الحوار المتمدن - موبايل


قصة الولايات المتحدة (20) – الحرب العالمية الأولى

محمد زكريا توفيق

2021 / 4 / 18
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الحرب العالمية الأولى

في أغسطس 1914، بدأت الحرب في القارة الأوروبية. صراع دام أربع سنوات. جلبت الموت للملايين من الناس وغيرت تاريخ العالم. في وقتها كانت تسمى الحرب العظمى، بعد ذلك، أصبحت تعرف بالحرب العالمية الأولى.

الدول الرئيسية التي خاضت الحرب، في جانب: فرنسا، بريطانيا العظمى، روسيا، إيطاليا. كانوا يسمون الحلفاء. في الجانب الآخر: ألمانيا، الامبراطورية النمساوية المجرية، الدولة العثمانية، بلغاريا. كانت تسمى بالقوى المركزية. معظم الأميركيين أرادوا الابتعاد عن الحرب.

لقد رأوا أنها شأن أوروبي بحت، لا يهمهم في شيء. عندما قال الرئيس ويلسون إننا يجب أن نكون محايدين في الفكر والعمل، كان يتفق معه الكثير من الناس.

لكن الأمريكيين وجدوا صعوبة في البقاء محايدين لمدة طويلة. في الأيام الأولى من الحرب، أرسلت الحكومة الألمانية جيوشها لكي تغزو بلجيكا المحايدة. هذا صدم العديد من الأمريكيين. وصدموا أكثر عندما علموا من الصحف، عن تقارير، غالباً ما تكون كاذبة أو مبالغ فيها، تبين قسوة الألمان ضد المدنيين البلجيكيين.

منذ بداية الحرب، البحرية البريطانية القوية كانت تمنع السفن الألمانية من التجارة مع الولايات المتحدة. لكن التجارة بين الولايات المتحدة والحلفاء، نمت بسرعة. بقدوم عام 1915، كانت المصانع تبيع كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة لبريطانيا وفرنسا.

كان القادة الألمان عازمين على وقف تدفق الأسلحة لأعدائهم. لذل، أعلنوا في فبراير 1915، أنهم سوف يغرقون كل سفن الحلفاء التجارية في البحار القريبة من الجزر البريطانية.

بعد ظهر يوم ضبابي في مايو، اقتربت سفينة ركاب بريطانية كبيرة تسمى لوزيتانيا، من نهاية رحلتها، من الولايات المتحدة إلى بريطانيا. فجأة وبدون سابق إنزار، أصابها طوربيد من غواصة ألمانية.

في غضون دقائق، كانت لوزيتانيا تغرق. غرق معها ألف راكب، ذهبوا إلى قاع المحيط. مائة وثمانية وعشرون من هؤلاء الركاب كانوا أمريكيين.

غرق السفينة لوزيتانيا أغضب الأمريكان جدا. بدأ البعض يعتقد أن ألمانيا ستفعل أي شيء للفوز في الحرب. لكن بعض الناس مازالت تريد السلام. احتج الرئيس ويلسون بشدة على الحكومة الألمانية. مما جعل الألمان يوقفون هجمات غواصاتهم على السفن الأمريكية.

في خريف عام 1916، أعيد انتخاب الرئيس ويلسون، لأنه جنب شعبه ويلات الحرب. في عام 1917، ألقى ويلسون خطابا في الكونجرس الأمريكي، موجها كلامه لرؤساء الدول الأوروبية، ومناشدا الدول المتحاربة تسوية خلافاتها سلميا، بدون غالب أو مغلوب. وهذا هو السلام الذي يمكنه أن يدوم.

حتى الآن، كانت المصارف الأمريكية قد أقرضت الحلفاء الكثير من الأموال. كما أن الامدادات والمساعدات العسكرية الأميركيين لا تزال تتدفق عبر الأطلسي. لكن قادة الحرب الألمان، وجدوا أنه مالم تتوقف الامدادات الأمريكية، ستخسر دولتهم الحرب. بعد تسعة أيام فقط من خطاب ويلسون، بدأت الغواصات الألمانية في إغراق السفن التي تقترب من سواحل دول الحلفاء. بما في ذلك السفن الأمريكية.

