الحوار المتمدن - موبايل


قصة الولايات المتحدة (18) – الإصلاحيون والتقدميون

محمد زكريا توفيق

2021 / 4 / 16
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الإصلاحيون والتقدميون

بحلول عام 1900، كانت الولايات المتحدة أغنى وأكثر بلد صناعي إنتاجا في العالم. كانت تنتج 31.9% من إنتاج العالم من الفحم، 34.1% من الحديد، 36.7% من الصلب. حوالي 12 مليون عامل من سكانها ال 74 مليون، كانوا يعملون في الصناعة.

كان الرجال والنساء والأطفال يعملون لساعات طويلة في المصانع والمناجم وورش العمل. كثيرون كانوا يعيشون في المدن، لأن الكثير من المراكز الصناعية النامية مثل بيتسبورج وشيكاغو، احتاجت إلى المزيد من الأيدي العاملة.

بيوت العمال كانت في الأحياء الفقيرة القذرة والمكتظة بالسكان. بعد سنوات، ابن مهاجرين من قرية إيطالية، تذكر تعاسة والدته. فوصف لنا كيف أنها كانت تجلس بالساعات تطل من نافذة شقة في مبنى بمدينة نيويورك، وتحدق في تجمعات السحب البعيدة في السماء.

الأجور كانت منخفضة. في عام 1900، كان أجر العامل 9-$- في الأسبوع، نظير 59 ساعة عمل. شغل كتير ودخل قليل. ساعات طويلة ومكسب أقلّ. في محالج القطن، غالبا ما يكون العمل 62 ساعة في الاسبوع، بأجر سنتات في الساعة. غالبا ما تكون أماكن العمل خطرة غير صحية. في أحد مصانع شركة الولايات المتحدة للصلب، 46 عاملا قتلوا عام 1906.

بسبب حروق، انفجارات، صدمات كهربائية، اختناقات، أشياء تسقط، وعمال تُدهس. إذا قتل العامل بهذه الطريقة، لا يحصل هو أو ذويه على أية تعويضات. عندما يُسأل مالك المنجم عما يواجهه العمال من مخاطر، ينكر ويكون رده قصيرا وقاسي: "انهم لا يعانون"، ثم يضيف، "هم حتى لا يستطيعون التحدث باللغة الإنجليزية ". وكأن من لا يعرف الإنجليزية، ليس من حقه أن يعيش كإنسان.

حاول العمال تشكيل نقابات عمالية لتحسين ظروف حياتهم. هذه المحاولات غالبا كانت تفشل. أحد أسباب ذلك، هو المنافسة بين العمال المولودين في أمريكا والمهاجرين. سبب آخر، هو المقاومة العنيفة لقيام النقابات من أرباب العمل. العمال النقابيون، كانوا يفصلون، وتوضع أسماءهم في قوائم سوداء. وإذا وضع اسم عامل على أحد القوائم السوداء، فلن يجد عملا في أي مكان.

أصحاب العمل، كانوا مصرين على عدم تدخل العمال أو أي شخص آخر في الطريقة التي يديرون بها أعمالهم. في بعض الأحيان، كانوا يطلبون إرسال الجنود لتفريق الإضرابات. في أحيان أخرى، كانوا يستأجرون جيوشا خاصة بهم للسيطرة على عمالهم. حدث في مصنع كارنيجي للصلب في بنسلفانيا، عندما أضرب العمال في عام 1892، أن أجر مدير المصنع، 300 بلطجي لوقف الإضراب.

صامويل جومبرز

في أوائل 1900s، العمالة الأمريكية الرائدة كانت الاتحاد الأمريكي لمنظمة العمل. تم تشكيله عام 1886، بواسطة صموئيل جومبرز، وهو زعيم اتحاد صانعي السيجار.

صنع السيجار كان وظيفة العمال المهرة، كان يعتقد جومبرز أن نقابات العمال المهرة هي الوحيدة المتاح لها النجاح في الاضرابات. لأنه عادة إذا قام العمال غير المهرة بالإضراب، فيمكن فصلهم أو ابدالهم بسهولة. لكن هذا غير صحيح بالنسبة للعمال المهرة. هذا يعني أن أرباب العمل سيكونون مجبرين على الاستماع لهم.

