الحوار المتمدن - موبايل


( علمانية الإسلام )( 2 من 2 ):تكملة: لمحة سريعة من كتاب لم يكتمل لنا بعدُ

أحمد صبحى منصور

2021 / 4 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


خامسا :
الحرية الدينية المُطلقة في دين الإسلام
1 ـ ينحصر دور الرسول في مجرد التبليغ . قال جل وعلا : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) التغابن ) ، دون الاكراه في الدين . قال جل وعلا في قاعدة عامة : ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )(256) البقرة ) ، أي لا إكراه في دخول الدين ولا إكراه في الخروج منه ، ولا إكراه في تأدية عباداته وشعائره . وقال جل وعلا للنبى محمد عليه السلام : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) يونس ) .
يترتب على هذا :
1 : أن الهداية أو الضلالة مسئولية شخصية ، من اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعلى نفسه . والآيات كثيرة ، منها قوله جل وعلا : ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا )( 15) الاسراء )
2 ـ إذا شاء الشخص الهداية جاءت مشيئة الله جل وعلا تالية تزيده هدى ، قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17) محمد ) ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ) (76) مريم ) وإذا شاء الضلالة جاءت مشيئة الله جل وعلا تزيده ضلالا . قال جل وعلا : ( قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً (75) مريم )( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) البقرة )
3 ـ وليس الرسول مسئولا عن هداية أحد . والآيات كثيرة منها قوله جل وعلا له : ( فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنْ الْمُنذِرِينَ (92) النمل )
( إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) الزمر )
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )( 272) البقرة)
( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) يونس ).
بل لا يستطيع النبى محمد هداية من أحب لأن من يشاء الهداية يهده الله جل وعلا . قال له جل وعلا : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) القصص ).
4 ـ وعن مشيئة البشر الحُرّة في الايمان أو الكفر ومسئوليتهم على ذلك قال جل وعلا : ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31) الكهف )
5 ـ وعن تخييرهم بين الايمان أو عدم الايمان بالقرآن قال جل وعلا : ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا ) الاسراء )
6 ـ وعن حريتهم حتى في الالحاد في القرآن الكريم ومسئوليتهم على ذلك يوم الدين قال جل وعلا في خطاب مباشر لهم : ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت )
7: كان الرسول مأمورا بتقرير الحرية الدينية لخصومه وأن يعلن أنه ينتظر يوم الدين حيث يحكم رب العالمين بينه وبينهم . أمره الله جل وعلا أن يقول :
7 / 1 : ( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) الانعام )
7 / 2 :( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) هود )
7 / 3 :( قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) الزمر )
7 / 4 : وليس هناك أروع من أسلوب حواره عليه السلام معهم : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) سبأ ) التدبر في هذه الآيات يحتاج مقالا مستقلا.!!
8 : وتكرّر في القرآن الكريم تأجيل الحكم في الاختلافات الدينية الى يوم الدين .
8 / 1 : فليس لبشر أن يزعم لنفسه الانفراد بالحكم الالهى على الآخرين . هذا مرجعه لله جل وعلا وحده ، لأنه وحده فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة . قال جل وعلا : ( قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر ).
