الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المدنية السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع (٨)

وليد المسعودي

2021 / 6 / 28
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المدنية السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع (٨)

الآداب والفنون السومرية

النحت السومري



ان حركة اي فن هي نتاج عملية الصقل المتواصل لجميع المؤثرات الداخلية والخارجية ، المعاشة بشكل يومي ، والمحيطة بها من ثقافات وافكار بشرية وافدة بفعل عمليات التبادل الناتجة عن الغزو والتجارة والانتقال والهجرات الجماعية ، البشرية . كل ذلك يؤثر على الفن ويجعله ماسكا لاطاره وشكله النهائي ، ولا ينفصل الفن السومري عن هذه المؤثرات ، حيث يواصل تقدمه وان كان بشكل بطيء ولكن ما يميزه هو التفرد والاتقان ضمن جماليات الزمن المنتج لفنهم وخصوصا بما نقصده هنا في مجال النحت السومري الذي كثيرا ما ركز على تجسيم المنحوتات من خلال الكتابة على اكتاف وظهور بعض الاعمال النحتية ، والتي من الطبيعي لا تنفصل عن تأثيرات النسق المهيمن ، عن تأثيرات الدين والرؤية السائدة للمعابد وتصوراتها حول علاقة الانسان مع ربه ( ٧١)

النحت المجسم

فهذه التماثيل المستخرجة من " تل اسمر " ومن ضمنها تماثيل الملك جوديا حكم من سنة (٢١٢٤ _ ٢١٤٤ ق م ) تظهر فيها كتابات تشير الى علاقة الملك مع الهه ، وهي في النهاية لا تقصد سوى الدعاء والتقرب اليه زلفى ، اذ كتب على احد تماثيله " الى ملكي الذي بنيت معبده وعسى ان يثيبني الحياة " (٧٢)
وهكذا مع بقية التماثيل التي لا تعبر عن رؤية الملك نفسه فحسب بل عن رؤية الناس العاديين الذين تصنع لهم التماثيل تقربا وتعبدا الى الالهة لا اكثر ويتم اهدائها او تقديمها الى المعبد .

ان الأجسام المنحوتة سومريا كانت مليئة بالضخامة حيث تظهر قوة الشخصية من حيث تركيزها على ملامح الوجه والعينين ، بالرغم من غياب النزعة الطبيعية كما يقول ليونارد وولي ، اذ لم تظهر باوضح صورها الا في العصور التالية ( ٧٣ ) وجل ما تركز عليه هذه التماثيل هو ملامح الوجه ، ابراز القسمات في الوجنتيْن ، حيث تشبهان الهلال في شكلهما ، وحتى اللحية تكون عادة اكثر تلاصقا بالوجه وكاننا امام مثلثات تنتهي بالانف والفم (٧٤)

ولكن ليس كل المنحوتات المجسمة تظهر بهذه الضخامة ، اذ ان الاخيرة قد تكون محصورة فقط للملوك ، فهذا تمثال " دودو " كاتب سومري لا يحمل تلك الضخامة ، يظهر حليق الرأس واللحية مرتديا لباسا من الفرو ومكتوب على ظهره الصفة او المهنة التي يشغلها وهي مهنة الكتابة ، والتماثيل المصنوعة عادة ما توضع على هياكل القصور والبيوت وهي مكونة. من تماثيل آلهة وبشر وحيوانات ، واهم المكونات المستخدمة هي مواد الحجر " الديوريت " والنحاس والفضة (٧٥)
وبشكل عام يظهر التجريد في صناعة التماثيل السومرية ضعيفا من حيث تصويرها للاجسام وذلك بحكم بدائيتها وجل ما تركز عليه في تجريدها كما اسلفنا اعلاه هو ابراز طبيعة الوجه وخصوصا في ابراز العينين والوجنتين لما فيهما من دلائل تشير الى قوة الشخصية واستقلالها ، وهو في النهاية استقلال سياسي بالدرجة الاساس . (٧٦)

النحت البارز

ولم يكتفي الفن السومري في النحت المجسم في صناعة التماثيل فحسب بل هناك ايضا الابداع في النحت البارز على الجدران في منحوتات او مسلات تظهر الوقائع السياسية وطبيعة الأفكار والقوانين والشرائع التي يسنها الالهة والملوك ، فضلاً عن نحت الاختام الاسطوانية وكلها تعبر عن روح الشخصية السومرية .

