الحوار المتمدن - موبايل


قصة الولايات المتحدة (16) – الصناعة الأمريكية

محمد زكريا توفيق

2021 / 4 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الصناعة الأمريكية

في عام 1876، سافر الرئيس أوليسيس اس. جرانت إلى فيلادلفيا لافتتاح معرض خاص. كان يسمى المعرض المئوي. أقيم بمناسبة احتفال الولايات المتحدة بعيد ميلادها المئوي كأمة مستقلة، وإظهار بعض إنجازاتها حتى تاريخه.

عامل الجذب الرئيسي في المعرض المئوي، كان قاعة الآلات. عبارة عن بناء خشبي كبير على مساحة 12 فدان. داخله، يمكن للزائر رؤية الاختراعات الأمريكية الأخيرة، مثل الآلة الكاتبة والتليفون وآلات أخرى لأغراض لا تحصى ولا تعد. مثل ماكينة الحياكة، ماكينة الطحن، الحفر، الطباعة، الضخ والدق.

في الأشهر الستة التي كان المعرض مفتوحا فيها، زاره ما يقرب من عشرة ملايين شخص. نظروا وحدقوا وبحلقوا في القاعة. رأوا مئات الآلات المذهلة. حتى الصحيفة البريطانية، "التايمز"، كانت منبهرة جدا. كتبت تصف المعرص: "الأمريكيون يخترعون، كما كان اليونانيون في الزمن القديم ينحتون، والإيطاليون يرسمون. إنها عبقرية."

في وقت المعرض المئوي، كانت الولايات المتحدة لا تزال دولة زراعية. لكن في السنوات التالية، تطورت الصناعة الأمريكية بسرعة كبيرة. إنتاج الفحم والحديد أتى مؤخرا. هما أهم المواد الخام اللازمة للصناعة في القرن التاسع عشر.

اكتشف الأمريكان معادن جديدة كثيرة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر. في مجموعة من التلال المنخفضة في الطرف الغربي من بحيرة سوبيريور.

على سبيل المثال، الأخوة ميريت عام 1887، وجدوا رواسب الحديد في ميسابي منيسوتا بكميات كبيرة. في زمن قصير، أصبحوا أكبر مصدرين لخام الحديد في العالم كله.

الحديد الخام كان قريبا من سطح الأرض، في عروق أفقية. عمق عرق الحديد كان 500 قدم. جعل تكلفة استخراجه من باطن الأرض رخيصة وسهلة. المدهش أن الحديد كان خاليا من الشوائب.

لم يمض وقت طويل قبل أن ينتج منجم ميسابي أجود أنواع الصلب، بتكلفة أقل من عشر (0.1) تكلفة إنتاج الحديد في أماكن أخرى.

بحلول عام 1900، زاد إنتاج الفحم عشر أضعاف إنتاجه عام 1860. إنتاج الحديد، كان 20 ضعف. هذه الزيادات، كانت السبب في النمو السريع للصناعات الأمريكية في تلك السنوات.

السكك الحديدية كانت مهمة جدا لزيادة التصنيع. الكميات الهائلة المنتجة من الفحم والحديد، كانت تستخدم في صناعة قضبان السكك الحديدية والقاطرات وعربات شحن البضائع وعربات الركوب.

ليس هذا فقط، السكة الحديد كانت تربط المشتري بالبائع في كل أنحاء البلاد. بدون السكك الحديدة، لما تطورت مراكز صناعية كبيرة، في بتسبرج وشيكاغو.

كانت السكك الحديدية تحمل الماشية إلى شيكاغو من السهول الكبرى، لزوم المجازر ومصانع تجهيز اللحوم وتعليبها. كانت أيضا، هي التي تنقل آلات الحصاد والطحن والأسلاك الشائكة، المصنعة في شيكاغو، إلى المستوطنين في البراري والسهول الكبرى.

توماس أديسون

كان الأميركيون فخورين بقدرتهم على إيجاد حلول عملية للمشاكل الإنتاجية والصناعية التي تواجههم. خلال القرن التاسع عشر، أنتجوا وطوروا آلاف الأشياء، لجعل الحياة أسهل وأكثر أمانا وأكثر منفعة وراحة للناس. منها الأسلاك الشائكة، ماكينة الخياطة، إلخ.

حتى منتصف القرن التاسع عشر، مخترعو هذه المنتجات، غالبا ما يكونون قليلي الخبرة العلمية. اختراعاتهم، كانت تأتي بالصدفة والتجربة والخطأ والممارسة العملية. طالما كان الاختراع مفيدا، الكل راضٍ وسعيد.