8/ 2 : وقد جعل جل وعلا للدين يوما هو ( يوم الدين ) . ويكون البشر فيه جميعا خصوما على قدم المساواة في الحساب ، سواء الأنبياء أم خصومهم ، سواء من يؤمن بالله جل وعلا وحده لا شريك له ومن يؤمن بآلهة وأولياء معه . كل منهم له رؤية لرب العزة ، وهم خصوم في رؤاهم تلك ، والأمر لصاحب الشأن الذى يحكم بين هؤلاء الخصوم الذين اختصموا في ربهم ، أحد الخصمين سيدخلون النار والخصم الآخر سيدخلون الجنة . قال جل وعلا : ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) الحج )
8 / 3 : وعن مرجعية الحكم على البشر في اختلافاتهم الدينية في الدنيا قال جل وعلا : ( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) الانعام )
8 / 4 : وهذا يشمل النبى محمدا عليه السلام وخصومه، قال جل وعلا : ( وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) الحج ). وعليه فإن من يزعم لنفه سُلطة إلاهية كهنوتية بالحُكم على خصومه إنّما يرفع نفسه فوق الأنبياء ، أي يزعم الألوهية .
8 / 5 : ويرتبط تأجيل الحكم على البشر في اختلافاتهم الدينية بالحرية المطلقة لهم في الدين . فالله جل وعلا لا يرضى لهم الكفر بل يرضى لهم الشكر والايمان ، ولكنه جل وعلا لا يفرض عليهم ما يرضاه لهم ، بل يترك لهم الحرية في مشيئة ما يرضون ، ثم اليه مرجعهم يوم القيامة فينبئهم بما كانوا يعملون . قال جل وعلا :
( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) الزمر ).
8 / 6 : وطبقا لهذه الحرية فللبشر تبادل الاتهامات بالكفر على قدم المساواة ، دون أن يحتكر أحدهم لنفسه الحديث باسم الرحمن جل وعلا ، أي أن يقول رأيه في خصومه ويقبل بحرية خصومه في أن يقولوا فيه آراءهم ، ثم ينتظر الحكم عليه وعليهم يوم القيامة ، وهذا ما سبقت الإشارة اليه في البند 7 .
8 / 7 : أكثر من هذا ؛ فالنبى والمؤمنين مأمورون بالصفح عن الخصوم ، فيكفى ما سيلقونه في الآخرة . قال جل وعلا :
8 / 7 / 1 :( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر )
8 / 7 / 2 : ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) الزخرف ).
8 / 7 / 3 : ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) الجاثية )
سادسا :
ملامح العلمانية في الشريعة الإسلامية
ليس من وظيفة الدولة في الإسلام هداية الناس وإدخالهم الجنة بل خدمتهم
لأن الحرية الدينية مُطلقة في الإسلام فان الدولة الإسلامية ليس فيها مؤسّسات دينية رسمية للفتوى أو للدعوة لأى دين . هذا متروك للأفراد والجماعات والجمعيات من كل ملّة ونحلة ودين ، وعلى قدم المساواة ودون أي تدخل من الدولة سوى بتأكيد وتقرير الحرية الدينية المطلقة وتحريم الاكراه في الدين ، وحق الأفراد والجماعات في الايمان أو الكفر وفى تأسيس بيوت العبادة وإقامة الشعائر ، وفى الدعوة لما يؤمنون به ونبذ معتقدات غيرهم مع احترام حرية الجميع في الدين دون إكراه .
عدم استغلال الدين فى السياسة والمطامع الدنيوية وعدم خلط الدين بالسياسة
1 ـ إن الله جل وعلا يحرّم مجرد أن يستغل أحد الحلف بالله جل وعلا أو عهد الله جل وعلا في مصلحة دنيوية . قال جل وعلا :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) النحل ) ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95) النحل )
2 ـ وسيكونون يوم القيامة خصوما لرب العزة جل وعلا :( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) آل عمران ) . هذا في التعامل التجارى فكيف بمن يركب ظهور الناس باسم الرحمن جل وعلا ؟
3 ـ يقول جل وعلا عمّن يستخدم دين الله ويتلاعب بكتابه فى تحقيق مطامع دنيوية؛ يشترى بآيات الله ثمنا قليلا:(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)(البقرة 174 : 175 ).
الشريعة الاسلامية العلمانية تعطى المجال الأكبر للتشريع البشرى .
1 ـ تشريعات القرآن الكريم محدودة لا تتجاوز مائتى آية، بكل التفصيلات والتكرار فى أوامرها وقواعدها ومقاصدها. تفصيلاتها تحتكم الى العرف أو المعروف فى التطبيق ، أي المتعارف على أنه عدل . وتأتى أحيانا قواعد عامة بدون تفصيلات تحتكم للعرف فى وضع تفصيلات قانونية ومذكرات تفسيرية للتطبيق. وفى جميع الأحوال فان القيم العليا هى الغاية التشريعية أو المقصد التشريعى لتفصيلات التشريع القرآنى وقواعده.