في الأسابيع القليلة التالية، أغرقت الغواصات الألمانية خمس سفن أمريكية. بسبب هذه الأعمال العدوانية، لم يجد ويلسن لديه بدا من خوض غمار الحرب. لذلك، في 2 أبريل عام 1917، طلب من الكونجرس إعلان الحرب على ألمانيا.

لم يكن يهدف ويلسون إلى هزيمة ألمانيا. لكنه رأى أن الحرب طريقة لضمان السلام العالمي. طريقة لجعل العالم أكثر أمنا. حرب تنهي كل الحروب، فتسود الديموقراطية بين الشعوب. حلم مثل أحلام العذارى.

عندما أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا، كان الجيش الاميركي قوة صغيرة تتكون 200 ألف جندي. لذلك، لابد من تجنيد ملايين الرجال. وكان المطلوب تدريبهم وتجهيزهم ونقلهم عبر الأطلسي إلى أوروبا. كل هذا يستغرق وقتا. سنة كاملة قد مرت قبل أن يستطيع الجنود الأمريكان مساعدة الحلفاء الأوروبيون.

في ربيع عام 1918، قامت الجيوش الألمانية بهجوم يائس ضد القوات الفرنسية والإنجليزية. كان الهدف هو كسب الحرب قبل وصول الجيش الأمريكي. في شهر يوليو، كان الألمان على مشارف العاصمة باريس.

وجد الحلفاء أنهم في خطر داهم. لقد وضعوا كل جيوشهم تحت إمرة قائد واحد، هو الجنرال الفرنسي فوش. لحسن حظ فوش، بدأ وصول القوات الأمريكية في اللحظة المناسبة لتعزيز قواته. سرعان ما وصل العدد إلى مليون عسكري أو أكثر، في مواجهة الجنود الألمان.

في أغسطس 1918، قامت جيوش الحلفاء بهجوم مضاد، دفع الجيش الألماني إلى الخلف، فتقهقر إلى حدود دولته. في أكتوبر، طلبت المانيا السلام. في 11 نوفمبر من نفس العام، وقع قادة الحلفاء هدنة لوقف القتال. بذلك، تكون الحرب الأكثر دموية والأكثر تدميرا في تاريخ العالم، قد انتهت.

بحلول يناير 1919، كان الرئيس ويلسون في أوروبا. للمساعدة في التوصل لمعاهدة سلام. تم استقباله بهتاف الحشود في عواصم الحلفاء. "العادل ويلسون".

لكن عندما التقى ويلسون بقادة الحلفاء الآخرين، لبحث تفاصيل معاهدة السلام، كان الترحيب أقل ودية. ظن الزعيم الفرنسي جورج كليمنصو أن ويلسون يفتقر إلى الخبرة في الشؤون الدولية. لسه عظمه طري.

الأسوأ من ذلك، هو أن الرئيس الأمريكي لم يكن يدرك ذلك. "كيف يمكنني التحدث إلى رفيق يعتقد أنه الوحيد في ألعالم الذي يعرف شيئا عن السلام؟" تساءل كليمنصو.

أراد كل من ويلسون وكلينصو التأكد من أن حربا مثل الحرب العالمية الأولى لن تحدث مرة أخرى. ويلسون أراد أن يفعل ذلك عن طريق كتابة معاهدة لا تترك الألمان يشعرون بغبن كبير. لأنهم إن شعروا بالظلم، فقد يؤدي هذا إلى حرب انتقامية في المستقبل.

لكن كليمنصو كان له رأي آخر. فهو يعتقد أنه لا توجد إلا طريقة واحدة لعمل سلام دائم. وهي إضعاف ألمانيا إلى الدرجة التي تجعلها غير قادرة على شن أي حرب أخرى.