فهذه مسلة الملك كوديا والتي يبلغ ارتفاعها ٣.٥ م وعرضها ١.٥ م (٧٧)
تشير الى الطابع الديني حيث يظهر كوديا بمثابة الوسيط الذي يؤدي فعل الخصوبة وهو يحمل غصنا من شجرة في يديه بينما اليد الاخرى تقودها يد احد الالهة ويعتقد انه ننكشزيدا حيث يظهر بدوره وهو حامل لرأسين من الافاعي على كتفيه بينما يسير امامه احد الالهة ، والمشهد كله يوضح عملية التقرب الالهي خصوصا مع وجود الماء الذي يرمز لاتمام عملية الخصوبة بفضل الاله انكي وكله في النهاية بمثابة دعوة للرضا عنه وتثبيت حكمه اكثر فاكثر فضلاً عن تحقيق الشفاعة عند الالهة الاكبر والوسيط هنا الهه " ننكشزيدا "

في حين تظهر مسلة الملك اورنمو ( ٢١١٢ _ ٢٠٩٥ ق م ) بحلة اكثر وضوحا وايضا تركز على فعل الخصوبة من خلال صورة الملك اورنمو المزدوجة وعلى الجانبين في اليسار واليمين مرة امام الاله ننكال ومرة اخرى امام الاله ننار وفي الحالتين تمارس عملية سكب الماء مع حماية الاله له والتقرب اليه ولا تنفصل مشهدية المسلة عن فكرة البناء حيث يظهر نفسه الملك اورنمو وهو يحمل ادوات البناء ويساعده احد الكهنة ، وكلها تشير الى عملية تثبيت الدولة اكثر فاكثر مع حماية اله القمر نانا الذي يرمز له بالهلال او النجمة المعلقة في اعلى المسلة ، وما يترسخ في الاسفل ليس سوى عمليات تبجيل وتعظيم للاله ماثلة في تقديم القرابين وذبح الخرفان والثيران وهي طقوس تقام بشكل سنوي حيث يصاحبها احتفالات بهيجة وضرب على الطبول الكبيرة

وهكذا مع بقية المسلات المنحوتة على الجدران كلها تبرز الوقائع السياسية والاجتماعية السائدة في بلاد السومريون فضلاً عن وجود رغبات الملوك بتخليد اسمائهم وانتصاراتهم العسكرية كما هو الحال مسلة شو- سين ( ٢.٣٧ _ ٢٠٢٩ ق م ) رابع ملوك سلالة اور الثالثة (٧٨) .

ان النحت البارز يتجاوز الرسم على الجدران في تكوين المسلات ليصل الى عمل الاختام الاسطوانية وهذه الاختام الاسطوانية ايضا تعبر عن حياة السومريين وطقوسهم بالنسبة للملوك او للناس العاديين ، حيث يدون فيها بشكل مختصر اسم الشخص الملك مثلا ووظيفته ، بشكل مزخرف في غاية الاتقان ، اضافة الى العائدية او ملكية الاختام ولمن تعود ، كما تكتب عليها رموز الالهة كل ومن يمثله ، اله القمر مثلا سن ( ننار) رمزه الهلال واله الماء ايا ( انكي) يرمز له بحيوان مزدوج يجمع بين العنزة والسمكة وهو حيوان خرافي ولكنه كزمزية يشير الى الاله ايا ( انكي) (٧٩)
اضافة الى رموز الالهة هناك ايضا الرموز الحيوانية والنباتية وكلها اذ تعبر عن الحيوانات والنباتات المقدسة لدى السومريين مثل الاسد والنسر والاشجار والازهار .. الخ
و هناك مادة تقديم المشاهد على الاختام الاسطوانية وهي عبارة عن تعبيرات تظهر القدسية والتبجيل للعبد ازاء الهه او مشاهد تظهر تقديم العبد للقرابين من اجل الحصول على بركة وشفاعة الالهة نفسها (٨٠)