لكن جاءت تطورات كثيرة فيما بعد، تستدعي المخترع أن يكون ملما بمبادئ العلوم، مثل الكهرباء، المغناطيسية، الكيمياء. أحد هؤلاء، وأكثر من أي شخص آخر، كانت له مقدرة على استخدام هذه المعرفة في حل المشاكل اليومية. اسمه "توماس ألفا إديسون".

ولد إديسون عام 1847، توفي في عام 1931. قام باختراعات أصلية مسجلة عددها أكثر من ألف اختراع. يحتوي معمل إديسون على كل المواد الكيميائية التي كانت معروفة في ذلك الوقت.

كان يلبس معطف المعمل الأبيض، أصابعه مصبوغة بالمواد الكيميائية. شعره متعفر منكوش وغير مغسول. يعمل أياما متواصلة بدون أكل ونوم، عندما يكون على وشك حل مشكلة.

بعض أقوال إديسون باتت معروفة مثل اختراعاته. أحدها: "لا يوجد بديل عن العمل الشاق". في بعض الأحيان، يشطح بعيدا. في يوم زواجه، على سبيل المثال، نسي عروسه وقضى ليلته في المعمل يجري تجاربه.

أعظم اكتشافات إديسون، هي نجاحه في استخدام الكهرباء بطريقة عملية. في عام 1878، كون شركة الإضاءة بالكهرباء. هدفه كان تجاري بحت. وهو إنارة المنازل والشوارع وأماكن العمل، بالكهرباء بدلا من الغاز.

للقيام بذلك، كان على إديسون أن يطور شيئا واحدا، هو مصباح كهربي متوهج بصفة دائمة. كانت المشكلة هي العثور على مادة مناسبة لاستخدامها كفتيلة للمصباح. فتيلة تتوهج عندما يمر بها تيار كهربي، فينبعث منها الضوء بدون أن تحترق.

حاول إديسون صنع الفتيلة من معدن البلاتين، ثم حاول استخدام الجلود، الخشب، القطن، شعر الرأس، إلخ. بعضها توهج لدقائق، والبعض الآخر لساعات. لكن لا شيء لمدة طويلة مرضية. أخيرا، نجح ووجد ما يبحث عنه. عندما أعلن عن اختراعه، تضاعفت قيمة أسهم شركته من 100 دولار للسهم، إلى 30 ضعف.

بعد ذلك، بنى إديسون نظاما كاملا لتوليد الكهرباء. حتى يمد المصابيح الكهربية بما يلزمها من كهرباء. لذلك قام بتصميم مولدات (دينامو)، لتوليد الكهرباء. ثم قام بمد كابلات تحت الأرض لنقل الكهرباء إلى حيث الحاجة. أضاف إلى ذلك، صمامات أمان لفصل الكهرباء عند الضرورة.

هكذا بدأ عصر الكهرباء. لم يتوقف الأمر عند إنارة المنازل والشوارع بالكهرباء. سرعان ما استخدمت الكهرباء في تدفئة المنازل، تشغيل الماكينات، دفع قاطرات السكك الحديدية. لقد أصبحت الكهرباء منذ ذلك الحين، المصدر الرئيسي للطاقة في العالم.

بحلول عام 1890، كانت الصناعة في الولايات المتحدة، تدر دخلا أكثر من الزراعة. في خلال العشرين سنة التالية، كانت الصناعة تنمو بسرعة عاما بعد عام. بحلول عام 1913، أكثر من ثلث الإنتاج الصناعي في العالم كله، كانت تأتي من مصانع ومناجم الولايات المتحدة.

الصناعة الأمريكية، كان يسيطر عليها رجال أعمال لديهم المال والنفوذ. معظمهم عصاميون. يتصفون بالعزيمة والعمل الشاق. كانوا لا يهتمون بحقوق الآخرين. هم في عيون معجبيهم، أباطرة الصناعة. لكن في عيون الباقين، بارونات لصوص أو أسوأ من ذلك.

أندرو كارنيجي، كان واحدا من هؤلاء الرجال. ولد كارنيجي في اسكتلندا عام 1835، هاجر إلى أمريكا في سن الثالثة عشرة. بدأ العمل بأجر 1.20 دولار في الاسبوع، في محلج قطن بيتسبورج.

من هناك، انتقل إلى وظيفة في مكتب التلغراف، ثم إلى وظيفة في سكة حديد بنسلفانيا. عندما بلغ عمره 30 سنة، كان دخله أكثر من 40 ألف دولار، من استثمارات بعيدة النظر.

ركز كارنيجي في استثماراته على صناعات الحديد والصلب. بحلول 1860s، كان يسيطر على شركات تصنيع الجسور والقضبان وقاطرات السكك الحديدية.