كبر الاتحاد الأمريكي للعمال باطراد، لأنه جلب المزيد والمزيد من هؤلاء العمال المهرة: نجارين، عمال طباعة، حدادين، صناع زجاج، إلخ. بحلول عام 1904، كان 1.75 مليون عضو ينضمون للاتحاد، ليصبح أكبر منظمة عمالية في الولايات.

في هذا الوقت العديد من العمال في أوروبا، كانوا ينضمون للحركات العمالية الثورية. الحركات الأوروبية، كانت تدعو إلى الإطاحة بالرأسمالية. بمعنى الإطاحة بالملكية الخاصة للمصانع والمناجم ووسائل الانتاج الأخرى، واستبدالها بنظام اشتراكي جديد.

رفض معظم العمال الأميركيين مثل هذه الأفكار الثورية. لم يكونوا مهتمين بتدمير النظام الاقتصادي القائم. انهم يريدون ببساطة جعلها تعمل بشكل أكثر فعالية لصالحهم.

ما أرادوه هو حصة أكبر من الثروة التي ساعدوا هم في تكوينها. أطلق جومبرز على هذا اسم "الخبز والزبدة النقابية"، وقال إنه يعتقد أن الاتحادات، يجب أن تهتم بمصالح العمال وحياتهم اليومية، بدلا من الاشتغال بالسياسة.

الثورات ليست بالضرورة حياة أفضل للعمال. لكن المطالبة بالحصول على أجور أعلى وساعات عمل أقل وظروف عمل آمن. هي مطالب عملية وأكثر فائدة وأقل تكلفة.

في اشتباكات بين السلطات والمضربين، قتل 20 شخصا. ليست الحكومة وأصحاب العمل فقط، ضد النقابات العمالية. كان الرأي العام أيضا ضدهم. الأمريكيون في العادة، يرون بلدهم أرض الإنسان الحر. الفرد متروك لكي يحسن وضعه ودخله بجهوده الخاصة، بدون حدود، مادامت في ظل القانون. أمريكا، هي أرض الفرص الكبيرة للثراء.

العديد من الأمريكيين يمتلكون المزارع أو المحلات التجارية أو المصانع الصغيرة. ملايين آخرون يحلمون باليوم الذي يمتلكون فيه مزرعة أو مشروع تجاري خاص بهم. ربما يحلمون هم أيضا بأن يكونوا أثرياء مثل كارنيجي أو فورد. أناس مثل هؤلاء، من غير المرجح أن يفضلوا
منظمات تهدف إلى تحجيم أو تأميم رجال الأعمال، والحد من حرية العمل والفرص المتاحة.

لكن الأميركيين لم يكونوا راضين عن الأوضاء في بلدهم. في السنوات الأولى من القرن العشرين، تيار من الكتب والمجلات وجهت مقالاتها انتباه الناس إلى عدد كبير من المشاكل الوطنية.

البعض تعامل مع ظروف الحياة في الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، والبعض مع الرشوة والفساد في الحكومة، والبعض الآخر مع خداع وتضليل رجال الأعمال الأثرياء. الكتب والمقالات غالبا ما تبرز حقائق مذهلة وصادمة.

ابتون سينكلير. في عام 1906 هاجم صناعة تعبئة اللحوم في روايته "الغابة". وصف بطريقة مرعبة حياة العمال المهاجرين في سلخانات شيكاغو. كشفت الرواية للطبقة المتوسطة الأميركية جانبا من حياة قطاع في دولتهم، لا يعرفون عنه شيئا.

لقد صدموا، عندما علموا بما يدخل في لحم السجق الذي يأكله الأمريكي عادة مع البيض المقلي في الإفطار. وصدموا أكثر، عندما قال المحققون الحكوميون أن كل ما جاء في رواية سنكلير صحيح.

هذا جزء من تقرير المحققين عن الحالة في مصنع تعبئة اللحوم بشيكاغو:

"لقد رأينا اللحوم تجرف من على أرض خشبية قذرة، تكوم على مناضد لا تغسل أبدا. ثم تنقل من غرفة لغرفة في صناديق معفنة. كل الخطوات تتجمع خلالها الأتربة والأوساخ والشظايا، وكذلك بصاق عمال مرضى بالسل وأمراض أخرى."