وهكذا لا ينفصل النحت السومري عن فطرة الانسان وغريزته وواقعه المعاش ورغبته في البقاء ومحاربة الاعداء سواء كانت مادية ماثلة في صور العدو الخارجي او معنوية مرتبطة ببقاء النفوذ والمكانة لدى المجتمع السومري .

المصادر والهوامش : _

٧١ _ هناك من يرى ان النحت السومري لم يرتقي الى تقليد الصور الطبيعية تقليدا محكما ولم يهتم بتفاصيلها كما سوف يفعل الفن الاغريقي فيما بعد ، وذلك بسبب تلازم الديني مع الفن بشكل يجعل الفنان السومري يقدم الفن خدمة للالهة اكثر مما يقدمه لأجل الفن ذاته وتطوره ، يراجع هنا شكري ، اكرم / النحت السومري / مجلة سومر / المجلد الاول ، العدد الاول ، بغداد ١٩٤٥ / ص ١٣٢ .
٧٢ _ المصدر ، نفسه / ص ١٣٣
٧٣ _ وولي ، ليونارد / وادي الرافدين مهد الحضارات / ص ٢٨
٧٤ _ شكري ، أكرم / المصدر ، نفسه / ص ١٣٤
٧٥ _ سبق ان اشرنا في الاجزاء الاولى من مبحثنا هذا ان الخلود هو احد الاسباب التي تجعل الملوك يهتمون بصناعة التماثيل ومن اجلها يخوضون الحروب وذلك للحصول على المواد الأساسية في صناعتها كالفضة على سبيل المثال كما كان يقوم به ملك اكد منفستو سو لغزو بلاد عيلام . يراجع هنا ، ديورانت ، ول / قصة الحضارة ، الجزء الاول / ص ٢٢٣
٧٦ _ لا يمكن ان يحدث اي تطور استقلال سياسي وتمكن اقتصادي داخلي ، ذلك بالفعل ما تحقق في عهد الملك جوديا انعكس كثيراً في اثره على التطور الفني وان كان في مرحلة غير متقدمة على الفن الاغريقي او الفن المصري

٧٧ _ اسراء ، عبد السلام مصطفى عساف / فن النحت في العصر السومري الحديث / رسالة ماجستير / جامعة الموصل ، ٢٠٠٥ / ص ٥١
٧٨ _ هذه المسلة لم يتم العثور عليها ، حيث ذكرت في الرقم الطينية الخاصة بهذا الملك والتي حاولت تخليد منجزاته العسكرية وانتصاراته على الاعداء من اقليم زابشالي ، يراجع هنا ، المصدر نفسه / ص ٥٥ _ ٥٦

٧٩ _ المصدر ، نفسه / ص ٦٢
٨٠ _ ان المجتمعات لا تنفك تعيد نفسها ضمن صور متشابهة من التعبير الروحي الديني وان اختلفت طرق العبادة والتبجيل والالهة ورموزها المقدسة من غيبية الى بشرية ولكنها تبقى واحدة في المضمون الذي يرسخ مادة الخوف من المجهول و الاخير عنصر بقاء التدين ملازما للمصلحة البشرية .

يتبع لطفا ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وصفة طبية ثقافية للتخفيف من عزلة الكآبة والوحدة وعدم الاكترا


.. إجراءات عقابية إسرائيلية ضد عائلات منفذي هجمات القدس




.. بعد الأرجنتين.. المستشار الألماني شولتز يزور تشيلي والحديث ع


.. أطفال باخموت.. كيف يعيشون تحت وطأة الحرب والقصف المستمر؟




.. الدوري الفرنسي: باريس سان جيرمان بتعادل مع رانس ويواصل نزيف