بعد الكثير من الجدل والنقاش، ودون التشاور مع الألمان، اتفق قادة الحلفاء على معاهدة سلام. أطلقوا عليها معاهدة فرساي، وهو اسم القصر القريب من باريس حيث تم التوقيع على المعاهدة في مايو 1919.

كانت معاهدة فرساي أصعب على الألمان من المعاهدة التي اقترحها ويلسون. من بين أمور أخرى، حمّلت الألمان كل اللوم لوقوع الحرب. كما أجبرتهم على دفع ثمن كل الأضرار الذي سببته الحرب. يعني هذا مدفوعات جبرية تبلغ ملايين الدولارات.

أصيب ويلسون بخيبة رجاء بسبب معاهدة فرساي هذه. لكنه عاد إلى الولايات المتحدة ومعه شيء من الأمل. وهو مخطط يعتقد أنه يمكن أن يحقق حلمه في عالم بدون حروب. خطة لإنشاء عصبة الأمم.

عصبة الأمم كانت منظمة من ممثلي دول العالم، تجتمع لتسوي خلافاتها بالسلم لا بالحرب. لقد أخذ ويلسون عدة أشهر من المساومات الصعبة لإقناع قادة الحلفاء الآخرين بهذه الخطة. الآن عليه أن يواجه أيضا الكونجرس لإقناعه، والشعب الأمريكي من ورائه.

كان يعلم ويلسون أن هذا ليس بالأمر الهين. الأمريكان كانوا لا يرغبون في تورط بلادهم بصفة دائمة في مشاكل أوروبا. ويا داخل بين البصلة وقشرتها، ما ينوبك إلا صنتها.

كما أنهم كانوا يشكون في جدوى عصبة الأمم بالنسبة للأمريكان. الانضمام لمثل هذه المنظمة، يعني بلادنا يمكنها أن تنجر إلى منازعات وربما إلى حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

حاول ويلسون تخفيف مثل هذه المخاوف. لكن بعد مرور أشهر قليلة، بدا كأنه قد فشل في ذلك. وبعد رحلة أخرى إلى أوروبا، عاد إلى أمريكا مريضا متعبا. إلا أنه قد استقل قطارا خاصا، وانطلق في جولة إلى الغرب الأمريكي، يتحدث إلى الشعب مناشدا التأييد لعصبة الأمم.

الجولة لم تكتمل أبداً. في 25 سبتمبر 1919, ويلسون المنهك عانى من سكتة دماغية. أعيد بعدها إلى واشنطن في مارس 1920، لكن في حالة صحية بائسة. في نفس الوقت، صوت مجلس الشيوخ ضد انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم، وأسقطت الفكرة.

من كرسي متحرك بالبيت الأبيض، وهو يعاني من المرض وخيبة الرجاء، جاءت آخر كلماته عن الموضوع: ""لقد أتيحت لنا فرصة للحصول على قيادة العالم. لكننا أضعناها. وقريبا سنشهد عاقبة هذا".

برقية زيمرمان

في بداية عام 1917، كان العديد من الأمريكان يعارضون بشدة المشاركة في الحرب العالمية الأولى. بالنسبة للناس في السهول الكبرى، تكساس أو في كاليفورنيا، تبدو أوروبا بعيدة جدا. مشاجرات الأوروبيين مع بعضهم البعض لا تعنيهم في شيء.

في 1 مارس عام 1917، طبعت الصحف في جميع أنحاء الولايات المتحدة، قصة مثيرة. تقول إن آرثر زيمرمان، وزير الخارجية الألماني، حاول إقناع المكسيك واليابان بمهاجمة الولايات المتحدة.

بدأت الحكاية في 16 يناير. كان زيمرمان قد أرسلت برقية سرية إلى سفير ألمانيا في المكسيك. تنصح البرقية السفير الألماني بدعوة الحكومة المكسيكية لعقد تحالف مع ألمانيا.

