الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المدرسة والاستعمار

إبراهيم العثماني

2021 / 11 / 5
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


[أصدر حزب العمّال الشيوعي الفرنسي مجلّة سمّاها "القطيعة" Rupture إلى جانب صحيفته الشهرية La forge (المسبَك) ومنشوراته المتفرّقة. وخصّص العدد الأوّل الصّادر في جانفي 2021 لموضوع"التّربية في ظلّ النّظام الرّأسمالي". وقد ارتأينا أن ننقل للقارئ العربي القسم الموسوم ب "L’école et la colonisation المتعلق بتصوّر المستعمر الفرنسي للعمليّة التّربوية في مستعمرات إفريقيا وموقف حزب العمال الشيوعي الفرنسي منها. وهو موقف نقدي منطلقه مناهضة الحزب للاستعمار وما يترتّب عليه. والكتاب مؤلّف جماعي ، فالمقالات صدرت باسم هيئة التحرير إبراهيم العثماني].
تولّى، في سنوات 1880، جيل فرّي(1) وزير التّعليم العام بعث المدرسة اللائكيّة والمجانيّة والإجباريّة في المتربول*. ومنذ ذلك التّاريخ وهو يُقدّم على أنّه من الآباء المؤسّسين لقيم الجمهوريّة.
وجيل فري هذا هو نفسه كان أيضا رئيس مجلس وزراء الجمهوريّة الثّالثة، وهو صاحب أوّل بيان فرنسي امبريالي. وهذه مقاطع مطوّلة نقتطفها من خطابه المؤرّخ في 28 جويلية 1885 أمام الجمعيّة الوطنيّة: "إنّ المستعمرات، بالنّسبة إلى البلدان الغنيّة، مالٌ موظّف كثير النّفع (...) لكن هناك نقطة ثانية أيّها السّادة، هناك نسق من الأفكار ثانٍ عليّ أن أطرحه كذلك هو البعد الإنساني والتّمديني للمسألة (...) أيّها السّادة علينا أن نتكلّم بصوت أعلى وأكثر صدقا، يجب أن نقول بصراحة بأنّ للأجناس السّامية حقّا تجاه الأجناس الدّنيا (...) أكرّر إنّ للأجناس السّامية حقّا لأنّ لها واجبا، هو واجب تمدين الأجناس الدّنيا" (...).
غالبا ما يتمّ تجاهل هذه الواجبات في تاريخ القرون السّابقة، والأكيد أنّ الجنود والرّواد الأسبان عندما نقلوا العبوديّة إلى أمريكا الوسطى لم يقوموا بواجبهم كناس من جنس سام.. ولكن في يومنا هذا أؤكّد أنّ الأمم الأوروبية تؤدّي بكلّ سعة وسموّ وشرف هذا الواجب الحضاري السّامي".
إنّ العمل المدرسي بالنّسبة إلى جيل فري وإلى جميع قادة الجمهورية الثّالثة بما في ذلك أثناء فترة الجبهة الشّعبيّة هو الانحياز إلى جانب أهمّ الأعمال الصّالحة الّتي قدّمها المتربول إلى السكان الأهليين في الإمبراطورية الاستعماريّة الفرنسيّة. فماذا حدث فعلا؟
تعليم هزيل الجودة لتكوين سكان أهليين طيّعين
كان جورج هاردي هو متفقّد التّعليم في إفريقيا الغربيّة الفرنسيّة بين سنة 1912 وسنة 1919، ثمّ مدير المدرسة الاستعماريّة مدّة طويلة. ومن ثمّ كان دوره البيداغوجي بارزا في القارّة الإفريقيّة خلال مجمل فترة مابين الحربين، وكانت توجيهاته بشأن وسائل التّدريس الواجب استعمالها والأهداف الواجب تحقيقها شديدة الوضوح.
" سنتان أو ثلاث سنوات دّراسة.
خمسون تلميذا في كلّ قسم. ليس لنا وقت للإضاعة. في المدارس القرويّة من الطّبيعي أن تكون الفرنسيّة بسيطة ومقتصرة على التّعبير عن أفكار متداولة، وعلى تعيين أشياء مرئيّة، وستكون قبل كلّ شيء فرنسيّة التّخاطب (...).