2 ـ وللبشر أن يضعوا قوانين بشرية في تطبيق الشريعة القرآنية في إطار المقاصد التشريعية من العدل والتيسير والرحمة ومراعاة حقوق الانسان. وفى نفس الاطار لهم أن يضعوا قوانين جديدة فيما يحتاجون في كافة شئونهم . وكل قانون يراعى المقاصد العليا فهو قانون إسلامي فى أى زمان ومكان ، وكل دولة تؤسّس تشريعها على ذلك فهى تطبق الشريعة الإسلامية ، بل إن أقرب الكتابات البشرية للشريعة الإسلامية هي المواثيق الدولية لحقوق الانسان . أما ما كتبه فقهاء المحمديين في مذاهبهم وما يطبقونه في دولهم الاستبدادية فهو حرب لله جل وعلا ورسوله ودينه وشرعه .
الشريعة الاسلامية العلمانية مجالها محدود فى الزام الفرد وفى عقابه.
1ـ لأن تطبيق الشريعة الاسلامية تقوم به الدولة الاسلامية ذات الحكم الديمقراطى المباشر فان الأفراد هم الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم ، وما يسمى بالحاكم ليس سوى خادم للمجتمع بعقد معين ، وهو مسئول أمام المجتمع الذى يملك عزله ومحاكمته ومكافأته. ومن هنا فان الفرد شريك فى السلطة وفيما يصدر عنها من تشريعات ، وهو أولى الناس بالالتزام بما يشارك فى اصداره من قوانين تحمى حقوق الأفراد وتحفظ حق المجتمع.
2 ـ ومع ذلك فان الدولة لا سلطة لها فى علاقة المواطن بربه فيما يخص العبادات والعقائد ، وليس لها سلطة الالزام فى شىء سوى الجانب العقابى الذى يحفظ حقوق الفرد فى الحياة وفى السمعة والعرض والمال والكرامة. وليس لها أن تهدم الأصنام والأوثان ، بل إن الدعوة القرآنية هي في مجرد إجتنابها . وحتى فإن تطبيق هذا متروك للحرية ، فمن شاء أن يعبدها له ذلك ، ومن شاء أن يجتنبها فله ذلك . بل إن بيوت العبادة للجميع تتمتع بحصانة ، ومن أجل تقرير الحرية الدينية ومنع الاضطهاد في الدين كان القتال الدفاعى في الإسلام ، قال جل وعلا : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج )
3 ـ وحتى فى الجانب العقابى فان العقوبات ليست للانتقام بل للإصلاح . وهذه العقوبات تسقط بالتوبة الظاهرة ، والتى تعنى الاعتراف بالذنب والتعهد بالكف عنه ، ورد الحقوق لأصحابها. ( البقرة 178 ) ( المائدة 33: 34& 38: 39 ) ( النور 2: 5 )
3 ـ وهى دولة يكون (الآخر) فيها ليس المختلف فى الجنس أو العقيدة أو المذهب أو اللغة أو الفقير، بل الآخر فيها هو المجرم الارهابى الخارج على المجتمع بسلاحه .
حقوق المواطنة على أساس السلام السلوكى وليس الانتماء الدينى
1 : الإسلام السلوكى يعنى السلام ، فأى فرد مسالم فهو مسلم بغض النظر عن دينه وعقيدته . طالما لا يرفع سلاحا ولا يقوم بإكراه أحد في الدين فهو مسلم . يترتب على ذلك المواطنة المتساوية للجميع
2 ـ الإسلام السلوكى هو ( الدين ) في التعامل بين الناس طبقا لما جاء في القرآن الكريم
2 / 1 : حين إرتضى العرب السلام ودخلوا فيه أفواجا قال جل وعلا للنبى محمد : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3) الفتح ). النبى لم ير ما في سرائرهم ، ولم يكن يعلم غيب القلوب ، ولم يكن يعلم أصحابه الذين مردوا على النفاق ، بالتالى كان الذى رآه هو الإسلام السلوكى بمعنى السلام . والله جل وعلا إعتبر هذا الإسلام السلوكى ( دين الله ). هم إختاروا السلام وكفُّوا عن الحرب فأصبحوا مسلمين سلوكيا ، مع بقاء معظمهم على الكفر العقيدى. فهناك إسلام قلبى لا يعلمه إلا علّام الغيب ، وهناك إسلام سلوكى ظاهرى يمكن الحكم عليه بالتزام السلام والأمان .
2 / 2 : وهناك إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة تقوى وخشوعا ، ومرجعها لله جل وعلا ، وهناك إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة سلوكيا بمعنى السلام ، أي الكفّ عن العدوان واختيار السلام ، ومرجعها للبشر في الحكم عليها . وحين نقض بعضهم العهد السلمى وهاجم النبى والمسلمين حربيا بعد فتح مكة نزلت سورة براءة تعطيهم مُهلة الأشهر الحُرُم الأربعة للعودة للسلام، إن لم يتوبوا ويكفُوا عن الحرب فيجب محاربتهم بعد هذا المُهلة . فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بمعنى الإسلام السلوكى ( السلام ) فهم أخوة في الدين ، قال جل وعلا : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) التوبة ).