كانت الفكرة هي أنه في حالة قيام حرب بين الولايات المتحدة وألمانيا، تقوم المكسيك بمهاجمة الولايات المتحدة من الجنوب. مكافأة المكسيك، هي عودة جميع الأراضي التي فقدتها أمام الولايات المتحدة في عام 1848. أراد زيمرمان أيضا، دعوة اليابان للانضمام إلى الدول المناهضة للولايات المتحدة.

تم اكتشاف برقية زيمرمان وفك شفرتها بالمخابرات البريطانية. في 24 فبراير، عندما غضب الأمريكان من ألمانيا بسبب هجمات غواصاتها على السفن الأمريكية، أعطى البريطانيون صورة من البرقية إلى الرئيس الأمريكي ويلسون.

غضب ويلسون أشد الغضب، وقال للصحف: الناس الذين أرادوا أن تبقى الولايات المتحدة خارج الحرب، والذين ينحازون إلى ألمانيا، يقولون إن البرقية مزورة، وهي من الحيل البريطانية. لكن محاولاتهم باءت بالفشل أمام اعتراف زيمرمان نفسه، بأن البرقية صحيحة.

برقية زيمرمان حولت الرأي العام، وجعلته في صالح الحلفاء. هذا كان صحيحا بشكل خاص في الأجزاء الغربية من البلاد. وهي المناطق الأكثر تهديدا في حالة نجاح خطة زيمرمان.

مبادئ ويلسون الأربعة عشر

كان الرئيس ويلسون دائما يقول إن الولايات المتحدة دخلت الحرب العالمية الأولى، لا لتحارب الشعب الألماني، ولكن لتحارب قادتهم. في يناير عام 1918، وضح أفكاره الخاصة بالسلام الدائم في خطاب إلى مجلس الشيوخ الأمريكي. هذه الأفكار تسمى "مبادئ ويلسون الأربعة عشر".

من بين أمور أخرى، مبادئ ويلسون الأربعة عشر، تطلب توقف الدول عن إبرام اتفاقيات سرية، وتخفيض قواتها العسكرية وأسلحتها، والقيام بالتجارة الحرة مع بعضها. وطالب أيضا بوضع حدود وطنية جديدة، تسمح للأقليات بتقرير مصيرها. كان أيضا في المبادئ، اقتراح إنشاء عصبة الأمم.

عندما طلبت الحكومة الألمانية السلام في أكتوبر 1918، كانت تأمل أن يطبق الحلفاء ما جاء بالمبادئ الأربعة عشر. لكن الحلفاء اعتقدوا أن أفكار ويلسون هي محض هراء. قيم مثالية يصعب تنفيذها.

الزعيم الفرنسي كليمنصو، قارن المبادئ الأربعة عشر بالوصايا العشر. وقال متهكما: "لقد أصابني ويلسون بالملل وهو يتلو ال 14 مبدأ"، ثم أضاف. "لماذا، الله سبحانه لديه 10 فقط".

في النهاية كان للمبادئ الأربعة عشر تأثير قليل على شروط معاهدة فرساي. أقل بكثير مما كان يأمله ويلسون. بعض الناس لا تزال تعتقد أن هذه مأساة. يقولون إن العالم بعد الحرب، قد يكون أفضل ومكانا أكثر أمنا، إذا أخذ بالمبادئ الأربعة عشر. وآخرون لا يوافقون على ذلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هذا ما يفعله أطفال فلسطين بين الركام


.. ما هي القدرات العسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي؟


.. فرنسا.. أسرار حديقة الحيوانات بوفال




.. الجزائر..قرار بفتح جزئي للحدود الجوية بعد 14 شهراً من الغلق


.. في اليوم العالمي للمتاحف.. دعوات لتشجيع تعافي المتاحف عقب ال