الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ذاكرة المجتمع التقليدي واستحواذ القيم العنصرية على بعض المؤسسات الحديثة جماعة امزيزل بجنوب شرق المغرب نموذجا

لحسن ايت الفقيه
(Ait -elfakih Lahcen)

2021 / 7 / 27
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تتميز جل الأوساط القبلية المغلقة، بجنوب شرق المغرب بطغيان التوتر بين القيم التقليدية ومبادئ المؤسسة الحديثة. والمقصود بالوسط التقليدي المغلق ذاك الوسط الذي نشأ يغشاه النظام المؤسساتي الحديث بعيد وقف إطلاق النار من أفواه مدافع دبابات المستعمر الفرنسي، أي: ذلك الوسط الذي كان ينتمي إلى بلاد «السيبا»، حسب الخطاب الكولونيالي. وأحب استعمال مصطلح الوسط القبلي المغلق تجاوزا لخطاب سوسيولوجي ود أن يتأسس على ثنائية بلاد المخزن وبلاد «السيبا»، مع تصور هذه البلاد الأخيرة أنها تخلو من النظم، وذاك لغو لا طائل من ورائه. وفوق ذلك تقدمت مؤسسة المخزن، وطورت أساليبها، وتكاد تخلع لباسها التقليدي بالمرة، وظل معتنقو الثقافة القبلية ينتجون قيما عنصرية منتهكة لحقوق الإنسان، يتضرر منها المواطنون في الأوساط القبلية المغلقة.
لنقف في الحال، عند ما بقي من مؤثرات المجتمع ما قبل وصول الحماية الفرنسية، والتي لم تنج منها بعض المؤسسات الحديثة. صحيح أن الدولة أعدت الموظفين، وكونتهم، وأعدت لهم تداريب ليكتسبوا آداء حداثيا ينسجم والمؤسسية، بما هي ثقافة ونهج حديث، لكن هؤلاء لم يتخلصوا من القيم التقليدية، لم يتخلصوا من طقوس الانتصار والهيمنة القبلية، لذلك استمر تهميش الأقليات العرقية، واستمرت القيم العنصرية تحرف الآداء المؤسساتي في بعض المؤسسات. قد تصادف بشرا لا يحمل من القيم الحديثة أي شيء. وهناك رؤساء المؤسسات لا علاقة لهم بالعدالة المجالية، أو المبادئ نحو تكافؤ الفرص، والمساواة بين المواطنين، فهؤلاء لا تزال تتحكم فيهم الثقافة التقليدية، ثقافة الحماية «تايسا» بالأمازيغية، وتقديم الولاء، والتعظيم بالذبائح وفق طقوس ثقافة الدم.
وقبل أن أنتقل إلى صلب الموضوع، أحب أن أشير إلى مجاله الذي يتصل بالعدالة المجالية داخل حيز ضيق، داخل جماعة ترابية، جماعة امزيزل، بإقليم ميدلت. وإني حريص كل الحرص ألا أتهم أحدا شخصا طبيعيا أو معنويا، مجلسا جماعيا، أو إقليميا، أو جهويا، لأن الأمر هنا ثقافي متصل بالقيم، بعيدا، نوعا ما، عن السياسة.
إننا أمام واقع متعدد يعم الهوية الثقافية، وقد ينعرج إلى شأن الأوقاف، والتنمية الزراعية، والتجهيز الهيدروفلاحي.
ولدت جماعة امزيزل في التقطيع الإداري لسنة 1992، وتمتد على طول واد زيز من الحد الشرقي لدائرة إملشيل الإدارية إلى شعبة «أقا ن إكرطاون»، غرب الريش. وتقع الجماعة بالوسط الجبلي بجبال الأطلس الكبير الشرقي، بإقليم ميدلت، جنوب شرق المغرب. تخترقها من الشرق إلى الغرب الطريق رقم 706 الممتدة من الريش إلى إملشيل. والطريق المذكورة تنثني، في مفترقها بامزيزل، يسارا نحو حوض غريس. وفي الحقيقة فقد كانت، مسارا للعربات، ومسلكا للدبابات، لاستعمار الأطلس الكبير الشرقي في العشرينيات من القرن العشرين، وهي في الواقع طريق وظيفية لذلك همشت مجموعة من السكان، يقطنون بالضفة اليسرى لواد زيز، وهم الذين لم يحركوا ساكنا بعد أن ساهم بعضهم في المقاومة الذي قادها بلقاسم النكادي [بالكاف المعطشة] بزاوية سيدي بوكيل يوم 19 من شهر شتنبر من العام 1921.
تقطن بالجماعة أيت يزدك بالدرجة الأولى. ورغم وجود قرى تعم الأقليات العرقية، بالضفة اليسرى لواد زيز، والتي لم تحض باستقلالها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وظلت تشكو من حرية القرار. وهذه القرى هي قرى الأقليات الإثنية، أو على الأقل، لا تنتمي إلى قبيلة أيت يزدك: باليث، تابية، زاوية سيدي بوكيل، كفاي. وباتت تمثل شريطا مهمشا منسيا بالجماعة الترابية امزيزل.
