر؟؟. الافضل للانسان ان يترك التحدي ويعبد من شاء والغيب هو غيب والتعايش السلمي بين البشر كـ بشر هو المطلوب.

اخر الافلام

.. السودان.. خطر الإخوان | #غرفة_الأخبار


.. مباحثات سعودية إيرانية و 4 أحزاب تهاجم الرئيس التونسي ومؤتمر


.. شاهد: آلاف المصلين اليهود يحتشدون أمام حائط المبكى بالقدس في




.. فيديو صادم ومثير للجدل لمحبي المشروبات الروحية


.. لماذا تحابي بريطانيا الجماعات الإسلامية؟