تقارير مثل هذه، صدمت وأصابت الشعب الأمريكي بالرعب. انخفضت مبيعات اللحوم إلى النصف. شركات اللحوم توسلت للحكومة، لكي تقوم بالتفتيش على مصانعهم من أجل إقناع الناس بأن منتجاتهم صالحة للاستهلاك الآدمي. نتيجة ذلك، مرر الكونغرس بسرعة قانونا فيدراليا جديدا (لكل الولايات)، للتفتيش على تصنيع اللحوم بكل أنواعها.

بدأت الناس في مطالبة قادة الأمة، بالتعامل مع الفضائح الأخرى التي تتعرض لها الصناعات. هذا الضغط أدى إلى تغيير هام في الاقتصاد الأمريكي والحياة السياسية.

قبل عام 1900، كان معظم الأميركيين يعتقدون في مبدأ عدم التدخل في الاقتصاد. الفكرة هي أن الحكومات ينبغي ألا تتدخل في الأعمال التجارية، وفي حياة الناس، إلا بأقل قدر ممكن.

وجدت الحركة التقدمية قائداً في الحزب الجمهوري، ثيودور روزفلت. أصبح روزفلت الرئيس الأمريكي في عام 1901. وهو يختلف عن فرانكلن روزفلت الذي جاء فيما بعد، وحضر الحرب العالمية الثانية. كان من معتقدات ثيودور الرئيسية أنه من واجب الرئيس استخدام قوة الحكومة الاتحادية لتحسين ظروف الحياة للشعب الأمريكي.

وجاء مثال جيد على تدخل الحكومة في العمل: في عام 1902. أضرب عمال مناجم الفحم مطالبين بالحصول على أجور وظروف عمل أفضل. رفض أرباب العمل حتى مناقشة مطالب العمال. هنا تدخل الرئيس ثيودور روزفلت. قال لأصحاب المناجم أنهم مخطئون. ثم قال انه ما لم يوافقوا على التفاوض مع العمال، الحكومة الاتحادية (الفيدرالية)، ستقوم بتأميم المنجم.

هذا التهديد كان كافيا لتغيير أسلوب أصحاب المنجم. وانتهى الأمر بما يرضي الجميع وينهي الإضراب. جاء مثال آخر بعد ذلك بعدة سنوات. عندما أجبر الرئيس روزفلت السكك الحديدية بتحديد أجرة عادلة لتذاكر السفر والشحن بالنسبة لكل العملاء، دون تمييز بينهم.

جاء بعد روزفلت، عام 1912، الرئيس وودرو ويلسون من الحزب الديموقراطي. بالرغم من أن روزفلت وولسون ينتميان إلى حزبين سياسيين مختلفين، إلا أن بعض أفكارهما كانت متشابهة. كان ويلسون أيضا يدعم الحركة التقدمية.

لقد وعد عندما يصبح رئيسا، أنه سيقوم بمساعدة من يكافحون لكي ينجحوا هم أيضا أسوة بغيرهم. عندما كان ويلسون حاكما لولاية نيو جيرسي، بذل جهدا كبيرا لكي يتأكد من أن الولاية تخدم كل سكانها. قام محاربة الرشوة والفساد هناك، وأصدر عدة قوانين لتأمين العمال وصرف تعويضات لهم عند الإصابة والعجز عن العمل.

في مارس 1913، وقف ويلسون أمام مبنى الكابيتول في واشنطن، مكان كونجرس الولايات المتحدة. هناك أدى اليمين الدستورية كرئيس. ثم ألقى كلمة موجزة عن حالة البلد:

"لقد بنينا حكومة عظيمة"، قال لحشد الحضور الكبير. وأضاف: "لكن الشر قد جاء مع الخير... لقد أهدرنا جزءا كبيرا مما قد استخدمناه. لقد كنا فخورين بإنجازاتنا الصناعية، لكننا لم نتوقف في الطريق لكي ندرس بما فيه الكفاية، التكلفة البشرية..."