في 1870s بنى أكبر مصنع للصلب في أمريكا، على نهر مونونجاهيلا في بنسلفانيا. وقام بشراء مناجم فحم وحديد، وأسطول بواخر تحمل المواد الخام، وبنى خط سكة حديد من مصانعه في بنسلفانيا إلى الميناء.

لا شيء مثل ثروة كارنيجي، أو مثل سلطته في عالم الصناعة، قد ظهر في تاريخ الولايات المتحدة من قبل. بحلول عام 1900، كان يمتلك نصف الأسهم في شركة صلب كارنيجي العملاقة. دخله السنوي بلغ 23 مليون دولار. وهو دخل يزيد على 20 ألف ضعف دخل الرجل الأمريكي العادي في ذلك الوقت.

ايلي ويتني، الرجل الذي اخترع آلة حلج القطن، لم يكسب أية نقود من اختراعه هذا. كثير من الناس قاموا بنسخ جهازه الأصلي دون دفع أي مقابل.

في عام 1800، تحول ويتني لصناعة البنادق. كانت تصنع في ذلك الوقت بعمال مهرة. كل بندقية، كانت تصنع يدويا بحيث تتجمع أجزاؤها المختلفة مع بعضها دون خلل، لكن لا تناسب الأجزاء بندقية أخرى. ويتني غير كل هذا.

في مصنع بمدينة نيوهافن، بدأ وتني في ميكنة تصنيع البنادق. المصنع ينتج أجزاء البندقية بكميات كبيرة. المهم هو أن الجزء الواحد يتكرر ويكون طبق الأصل. أي جزء، يمكن تركيبه في أي بندقية. ثم يتم تجميع الأجزاء في مراحل مختلفة، بعمال تقوم بعمل واحد في كل مرحلة.

طريقة ويتني، تعني أن الأسلحة يمكن أن تصنع بعمال أقل مهارة من ذي قبل، عندما كان عامل واحد يصنع البندقية كاملة. أسلوبه هذا في التصنيع، أصبح يعرف ب "النظام الأمريكي". بعد ذلك، أصبح يعرف بالإنتاج الضخم، أو الإنتاج الكثيف. الانتاج الضخم، شيء هام جدا، بدونه، لن يصبح دخل الفرد في الولايات المتحدة أو في باقي الدول الصناعية كما هو اليوم.

هنري فورد والإنتاج الضخم

هنري فورد، مشهور بصناعته للسيارات. لكن أهميته ترجع إلى كيفية صناعتها. لقد بدأ فورد في صناعة السيارات في 1890s. في أحد الأيام، عام 1903، كان يتحدث إلى صديق عن أفضل طريقة لتصنيع السيارات:

"الطريقة الصحيحة هي أن تجعل الجزء الواحد مثل الآخر. مثل الدبابيس أو عيدان الكبريت. عندما تشكك الصديق في إمكان ذلك، أجابه فورد: "المبدأ واحد. كل ما تريده، هو مكان أوسع".

حاول فور تطبيق فكرته في إنتاج سيارة موديل "تي". مثل بنادق وتني، كل سيارة، كان يتم تجميعها من أجزاء متشابهة طبق الأصل. السيارة كانت تأخذ حتى نفس لون الطلاء. إلا إذا طلب الزبون لونا مختلفا.

استخدام الأجزاء المتطابقة في التصنيع، يسمى "التوحيد القياسي". ثم أضاف فورد إلى ذلك فكرة، خط التجميع المتحرك. فكرة خط التجميع هو توفير الوقت. كل عامل في المصنع، يبقى مكانه، والعمل يأتي إليه على سير متحرك. فيلم شارلي شابلن، "العصر الحديث"، يوضح ذلك.

في 1913، بدأ فورد في استخدام طريقة خط التجميع لصناعة السيارة موديل "تي" بالكامل. بينما تتحرك السيارة على خط الإنتاج، عشرات العمال، كل يقوم بعمل معين، مثل ربط صمولة مثلا، أو ربط جزئين ببعض.

عندما تصل السيارة نهاية الخط، يكون قد اكتمل تجميعها. وتكون قد ملئت بالبنزين، ومستعدة للسير على الطريق. تجميع سيارة بهذه الطريقة، قد استغرق ساعة واحدة و33 دقيق فقط، بعد أن كان يستغرق، بالطرق القديمة، 12 ساعة و28 دقيقة.

عن طريق التوحد القياسي وخطوط التجميع، بين فورد لأصحاب المصانع من كل نوع، كيف تنتج بضاعة رخيصة بكميات كبيرة. لهذا يعتبر هنري فور، أبو الإنتاج الضخم (ماس برودكشن) في القرن العشرين.

