الحوار المتمدن - موبايل


صناعة الحياة في ثمان اطروحات

يحيى محمد

2021 / 6 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


بداية سنحدد الاطروحات العامة التي تناولت تفسير نشأة الحياة كالتالي:
1ـ المصادفات العشوائية..
2ـ القوانين الفيزيائية والكيميائية وما على شاكلتها..
3ـ التفاعل بين المصادفات العشوائية والقوانين الطبيعية..
4ـ قوانين التنظيم الذاتي..
5ـ قوانين التطور الخوارزمي..
6ـ قوانين واسباب طبيعية خفية..
7ـ قوانين واسباب فائقة لا طبيعية..
8ـ اسباب مفارقة لا طبيعية..
هذه ثمان اطروحات مختلفة، وللتمييز بينها سنتبع الخطوات التالية:
تعتمد الاطروحة الاولى على الاحتمالات الضعيفة في نشأة الحياة، فرغم ان الاخيرة ضئيلة التحقق لكنها تحدث بالصدفة العشوائية اذا ما اعطيت الزمن الكافي. وكانت هذه الفكرة شائعة خلال القرن التاسع عشر والغالب من القرن العشرين.
كما تتشعب الاطروحات الثانية والثالثة والرابعة بين ان تكون القوانين الطبيعية صارمة او غير صارمة؛ كنظريات التجاذب الذاتي، ونظرية جاك مونود الذي فاعل بين القوانين والمصادفات وطبّقها ليس فقط على أصل الحياة وتطوراتها، بل وعلى وجودنا والكون الذي نعيش فيه. وتمتاز هذه الاطروحات بانها تعتبر نشأة الحياة ليست صعبة كما تقتضيه الاطروحة الاولى القائمة على المصادفات العشوائية.
ايضاً تتجه الاطروحة الخامسة الى وجود برمجة ذاتية خفية في صميم النسيج الكوني ساعدت على نشأة الحياة تلقائياً، وفق تطورات خوارزمية قائمة على الدعم الاحتمالي القوي، كالذي يحدث في المحاكاة الحاسوبية، كما طرحها عدد من العلماء.
في حين تبدي الاطروحة السادسة وجود قوانين مجهولة لا نعرف عنها شيء، وقد تكون هي سبب نشأة الحياة، كما قد يأتي اليوم الذي يمكننا اكتشافها. وهي اطروحة تبناها عدد من العلماء البنيويين.
أما الاطروحة السابعة فامرها يختلف عما سبق، فهي لا تعتبر سبب الحياة أمراً طبيعياً، بل ترى انها نتاج عملية ذكية فائقة، لكنها مع ذلك غير مفارقة، كالذي ذهب اليه هويل وزميله ويكراماسينج. وهي الاطروحة التي نرجحها لعدد من المبررات.
تبقى الاطروحة الثامنة والاخيرة، فهي تشابه السابعة، سوى انها تعتبر سبب الحياة ليس فقط غير طبيعي، بل ومفارق ايضاً، كما هو رأي اصحاب النظرية الخلقوية وانصار التصميم الذكي.
ويلاحظ ان الاطروحات الخمس الاولى تتفق معاً في القابلية على صناعة الحياة في المختبر ولو من الناحية النظرية. فهي تعتبر ان اسباب الحياة وقوانينها لا تختلف عن اسباب وقوانين بقية الظواهر الاخرى في كونها طبيعية. لذلك فمثلما يمكن انتاج سائر الظواهر الاخرى في المختبر ولو نظرياً، فكذا هو الحال مع صناعة الحياة، رغم اختلاف ما تقتضيه من درجات السهولة والصعوبة لدى صناعتها في المختبر.
فالاطروحتان الثانية والرابعة تقتضيان ان تكون صناعة الحياة سهلة جداً عند توفر عناصرها الاساسية وظروفها المناسبة. واصعب منهما ما يتعلق بالاطروحة الثالثة. وتزداد الصعوبة لدى الاطروحة الاولى، حيث تواجه مشكلة الاحتمالات العصية، لذلك انها تلجأ الى خيار الزمن الطويل لحل هذه المشكلة. رغم ان الاعتماد على محض الظروف العشوائية ومصادفاتها لا تتناسب مع عمر الكون.
مع هذا يفترض ان من السهل صناعة الحياة وفق هذه الاطروحة من خلال تدخل الذكاء البشري دون الانتظار طويلاً. فما من شيء يخضع للمصادفات العشوائية الا وامكن للذكاء الاتيان به بسهولة. ومن خلال ذلك نستنتج ان الحياة غير خاضعة لمنطق الاحتمالات، لأن هذا المنطق يفترض ان الحياة يمكن ان تنشأ ضمن احتمال ضعيف جداً من الناحية العشوائية. اما مع تدخل العنصر البشري فالامر يختلف. فكل ما لا يتمكن العقل البشري من الاتيان به، او يصعب عليه ذلك عملياً ونظرياً، فانه لا يخضع للقيم الاحتمالية.