ولتغيير الشعوب البدائيّة لمستعمراتنا وحملها على الوفاء لقضيّتنا قدر الإمكان وجعلها صالحة لمشاريعنا لا نمتلك إلاّ عددا محدودا من الوسائل والوسيلة الأسلم هي أن نحيط بالشاب الأهلي منذ نعومة أظفاره وأن يتعهّد لنا بأن يختلط بنا بانتظام ويتطبّع بعاداتنا الثّقافيّة والأخلاقية طيلة عدّة سنوات، وباختصار نفتح لهذه الشّعوب مدارس حيث يتبنّى الفرد مآربنا."
نحن هنا أمام خطاب براغماتي، ذي محتوى عنصري صريح يتوسّل تقنيات مضلّلة ومحبّبة لدى مروّضي الحيوانات ويطبّقها منظّرو نظريّة الإشباع (2).
في القارّة الإفريقيّة بما في ذلك الجزائر كما في مجمل الإمبراطورية الاستعماريّة لم يكن التّعليم الابتدائي أبدا إجباريّا (ولا مجانيّا، أمّا لائكيّا فحدّث ولا حرج). وفي سنة 1903 كانت نتيجة الإصلاح الإداري الّذي نظّم التّأطير المدرسي إغضاب كلّ الأهليين. إنّ بعث المدارس الفيدراليّة الّتي ستصبح سنة 1903 المدرسة التّرشيحيّة لإفريقيا الغربيّة الفرنسيّة (مدرسة وليام بونتي مستقبلا) بدكار، كما أنّ تأسّيس مدرسة الطب سنة 1918 قد سمحت جميعها بتكوين خيرة المدرّسين والأطبّاء ، لكنّهم ظلّوا إطارات في منزلة ثانويّة،" إطارات أهليّة" مقابل الكوادر الأوروبيّة المسمّاة "كوادر سامية". وحسبنا أن نتأمّل لحظة مشروع تمدرس التّعليم الابتدائي التام حتّى نتبيّن أنّه لم يحظ بمجرّد النّقاش في مجلس النواب ويُعزى ذلك إلى قلّة الإمكانيات وإلى الإرادة السّياسيّة. وهذا ما كان ألبر ساروت يفكّر فيه لمّا كان وزيرا للمستعمرات سنة 1920: "إنّ الواجب الأوّل للمدرسة الابتدائيّة هو أن تبذل جهدا بواسطة التّعليم الملموس والعملي، لتحافظ بعناية للطّفل الأهلي، على لذّة العمل اليدوي ولذّة الفلاحة"وأمام غياب المدرسة الابتدائيّة الإجباريّة وقع تطوير المدارس القرويّة الّتي لا يرى المزارعون فيها فائدة ويستعملها الأطفال كيد عاملة مجانيّة. وصف الكاتب كمارا لاي، في روايته الطّفل الأسود بسخرية ذكرياته الأليمة بشأن عمله المرهق في نقل الماء والبحث عن الماشية. لقد جوبه إصلاح النّظام المدرسي هذا لدى الأفارقة بمقاومة شديدة لأنّه كان يُمأَسس مدرسة محدودة الجدوى تهدف إلى تحديد مستواهم المعرفي وإبقائهم في وضع تابع.
قدّم ليوبولد سيدار سنغور(3)، في المؤتمرالعالمي للنّموّ الثّقافي للشّعوب المستعمرة الذي انعقد في باريس سنة 1937، وهو أوّل مؤتمر يمنح الكلمة للأهليين، مداخلة حول"تصدّي البورجوازيّة السينيغاليّة للمدرسة القرويّة الشّعبيّة". كان التّعليم الدّيني في وئام مع الاستعمار، وفي ظلّ النّظام القديم كانت التّربية وقفا على الكنيسة. و كانت فرنسا "الفتاة البكر للكنيسة " تقود، في ظلّ الإمبراطورية، شبكة من الأنظمة المتخصّصة، ومن المدارس والمؤسّسات ... ومفهوم الرّسالة التّمدينيّة المرتبطة بكنيسة فرنسا الملكية والكاثوليكية أعاد إحياءه بلا حياء قادة الجمهوريّة الثّالثة.