سابعا :
العلمانية في دولة النبى محمد عليه السلام
الإسلام السلوكى دستور التعامل في دولة النبى محمد عليه السلام :
1 : تمتع المنافقون من الصحابة بحريتهم المطلقة في الكفر وفى المعارضة الدينية والسياسية وفى إيذاء النبى والمؤمنين وفى التآمر على الدولة التي يقيمون فيها ، ومع إن الله جل وعلا توعدهم بأن يكونوا في الدرك الأسفل من النار فقد كان التشريع هو الاعراض عنهم فقط ، بل كان النبى محمد يستغفر لهم أملا في أن يتوبوا ، وكانوا يرفضون المجىء اليه ليستغفر لهم ، يفضّلون الكذب عليه . مع هذا فقد كانوا جزءا من المجتمع يتزاوجون ويتعاملون على قدم المساواة ، لأنهم لم يرفعوا سلاحا .
2 : كان هناك من المؤمنين سلوكيا من ظلّ على كفره العقيدى ، يشرب الخمر ويمارس القمار ويعبد الأنصاب (الأضرحة). نزل النهى عن ذلك في أول إستقرارهم في المدينة فقال جل وعلا لهم : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج ) ، ظلوا مخلصين لكفرهم العقيدى فكان من أواخر ما نزل هو تنبيه لهم وتأكيد أنه ما على الرسول إلا البلاغ . قال جل وعلا لهؤلاء الصحابة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) المائدة ) . بدأ الخطاب ب ( الذين آمنوا ) أي آمنوا من الأمن والأمان ، وليس الايمان القلبى الخالص بالله جل وعلا وحده إلاها لا شريك له . ومثله في وعظ أولئك الصحابة الكافرين قلبيا : ( النساء 136 ) ( التحريم 6 ، 8 ) (الأنفال 27)
أخيرا :
1 ـ فهذا هو الاسلام الحقيقى الذى طبّقه خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام. وكان تطبيقه مخالفا للسائد فى العصور الوسطى. ولذلك ما لبث أن عاد منطق العصور الوسطى وطغا على هذه الدولة الاسلامية العلمانية الفريدة وأقام مكانها نظم حكم ديكتاتورية ثيوقراطية على النسق السائد فى أوربا وقتها ، وأضاع العلمانية الإسلامية ، وطغى طوفان من أكاذيب التراث والأحاديث والسند والعنعنة والخلافات الفقهية والكلامية الفلسفية، فنسى الناس علمانية الإسلام التي نزلت أُسُسُها في القرآن الكريم وطبقها خاتم النبيين ــ عليه وعليهم السلام ـ في دولة إسلامية وحيدة ، كانت جُملة إعتراضية في زمنها ، لذا كان سهلا أن يطويها ثقافة العصر ، خصوصا وقد أشعل الخلفاء الفاسقون غزوا وإحتلالا باسم الإسلام .
2 ـ بعد قرون استيقظت أوربا والغرب واعتمدت العلمانية والديمقراطية بعد كفاح دموى امتد ثلاثة قرون، وكانت مصر على وشك اللحاق بهذا التطور الغربى مبتعدة عن ثقافة العصور الوسطى ، وكادت أن تنجح لولا ظهور الدولة السعودية ببترولها و بوهابيتها التى استعادت أردأ ما فى العصور الوسطى من فكر وثقافة، ونشرتها فى مصر ودول المحمديين على أنها هى الاسلام. وبهم انتشر ما يُعرف بالإرهاب منسوبا للاسلام زورا وبهتانا ، بل أضحى الإسلام متهما بالتخلف والاستبداد والتعصب والفساد ، وبينما يدخل في التحول الديمقراطى شعوب في أفريقيا وآسيا واوربا الشرقية فإن الأديان الأرضية للمحمديين والمتحكمة فيهم تحول دون أي تحوّل ديمقراطى ، فهم بين نُظُم استبدادية ترتكز على كهنوت ، أو نظم استبدادية يحكمها الكهنوت نفسه بما يُسمّى ( ولاية الفقيه ) .
3 ـ وأصبح مثيرا للدهشة أن نكتشف الآن ـ بعد خمسة عشر قرنا من الزمان ـ أن الاسلام دين علمانى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حملة البطاقة الخضراء: 80 عاماً على ترحيل يهود أجانب من فرنس


.. لحظة انهيار مدرج في كنيس يهودي بمستوطنة جفعات زئيف غرب القدس


.. مقتل شخصين على الأقل وإصابة العشرات بانهيار مدرج داخل كنيس ي




.. ‏تواصل نقل المصابين الإسرائيليين بانهيارالكنيس اليهودي واستن


.. فلسطين