كما تحتاج الاطروحة الخامسة الى الذكاء، فقوانين التطور الخوارزمي عصية عن فعل شيء من غير التزود بالمعلومات بالمعقدة، وهي بحاجة الى الذكاء.
اما الاطروحة السادسة فحيث انها تتحدث عن اسباب وقوانين طبيعية خفية، لذا يُفترض انها تستصعب تحضير الحياة في المختبر للجهل بما تبقى من اسباب وقوانين تعمل على صناعتها.
في حين يختلف الحال مع الاطروحة السابعة، فهي تقر ان سببية الحياة غير مفارقة، لكن ليس من المعلوم ان كانت هذه السببية تعمل عندما يتم استحضار كافة العناصر والظروف الطبيعية الملائمة مع تدخل الذكاء البشري، ام انها تنطوي على عنصر لاطبيعاني غير قابل للاستحضار في المختبر؟
تبقى الاطروحة الاخيرة، فباعتبارها قائلة بالسببية المفارقة، لذا تبدو امكانية صناعة الحياة في المختبر غير مبررة، اذ كيف يمكن استدعاء المفارق الغيبي الى عالمنا الشهودي بعوامل طبيعية؟!
والفارق بين الاطروحة السادسة والاطروحتين الاخيرتين، هو ان الاولى تعول على وجود اسباب وقوانين طبيعية ما زالت خافية عنا. بمعنى ان من الممكن بحسبها وجود ظروف خاصة - ما زلنا لا نعرف عنها شيئاً - هي ما تتيح للحياة ان تنشأ. في حين بحسب الاطروحتين الاخيرتين ان الامر لا يتعلق بالظروف والاسباب الطبيعية رغم اهمية توفرها، بل يناط بالفاعلية غير الطبيعية، كفاعلية الذكاء.
***
ولو عدنا الى الاطروحات الثمان مرة اخرى، نلاحظ انه عند مساعدة الذكاء البشري تقتضي الخمسة الاولى منها سهولة صناعة الحياة في المختبر، ولو من الناحية النظرية، اذ قد يكون المانع متعلقاً بالجانب العملي. فما دامت الحياة ظاهرة طبيعية المنشأ لذا فمن الممكن تحضيرها في المختبر. واذا كان من الصعب انتاجها فذلك لان بعض ظروفها او عناصرها غير متوفرة. لهذا صرح فرانسيس كريك واورجيل بان من المحال على الارض ان تكون موضعاً صالحاً لنشأة الحياة للسبب المشار اليه، وهو ما جعلهما يلجآن الى نظرية البذور الموجهة، وبالتالي فمن الناحية النظرية يمكن بسهولة تحضير الحياة، مثلما يمكننا انتاج العناصر المختلفة ومنها الثقيلة فيما لو توفرت الطاقة الكافية لها، كما في طاقة النجوم والمستعرات.
أما الاطروحة السادسة فتقتضي عدم امكانية صناعة الحياة ما لم نتعرف على ظروف وقوانين اخرى مؤثرة ما زالت خافية عنا. ولو تم التعرف عليها لكان من السهل تحضيرها في المختبر.
في حين تعتبر الاطروحة السابعة ان صناعة الحياة لا تخضع فقط لتجميع العناصر الاساسية ونسبها وظروفها، بل كذلك الى تأثير بعض القوانين والاسباب غير الطبيعية، والتي لا نعرف شروط فعلها وعملها في صناعة الحياة لحد الآن، وكل ما يمكن معرفته انها سبب نشأة الحياة للاعتقاد بأن من المحال ان تنشأ الاخيرة بشكل طبيعي. وحال سبب نشأة الحياة هنا كحال سبب بعض الظواهر الفيزيائية الغامضة، مثل المادة والطاقة المظلمتين اللتين يعزى اليهما صيرورة الكون واستقراره. فإلى هذا اليوم لا يُعرف كيف تعمل هاتان القوتان المفترضتان، ولا ان بالامكان تحضيرهما في المختبر، رغم الاعتقاد بانهما يملآن الكون تقريباً.
أما الثامنة المفارقة فهي أبعد ما يمكن تفعيلها في المختبر، كما عرفنا.
وتبعاً لما سبق يمكن وضع قاعدة متأصلة في التمييز بين الاطروحات الست الاولى من جهة، والاطروحتين الاخيرتين من جهة ثانية، وتقريرها كالتالي:
إن كل ما يصعب على العقل البشري، او يعجز عن تحضيره - ولو نظرياً - فسوف يبطل بقية الاطروحات الست بما فيها السادسة؛ باعتبارها فرضية من دون دليل.
وهذا ما يجعلنا نعتقد بان الحياة نتاج اسباب غير طبيعية.
ولا بد من الاشارة الى مسألة ما زالت موضع خلاف شديد بين الداعمين للتصميم وخصومهم، وتتعلق بالمقارنة بين الصناعات البشرية من جهة، وتركيبة الحياة من جهة ثانية.