الثروة الكبيرة لرجال أعمال مثل كارنيجي، جاءت جزئيا من نجاحه في ابتلاع الشركات المنافسة، أو بإخراجها من سوق العمل بالمنافسة. رجال أعمال مثل كارنيجي وروكفلر، ملك صناعة النفط، أدركوا أنهم يمكنهم، إلى حد كبير، زيادة أرباحهم باستخدام مثل هذا الأسلوب الذي يشبه الضرب تحت الحزام.

يقومون بخفض مصروفات شركاتهم وخفض أسعار منتجاتهم في البداية، حتى يقضوا على منافسيهم. بعد ذلك، مع عدم وجود منافسين، يمكنهم رفع أسعار منتجاتهم كما يريدون.

الكيانات الصناعية العملاقة التي أقامها هؤلاء العمالقة، تعرف بالمؤسسات (كوربوريشن). وعندما تنمو وتكبر تعرف بالتوكيلات (ترست). بحلول أوائل القرن العشرين، أصبحت التوكيلات تسيطر على أجزاء كبيرة من الصناعة الأمريكية.

أحد التوكيلات، تسيطر على صناعة الصلب، أخرى على صناعة البترول، ثالثة على انتاج القمح، وغيرها. التوكيلات الكبيرة قد تبلغ ثروتها ما يفوق ثروات أمم كثيرة. بسبب ثرواتها وسلطاتها الكبيرة، تتحكم في الأجور والأسعار، وتؤثر في سياسة الدولة وحياة الملايين من الناس.

لقد جزع العديد من الأميركيين من قوة التوكيلات الاقتصادية الجديدة. الولايات المتحدة، هي أرض الفرص المتساوية العادلة للجميع. لكن البلاد يبدو أنها قادمة لكي تصبح تحت سيطرة حفنة من الأثرياء أصحاب النفوذ. هؤلاء، هم قادرون على فعل ما يريدون. يرشون السياسيين لتمرير قوانين تحقق مصالحكم فقط.

وبعضهم يقوم بتوظيف آخرين لسحق أي محاولة من قبل عمالهم لتحسين أوضاعهم. مواقفهم من حقوق الإنسان، يمكن تلخيصها في ملاحظة ويليام فاندربلت، امبراطور السكك الحديدية، عندما سُئل، هل يعتقد أن السكة الحديد يجب أن تكون في خدمة الركاب، قال: "الركاب، عليهم اللعنة".

رفض فاندربلت الانتقادات، أغضب الناس، وعزز الشعور بأن شيئا ما يجب
أن يتم، لكبح جماح مثل هؤلاء الرجال، وتخفيف قبضتهم على حياة الأمة. كثير من الناس ترى هذه المسألة، أهم مشكلة تواجه الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين.

مالم يتم فعل شيء حيال ذلك. سوف تصبح الولايات المتحدة، دولة حياتها مكبلة بسيطرة حفنة من رجال الأعمال الأثرياء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - إلى العزيزة منى
محمد زكريا توفيق ( 2021 / 4 / 13 - 00:03 )
أستاذة منى، الإجابة على سؤالك، هي كلمة واحدة: الحرية. البلاد التي تكبت الحريات لا تتقدم أبدا، لا زراعيا ولا صناعيا ولا اجتماعيا ولا حضاريا. أثينا عندما كانت حرة، صنعوا حضارة لا يزال يعيش بها العالم حتى اليوم. حينما حاربت أوروبا الفلسفة والعلوم وأغلقت المدارس التي تدرس الفكر الأرسطي وفرضوا الدين بالعافية، دخلوا في العصور المظلمة واستمروا في الظلمات أكثر من ألف سنة. المسلمون عندما قفلوا باب الاجتهاد وكفروا الكندي والرازي وابن سينا والفارابي وابن خلدون وغيرهم، دخلوا في ظلمات العصور الوسطى ولم يخرجوا منها حتى اليوم. الحرية يا أستاذة منى، حرية الرأي وحرية الفكر وحرية العقيدة وحرية الانسان. وهذا هو الموجود حاليا في أمريكا وأوروبا، وغير موجود حاليا في بلادنا للأسف.

اخر الافلام

.. أين اختفى محمد صلاح في غزة؟ ونتنياهو وإيران.. شراكة في قتل ا


.. العمليات العسكرية في يومها الثامن بالتفصيل والخرائط | #غرفة_


.. مشاهير يتضامنون مع فلسطين ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي




.. هل استنزفت صواريخ غزة قبة إسرائيل الحديدية؟


.. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل نظيره المصري عبدالفتا