الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المدنية السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع (٦)

وليد المسعودي

2021 / 6 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المدنية السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع (٦)

الاداب والفنون السومرية

قصة الطوفان

في النصوص السومرية لم يضرب الطوفان سوى خمسة مدن كانت موجودة قبله ، وهذه المدن من حيث الملكية موزعة على الالهة ولما جاء قرار الطوفان حزنوا كثيرا الالهة الخمسة على هذا القرار ، حيث لم تذكّر النصوص السومرية سببية الفعل لمادة الطوفان ، كل ما ركزت عليه انها ستدمر مراكز العبادة وتعيد نواميس ملكية المدن ، حيث يخاطب احد الالهة الكبار في اللوح الخاص بالطوفان بانه سيعيد الناس الى مواطنهم ويجعلهم قادرين على تشييد مراكز العبادة او مواضع الشرائع الالهية داخل المدن الجديدة . (٦٠)
وذلك بشكل جديد من خلال اختيار الشخصية الوحيدة المنقذة للبشر وهو هنا نوح سومر " زيوسدرا " وهذا الاخير صورته النصوص السومرية بانه " ملكا صالحا يخشى الالهة ويتشوق للاتصال بها " (٦١)
وبقية التفاصيل والقصة واضحة من خلال قيامه ببناء سفينة ضخمة وحسب الارشادات الالهية في كيفية انقاذ المخلوقات وضمان عالم مختلف عما سبق ولا يعاني من الفساد ، عالم يعيد و يصحح الحاضر بشكل مختلف عن الماضي .
وهكذا دمرت الملكية ومعابدها وبني محلها ملكية ومعابد غيرها مع اختيار حكام جدد مختلفين عما سبق ووفقا لطبيعة الأفعال والارادة الالهية . (٦٢)

ويختلف الابطال في قصةالطوفان بين زيوسدرا السومري واوتو _ نبشتم البابلي ونوح العبراني ، ولكن في محتوى ومضمون القصة تبدو واحدة وهي تتحدث عن طوفان قد حدث بالفعل في العراق وفي الجنوب منه على وجه الخصوص كما تشير اليه اكثر التنقيبات الحديثة من خلال وجود " بقايا ترسبات طوفان تفصل بين عهدي جمدة نصر وعصر فجر السلالات " داخل المدن السومرية مثل شروباك والوركاء وكيش وغيرها (٦٣)
بعد الطوفان هنالك الهلاك وهناك النواح والبكاء والرثاء لمدة سبعة ايام وسبعة ليال من عمر الطوفان ، لم يبقى احد ما لم يبكي بشر والهة كل شيء عاد الى خلقته الاولى " الطين " كما يصف اوتو _ نبشتم لجلجامش بعد سكون العاصفة واستقرار سفينته قرب احد الجبال (٦٤)
ان قصة الطوفان هي قصة الحياة والموت ، الماضي والمستقبل بصياغة الهية سومرية وصلت في مستواها وحدودها الى ازمنة لاحقة تؤكد التأثير الالهي على البشري وان الاخير لا يملك من هذه الدنيا الا البقاء وفيا لخدمة الالهة او الله من اجل ان يعيش في طمأنينة وسعادة مطلقتين .





المصادر والهوامش :_

٦٠ _ اكثر مجتمعات ما قبل الحداثة ، ما قبل ظهور الطباعة والمجتمع الحديث تعتبر الملكية هي تمكين الهي وليس بشري ومن ثم هناك الغاء حقيقي لطبيعة الصراع الظاهرة والمخفية في الوقت نفسه ماديا كصراع البشر انفسهم ومعنويا كتصعيد لمادة الصراع الى درجة الالوهة . بخصوص قرار الطوفان وتدمير الملكية في المدن يراجع هنا . كريمر ، صوموئيل / من الواح سومر / ص ٢٥٣
٦١_ المصدر ، نفسه / ص ٣٥٤
٦٢_ بقيت مسألة تغيير المجتمعات واحوالها حتى وقتنا الحاضر ذات ارتباط خارجي بسبب عجز الانسان القديم عن تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية ، وبالتالي اي تغيير في حياته المادية والمعنوية لا يعزى للبشر انفسهم بقدر ما يعزى للعوامل الخارجية من تأثير الالهة او الله فيما بعد ، وهذا ان دل على شيء فانه يدل على هيمنة نسقية التفكير الديني للعالم منذ ازمنة سحيقة وما تزال .
٦٣ _ طه، باقر / ملحمة جلجامش / ص ١٥
٦٤ _ وحده الغراب مكتشف الحياة حيث لم يعود الى اوتو _ نبشتم واصل حياته في الارض الجديدة المكتشفة التي لم تغرق ولم يصلها الطوفان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 132 (إلى جلالة الملك عبد الله - - حكايات وذكريات السيد حافظ)


.. بسبب قلة المعاشات التقاعدية.. كبار السن في كوريا الجنوبية يض




.. المشغولات اليدوية.. مشروع لأيتام غزة


.. احذر! هاتفك القديم خطر على صحتك




.. قطار يخرج عن مساره يتسبب بحريق هائل قرب حدود أوهايو وبنسلفان