الحوار المتمدن - موبايل


التعليم والحرية وأهداف التنمية المستدامة

نهى نعيم الطوباسي

2021 / 9 / 26
التربية والتعليم والبحث العلمي


نهى نعيم الطوباسي*

على الرغم من الجهود الحثيثة لتطوير قطاع التعليم في فلسطين، وتحديث الخطة الاستراتيجية للقطاع 2017-2022، لتتواءم مع غايات التنمية المستدامة ومقاصدها، ومع التدخلات السياساتية للخطة الوطنية للتنمية، مازال قطاع التعليم يحتاج أشواطا للدخول في سباق المنافسة العالمية. حيث ما زال هناك خلل في جودة التعليم، فقد اعتبرت كل من فلسطين وليبيا والسودان وسوريا والعراق واليمن والصومال خارج التصنيف على مؤشر جودة التعليم، فيما تصدرت سنغافورة التصنيف عالمياً في ترتيب مؤشر جودة التعليم مع حصولها على 6.3 درجة، من بين 137 دولة حول العالم.
قد يعتبر البعض أن تلك نتيجة طبيعية، كيف ستكون جودة التعليم في بلد محاصر، وتقع كافة محاوره التعليمية، تحت النار؟ بالطبع سيبقى الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته سببا رئيسيا وعائقا أمام الوصول لتحقيق مقاصد وغايات أهداف التنمية المستدامة. وغير ذلك من استهداف التعليم ومحاوره في كافة المناطق بما فيها القدس، ومحاولات أسرلة المناهج فيها.
فالتعليم في فلسطين جزء من معركة الوجود والتحرر من الاحتلال، وقد يعتبر البعض أن مجرد المقارنة بين تجربة فلسطين في التعليم والتجارب الأخرى للدول التي تمتاز بالتقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي، هي مقارنة ظالمة. في كل الأحوال سنغافورة لم تستيقظ صباحا لتجد نفسها رائدة عالميا في قطاع التعليم، وانما كانت هناك ثورة إصلاحية لهذا النظام، من منطلق إدراك أن التعليم هو الركيزة الثابتة والمهمة للتقدم والتنمية. والمطلع على تاريخ سنغافورة سيجد أنها وعلى الرغم من أزماتها بما فيها الأزمة السكانية الخانقة في بقعة جغرافية صغيرة، بالإضافة الى الفساد الإداري، والركود الإقتصادي، وتركيبة شعب سنغافورة غير المتجانسة بأصولها المتنوعة الصينية والهندية والمالاوية، فقد استطاعت أن تحدث نهضة حقيقية وتقدما في كافة المجالات، وسر ذلك التفوق أنها أدركت أن معالجة الأزمات سيكون بالاعتماد على التعليم وقدرات الإنسان، لذلك فهم يصفون التعليم بأنه "التعليم القائم على القدرات".
والمدقق في تجربة فنلندا التي ذاعت شهرة التعليم بها في كل أنحاء العالم، وكوريا، والبرازيل التي ارتبط مصطلح التعليم التحرري بها، وجنوب افريقيا، سيجد أنها اعتمدت على التعليم لحل مشكلاتها، وتعاملت معه كأهم مهنة، لذلك تخضع مهنة التدريس لشروط تنافسية، وعلى المعلم أن يكون مؤهلا علميا وإنسانيا، ويحمل شهادة علمية لا تقل عن ماجستير، وزيرة التعليم الفنلندية السابقة هِنا ڤركونن قالت "نحن في فنلندا مؤمنون بأن المدرسين عنصر أساسي للمستقبل" تلك الدول قررت ان تعتمد في نهضتها على إعداد الانسان، وتعتبر أن كل الطلاب موهوبون ولديهم قدرات خلاقة.
يفترض أن التعليم لدينا جزء من معركة التحرر والاستقلال، وليس أداة لقهر الشعب الفلسطيني وشبابه، ما يفاقم المشكلات بدل حلها، بدليل تفاقم بطالة الخريجين في فلسطين، وهجرة الشباب، وتراجع السلم الأهلي، وضعف القطاع الصحي.
ولا يغيب عن أحد أن المنظومة التعليمية في فلسطين، أنتجت نوعا من التمايز والطبقية البغيضة بين أبناء الشعب الفلسطيني، بسبب غياب المساواة بين نوعية التعليم في المدارس الخاصة والحكومية، وفقدان بعض الفئات الثقة بنوعية التعليم في المدارس الحكومية، لقد اعترفت فنلندا أن أحد أسرار نجاحها وتفوقها في قطاع التعليم، أنها عززت المساواة بنوعية التعليم في كافة المؤسسات التعليمية. فجودة التعليم، ومكانة المعلم، وتعزيز الطالب وقدراته، هي نفسها في كافة المدارس والجامعات.