في منتصف القرن التاسع عشر، أثناء تمدد أيت يزدك بواد زيز، فرضت الحماية على هذه الأقليات. فكانت باليث وتابية محميتيْ بطن أيت فركان، وزاوية سيدي بوكيل وكفاي محميتيْ بطن أيت مومو. وأما القرى الأخرى فجلها تقطنها أيت يزدك، أيت بني يحيى أو أبناء أحمد ويحيى تابعة لبطن أيت مومو، وايت موسى وعلي لبطن أيت الثلث، وتيغجديت وهي القرية الموروثة عن كروان تابعة لأيت الثلث، وولال الموروثة عن كروان لأيت فركان، ومجموعة تيغرماتين لأيت مومو، وتماكورت الكبيرة تهيمن عليها عشيرة أيت موسى وعلي، وهي لأيت الثلث. وفي أواخر القرن التاسع عشر ومع رحلة الحسن الأول إلى تافيلالت سنة 1893 استوطنت أيت حاحو تماكورت الصغيرة.
استوطنت أيت حاحو تماكورت الصغيرة، وهي لأيت مومو، وتقطن امزيزل أيت مومو، وأهلهم بأيت خوجمان، بجماعة كرس تيعلالين، شرق مركز الريش. ومع التحولات القروية عمّر رحل أيت مرغاد إلى القرى التالية: أيت موسى وعلي، تيغجدت، تيغرماتين، كفاي، تماكورت، أي القرى التي يتجاوز فيها سكانها البيع العشائري للأرض. وإن ما يعنينا من هذا التقديم أن شريطَ الأقليات العرقية والذي تقلص ليشمل في الحال تابية وزاوية سيدي بوكيل نصيبُه الصفقات المشبوهة. وزاوية سيدي بوكيل أكثر تضررا. ولا أدري ما السبب ؟
سأكتفي بالسرد، ومن أراد أن يتحقق من ذلك فعليه أن ينزل الميدان. وكما قال سيدي عبد الرحمان المجدوب: «إلى كذبت المجذوب سر إلى تم»، باللسان الدارج المغربي. ستأخذ أمثلة تضرب العدالة المجالية في الجوهر. وسأبدأ بعد الإعلان عن طي صفحة الماضي. فعقب إنجاز تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة نزل برنامج فيدا (FIDA)، برنامج الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وخص المناطق الجبلية. همّ البرنامج محاربة التعرية النهرية، وبُنيَ جدار وليد الصفقة المشبوهة على الضفة اليسرى لواد زيز. وما حصلَ أن درأ وقع التعرية النهرية. وقد صرف أحد الأساتذة أكثر من 10 ألاف درهم. ليدرأ خطر واد زيز على البستان الذي ورثه من أبيه. وفي إطار برنامج التقليص من الفوارق الترابية بالوسط القروي، كان اقتراح بناء طريق غير مصنفة تربط الطريق الإقليمية رقم 706 ودوار زاوية سيدي بوكيل، اقترحت الصفقة سنة 2018، رقمها 60/2018/OR/FAT. انطلقت الأشغال، وبعد بناء جدارين في شعبة بين الزاوية وتابية، قصف الرعد وأتى الفيض على جزء كبير من الجدارين، وتبث للعيان الصفقة المشبوهة. وانسحب المقاول، والغالب على الظن أن ليس عليه جناح لأنه فعل الفعل في محله، في أرض الصفقات المشبوهة. وفتحت الأطرفة ثانية يوم 26 من شهر نونبر 2020 وأسندت الصفقة إلى مقاول آخر ولا يزال السكان منتظرين أشغال بناء الطريق إلى أجل غير مسمى.
وفي يوم 20 من دجنبر من العام 2020 فتحت أطرفة ترميم طريح سيدي بوكيل ولا يزال الانتظار مستمرا. وبنيت طريق أخرى تمتد من قرية توليشت إلى تماكورت سالكة الجانب الكائن على الضفة اليسرى لواد زيز الذي يفصلها عن الطريق الجهوية رقم 706. وقبل أيام انطلق تشويرها بنعت القصور (الدواوير) وكان إسقاط أسماء القصور، باليث، تابية،من التشوير. وإذا سلكت الطريق الجهوية رقم 706 من الريش إلى تماكورت ستصادف منعطف الطريق نحو طريق الضفة اليسرى لواد زيز ( طريق أسامر) مبينا بيافظة تريك أنك إذا عرجت نحو اليمين ستجد أمامك كفاي، وأيت سعيد، وولال، وتيليشت، حيث تتصل بالطريق الوطنية رقم 13. ولا ذكر للقصور باليث، وتابية، وزاوية سيدي بوكيل. ولن تجد يافظة تدلك على هذه القصور. فمن المسؤول عن ضرب شريط الأقليات العرقية؟ صحيح أن المديرية الإقليمية هي التي قامت بتثبت اليافطات، أو كلفت من يثبتها. فمن هو العشائري القبلي الذي أملى بتهميش الأقليات؟
ودون توجيه أصبع الاتهام لأحد لا تزال ذاكرة القرن التاسع عشر تطفو على السطح لري المجال بالقيم القبلية التي تقدر في الحال قيما عنصرية من منظور حقوق الإنسان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيديو يظهر لحظة الاعتداء على زوج نانسي بيلوسي


.. الهجمات السيبرانية تشتعل بين الغرب وموسكو وسط تبادل الاتهام




.. شاهد| كاميرا مراقبة تظهر لحظة تنفيذ إطلاق النار في سلوان بال


.. الكابينت سيعقد اجتماعا طارئا بمقر الشاباك




.. -هنا لندن- إلى المنصات الرقمية: الزمن يتغيّر ولكن لا يتوقف