وفي إفريقيا كان بعث المدارس الأوروبية الأولى على أيدي مبشّرين في السينغال في حين أُوكِل بعث مدارس الفتيات إلى راهبات سان جوزاف دي كليني ودي ليماكيلي حسب تصوّر كاستراس. [ أمّا] السيد لَفيجري رئيس أساقفة مدينة الجزائر فقد أرسل بداية من سنة 1878آباءه البيض لنشر الموعظة الحسنة في ربوع قارة إفريقيا، وهويتصوّر الاستعمار الدّيني تتمّة للغزو العسكري. إنّه انتصار تصوّر الأرض المحروقة: تحطيم "الأوثان " لفائدة "الحقيقة" الدّينية الوحيدة، منع الحديث بأيّ لغة أخرى إلاّ اللّغة الفرنسيّة، نفي وجود تاريخ وثقافات إفريقية...وساهمت الكنيسة بقوّة في مشروع استصغار شعوب القارة الإفريقيّة وحملها على تمثّل الثّقافة الوافدة.
وتغيّر الوضع قليلا منذ سنة 1904 وذلك بتركيز بعض المراسيم، رسميّا، المدرسة اللائكيّة. وفي الواقع كانت السّلطات المحليّة تحظى بقدر كبيرمن حرية المبادرة لتنظيم نظام تعليمها كما كانت ميزانيّتها تتحمّل النّفقات. وكان للمدارس الدّينيّة شرف الوجود، وكانت لا تطالب بنفقات مشطّة وكانت في أغلب الأحيان مرفوقة بمستوصفات. فالطبّ العصري يُنظر إليه على أنّه مظهر آخر ممّا يُسمّى التّفوّق الغربي. ولكلّ هذه الأسباب ولمّا كان المدرّسون المدعوّون "خيّالو الجمهوريّة السّود"، في المتربول، يقاومون الكنيسة كانت المدارس الدّينيّة بانتهازيّة، وبسبب نقص المعدّات، وخضوعا لحسابات مّا تتابع "رسالتها التّمدينيّة" في المستعمرات.
وفي واليس وفيتينا تمكّنت المدارس الدّينيّة من احتكار التّعليم حتّى في سنة 1920.
إنّ قدرة التّعليم الدّيني على الصّمود هي الّتي جعلت لا أدريا مثل قمبطّا يقول:"إنّ معاداة الإكليروسيّة ليست منتوجا قابلا للتّصدير".
أمثلة معبّرة عن السّياسة الاستعماريّة
في مدغشقر، كان الوضع شديد الاختلاف عمّا هو عليه في إفريقيا الغربيّة. وكان شعب الهضاب، الماريناس، قد شكّل دولة ملكيّة فعليّة أراد بسط نفوذها على كامل تراب الجزيرة. وكان الملوك المارينس قد استقبلوا، بدءا بسنة 1820 في تننريف، مبشّرين بريطانيين من جمعية المبشرين اللندنية (ج م ل). وما إن وصلت، لاحقا، البعثات الكاتوليكيّة الّتي أوكلها البابا إلى اليسوعيين والمرتبطة بتمدّد التّأثير الفرنسي حتّى اعترضها المزيد من الصّعوبات. وفي سنة 1896 كانت ج.م.ل. تدرّس 130.000 ألف تلميذ واليسوعيّون يدرّسون26.000 ألف تلميذ. وكانت اللّغة المستعملة هي اللّغة المالقاشية الّتي جعل منها البروتستان لغة الكتابة. ولمّا استولت الجمهوريّة الثّالثة نهائيّا على الجزيرة سنة 1897 لم تكن للدّولة الإمكانيات لإزالة المدارس القائمة لكنّها كانت ترى خطرا قوميّا في استعمال المالغاشيّة وكانت تريد نشر الفرنسيّة وتطويرعبادة فرنسا.