أحد صور التكلفة البشرية. كما كان يعتقد ويلسون، هو ما يقرب من الدمار لفرص الرجل العادي الأمريكي في الحياة الكريمة. العمال، الفلاحون، أصحاب الأعمال الصغيرة، إلخ. مثل هؤلاء، ظلت فرصهم تتقلص في السنوات الأخيرة، في ظل تضخم المؤسسات والتوكيلات التجارية الكبيرة وسيطرتها على الاقتصاد.

بالرغم من محاولات ثيودور روزفلت وضع المؤسسات والتوكيلات تحت السيطرة، إلا أنها ازدادت نفوذا وشراسة في عام 1913، عما كانت عليه في 1900. الفرص المتساوية كانت توشك على الانقراض في الولايات المتحدة. كان يعتقد ويلسون أن الحكومة الاتحادية فقط هي القادرة على فعل شيء في هذا القبيل. لذلك صمم ويلسن على اتخاذ بعض الاجراءات في هذا الصدد. أطلق عليها "الحرية الجديدة".

وضع ويلسون سياسته الاقتصادية الجديد، أو الحرية الجديدة، موضع التنفيذ عن طريق تمرير سلسلة قوانين، ووضعها موضع التنفيذ بين عامي 1913 و1917. أحدها خفض الرسوم الجمركية من أجل تشجيع التجارة بين الولايات المتحدة وغيرها من البلدان. ثم قام بإصلاح النظام المصرفي،
وأدخل نظام الضرائب الاتحادية على الدخل المرتفع.

قوانين أخرى خفضت سلطة المؤسسات والتوكيلات (ترست). ثم منح مزيدا من الحقوق للنقابات العمالية. وسهل عملية اقتراض الفلاحين من الحكومة الفيدرالية، لتطوير أراضيهم. وشجع الولايات على منع المصانع من توظيف الأطفال. ونادى بالاقتراع السري، وتحسين أماكن العمل وجعلها آمنة، وحماية الثروة الطبيعية.

لكن لم يتم قبول كل خطط ويلسون للإصلاح. على سبيل المثال، رفض مجلس الشيوخ تمرير قانون يعطي السلطات الاتحادية مزيدا من السيطرة على شراء وبيع أسهم الشركات والمصانع. قانون آخر، وهو وقف عمالة الأطفال في المصانع في كل مكان، أعلن بأنه غير دستوري من قبل المحكمة العليا.

الحركة التقدمية غيرت وحسنت الحياة الأمريكية في نواح كثيرة. لكن الكثير من الناس لا يزالون لا يثقون كثيرا في تدخل الحكومة في حياة الأمة.

ثيودور روزفلت وحماية الثروة القومية

ربما كانت أكبر خدمة قدمها ثيودور روزفلت لبلاده هي اقناع الكونجرس بتمرير عدد من قوانين حماية الثروة القومية للبلاد. هذه القوانين تبغي إنقاذ الموارد الطبيعية في البلاد من استخدامها بلا مبالاة وإسراف بجشع بالغ.

الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى مثل هذه القوانين في أوائل 1900s. لقد أشار روزفلت أنه ما لم يتم اتخاذ إجراءات لإبطاء تدمير الغابات والموارد المعدنية والتربة الخصبة في البلاد، فإن الأميركيين قريبا سوف يكتشفون أن الكثير من الثروة الطبيعية للولايات المتحدة قد دمرت إلى الأبد.

استمع الكونغرس إلى نصيحة روزفلت، ثم قام بتمرير عدة قوانين لحماية مصادر الثروة القومية. في ظل هذه القوانين، تم حماية الغابات والثروة المعدنية من مناجم وبترول وخلافه، لمصلحة الأجيال القادمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غسان الرحباني.. مازال يعيش صدمة رحيل والده والسيدة #فيروز شج


.. إصابة أربعة عناصر من الشرطة الإسرائيلية في عملية دهس بسيارة


.. الشرطة الإسرائيلية تقتل فلسطينيا نفذ عملية دهس في القدس




.. مؤتمر باريس بشأن السودان دعا إليه الرئيس ماكرون


.. هل الحرب وحدها المسؤولة عن أزمة الكهرباء في غزة؟ | #عالم_الط