فالجميع يتفق على ان تركيبة الحياة كما في ابسط خلية اعظم بما لا يقارن مع اي صناعة تكنلوجية انتجها البشر. كما لا يوجد تردد في عزو اي اثر تكنلوجي الى كونه مصنوعاً بفعل الذكاء دون ان ينسب الى المصادفات الكونية والقوانين الطبيعية.
في حين يتأجج الخلاف حول نشأة الحياة رغم انها اعظم تعقيداً من الآلات البشرية، وانه ما زال البشر غير قادرين على احضارها وانتاجها. فرغم ذلك يعتقد انها نتاج قوانين طبيعية او مصادفات استثنائية، وهو ما لا يقال حول الآلات التكنلوجية المعقدة.
وبدورنا نقول: لو ان هذه التفرقة سليمة لكان من السهل صناعة الحياة، بل ولكان ذلك ايسر من صناعة اي اثر معقد للانسان.
فلا يوجد شيء يمكن انجازه بالصدفة او القانون الطبيعي الا وكان للذكاء ان يأتي به ولو نظرياً. او ما من شيء معقد يمكن ان ينشأ بالمصادفات الا وامكن للممارسات الذكية ان تحضره بسهولة.
فمثلاً يحتاج ترتيب لعبة البطاقات (52 بطاقة) بطريقة واحدة عشوائياً الى زمن يفوق عمر الكون بمضاعفات كبيرة جداً، فلو اعتبرنا ان كل محاولة تستغرق ثانية واحدة فسنحتاج الى (1068 ثانية)، في حين ان عمر الكون اقل من (1018 ثانية). وفي المقابل يمكن ترتيب هذه البطاقات عن قصد بسهولة جداً خلال دقائق محدودة فقط.
وعلى خلاف ذلك ما زالت مسألة تصنيع الحياة بعيدة المنال رغم توفر عناصرها الاساسية.
وقد يشير ذلك الى واحد من امرين:
الاول هو ان تكون تعقيداتها ما زالت خافية، ومن ثم سيأتي اليوم الذي نتمكن فيه من معرفة كافة تفاصيلها، ومن ثم امكانية صناعتها من جديد. اما الثاني فهو انه حتى مع تمكننا من معرفة كافة تفاصيلها فقد لا يتاح لنا انتاجها من جديد؛ لغياب عنصر غير طبيعاني فيها.
وسواء صدق الامر الاول ام الثاني؛ فان صناعة الحياة لا تستغني عن الحاجة الى الذكاء..
وتنبغي الاشارة الى وجود محاولات لصنع بعض الخلايا الجديدة، لكنها لم تنطلق من الصفر، بل اعتمدت على خلايا طبيعية اخرى بطرية شبيهة بالتدجين. أي انها لم تنتج حياة من مادة لا عضوية. فلأول مرة عام 2010 تمكن فريق من الباحثين بقيادة كريج فينتر Craig Venter من صنع خلية بكتيرية جديدة. وجرت العملية من خلال الاستعانة بالحاسوب في اصطناع كروموسوم جديد بناءاً على اخر طبيعي موجود. وقد احتوى جينوم الكروموسوم الجديد على حوالي 900 جين تمت اضافته الى بكتيريا مفرغة من جينومها.
وفي عام 2016 نجح فريق فينتر في تقليص عدد الجينات الى 473 جين، في حين ان البكتيريا القولونية الاشريكية تمتلك حوالي 4000 جين، وان الخلية البشرية تمتلك حوالي 30000 جين. وقد اعلن الفريق بان هذا العدد من الجينات يعتبر كافياً لانتاج الحياة، حيث انها قادرة على النمو والانقسام ومن ثم انتاج المستعمرات من الخلايا على الاجار. لكن عند الفحص الدقيق تبين انها لم تنقسم بشكل موحد ومتساو لانتاج جيل متطابق كما تفعل معظم البكتيريا الطبيعية، فقد انتجت خلايا ذات اشكال واحجام غريبة. وقد تمكنت الباحثة ستريشالسكي Strychalski من تحديد سبعة جينات اضافية مطلوبة لجعل الخلايا تنقسم بشكل موحد.
ورغم هذا النجاح فان الباحثين اكدوا انهم لم يصنعوا خلية او حياة من الصفر، بل استعانوا بالحاسوب في تقليص عدد الجينات الموجودة في بعض البكتيريا الطبيعية، فتخلوا عن غير الضرورية واحتفظوا بالمطلوبة، ومن ثم زرعوها في بكتيريا اخرى بعد تدمير جينومها.
لذلك صرحت الباحثة ستريشالسكي بالقول ان الحياة ما زالت صندوقاً اسود.
وهكذا هو حال الحياة الى يومنا هذا..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اللغة والفكر


.. محنة هيباتيا .الميسوجينية ومحاكمة الوعي


.. محنة سقراط




.. نكبة ابن رشد نموذجا


.. من اجل فلسفة للاطفال متعة التفلسف