إن ما يحتاجه التعليم في فلسطين ليس فقط إصلاحات فنية، أو مجرد وسائل تكنولوجية ، أو بنية تحتية أو مواصفات جيدة وفقط، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك.
لذلك لا بد من التركيز على عدة محاور للنهوض بالتعليم للوصول إلى تجربة فلسطين الخاصة الفريدة من نوعها. المحور الأول هو المعلم، فلا بد من رفع مكانة مهنة التعليم، ومنح المعلم امتيازات معنوية ومادية ووضع شروط تنافسية على مهنة التعليم، والتأكد أن المعلم مؤهل لقيادة العملية التعليمية، فالتعليم ليس مجرد وظيفة، بل هو أسمى رسالة على الأرض.
يقول باولو فريري" أن المسؤولية الأخلاقية في ممارسة مهنة التعليم لا تختزل في صورة تدريب، بل يجب أن تتجاوز الإعداد الفني، وأن ترتبط بجذور التشكيل الأخلاقي للذات الإنسانية والتاريخ الإنساني، وبالتالي يجب أن تلتصق المسؤولية الأخلاقية بالمهنة التعليمية". واستلهاما لهذه الروح، قامت مجموعة من فلاحي الريف البرازيلي، حينما تعلموا الكتابة والقراءة ضمن برنامج محو الأمية بكتابة كلمة "الحرية" بواسطة المحاريث على الأراضي الزراعية.
ثانيا لا بد من التوقف عن التعليم البنكي، الذي اشار اليه فريري والذي يأخذ طابعا قهريا، وأساس هذا النظام التعليمي اعتبار المتعلمين، كما لو أنهم حسابات بنكية يتم إيداع المعرفة في أذهانهم من قِبل الأساتذة. المفروض أن التعليم ليس قطاعا استهلاكيا، بل قطاع انتاجي للمعرفة والابتكار. بشراكة حقيقية من كافة القطاعات من أجل النهوض بقطاع التعليم والبحث العلمي. أن تكون مناهج واساليب التعليم، بعيدة عن التقليد الاعمى، بل أساليب تعزز التفكير الإبداعي خارج الصندوق وابتكار الحلول، تعليم قادر ان يخوض معركة التشبث بالأرض ورفع الوعي والثقافة الوطنية، ويتم تحصينه ليكون خارج معايير الانقسام والفرقة.
ثالثا، التعامل مع الطالب على اعتبار أنه قائد المستقبل، واحترام إنسانيته، وقدراته ومحاربة التنمر والتمييز، سواء من المعلم أو من الطلبة، والإيمان بقدراته، وتنشئته تنشئة وطنية قادرة على حمل راية المشروع الفلسطيني بالتقدم والاستقلال.
قد يكون الوصول الى تحقيق غايات الهدف الرابع صعبا، ولكن بما أن التعليم هو جزء من معركة التحرر، فلا بد من التحدي، ففلسطين بحاجة ليس إلى تعليم جيد، بل إلى تعليم متميز، متفوق يتناسب مع طموح الشعب الفلسطيني بالحرية والإستقلال، والوحدة الوطنية. ينافس العالم، بالمعرفة، والبحث العلمي، تعليم قادر أن يحرر شعبنا من برمجة التكيف مع الواقع المؤلم، وضعف الإمكانيات، إلى الإصرار على صناعة واقع أفضل، تعليم قادر على أن يحرر شعبنا من الآفات الإجتماعية، والمعتقدات السلبية.
تحقيق جودة التعليم رغم كل معيقات الاحتلال، ليس مستحيلا، ففلسطين انجبت المبدعين وهناك روّاد في مجالات وتخصصات عدة ، والمطلوب ليس الاستثناءات، بل أن يصبح التفوق قاعدة، ولا بد أن يعزز التعليم في فلسطين ابتكار الحلول للمشكلات، رغم قلة الإمكانيات وندرتها أحيانا، وأن يستطيع أن ينقل الشعب الفلسطيني، من نفق مظلم إلى فوهة النور والشمس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وصف رئيس النيجر محمد بازوم مكافحة الاتجار بالأسلحة في منطق


.. موجز الأخبار - التاسعة صباحا 08/12/2021


.. كيم جونغ أون يدعو إلى الولاء المطلق للحزب




.. شاهد: رجال الإطفاء يبحثون عن ناجين بعد انهيار مبان في جنوب ف


.. جلسة طارئة للبرلمان الليبي لبحث {الخروقات} قبيل الانتخابات