لم يكن بوسع المرء أن يطلب من مبعوثي ج.م.ل. أن يقوموا بهذا العمل: لقد تمّ إعلان علمنة المدارس المالغاشية لتسوية النّزاعات بين الأمم بفضل بعثات وساطة وضمان الهيمنة الفرنسيّة. وسَمَح التّفطّن لانقلاب مؤكّد على أيدي ميرناس سنة 1916 بوضع حدّ لانتداب مدرّسين ميريدناسيين والاستعاضة عن اللّغة المالغاشيّة بلغات محليّة. وقد أدّى هذا الوضع إلى تقليص عدد المدرّسين وضعف المستوى، لكن شرف فرنسا وشرف الفرنسيّة سلما من أيّ أذى !
وفي الشّرق الأوسط حيث كان تفكّك الامبراطورية العثمانيّة على أشدّه احتدّت المنافسات بين القوى العظمى عشيّة الحرب الأولى، حرب إعادة التّقسيم الامبريالي. وكان الامبراطور [الألماني] الّذي منح نفسه دور حامي حمى المسلمين فاز بصفقة بناء السكة الحديدية ب ب ب: برلين- بيزنطة - بغداد. وقد أطلق، في الجمعيّة العامّة، نائب صيحة فزع قائلا: "إنّ توسّعنا الصّناعي والتّجاري في آسيا الصّغرى قد هوجم بعنف غير أنّه بقيت لنا وسيلة عمل كبيرة وقويّة. إنّه تأثيرنا الدّيني الّذي يستطيع دعم مصالحنا الأخرى في الشّرق، وإن اقتضى الأمر النّهوض بها. وهكذا أُعطي امتياز بناء ميناء بيروت إلى السّوريين. وهؤلاء السّوريّون تولّت تربيتهم بعثات تبشيريّة إذ كان التّعليم يُقدّم بالفرنسيّة لعبادة فرنسا، وقد ضمّوا إلى مشروعهم رساميل فرنسيّة". إنّه مثال حيّ على" محاسن الاستعمار" على المدى الطّويل تقريبا.
وفي كليدونيا الجديدة، استولت فرنسا على الجزيرة رسميّا سنة 1853. لكنّ كل حريّة التّصرّف أوكلت إلى المبشّرين الكاتوليك والبروتستان الموجودين هناك "لتدريس أهل البلد". ولم تُبعث المدارس الرّسميّة الأولى الّتي تنال تعويضا من ميزانية المستعمَرَة إلاّ سنة 1885. إنّها مستعمرة الإعمار حيث تمّ جلب عديد السكان من المتربول وكليدونيا الجديدة هي جزء من المستعمرات عالية التمدرس عشيّة سنة 1939، فثلث الأطفال الّذين التحقوا بالمدرسة يتوزّع ثلثان منهم بالتّساوي بين المبشرين الكاتوليك والبروتستان، والنّسبة المدرسيّة الفعليّة من الشّعب الأهلي هي 1/9 في حين وصلت 1/36 في مدغشقر و90 في الهند الصّينيّة وبلغت 1/447 في إفريقيا الغربية الفرنسيّة (إ.غ.ف). لكنّ الميزانيّة الّتي ترصدها المستعمرة تستجيب للتّفرقة الاجتماعية: الإنفاق على التّلميذ الأوروبي يفوق ستّ مرّات الإنفاق على التّلميذ الأهلي سنة 1910 وثماني مرّات سنة 1940. فالتّدّريس يقتصر على السّنوات الثّلاث الأولى من التّعليم الابتدائي حسب قرار رسمي صادر سنة 1885 وظلّ ساري المفعول حتّى سنة 1946.
خمسون "مدرّبا" فقط بإمكانهم أن ينتفعوا بمستوى يساوي شهادة الدّراسة غير آملين في تجاوزها. إذن هو نظام دراسي يقتصر على الحدّ الأدنى دون توفّر أي إمكانية لتحسين الوضع المادي وتكوين الكوادر. ويجب أن ننتظر سنة 1962 لنرى كاناك [واحدا] ناجحا في الباكلوريا. وتردّدت الإدارة، تجاه لغات الكاناك، بين اللاّمبالاة والكراهيّة وأرادت فرض اللّغة الفرنسيّة لكن ليس لديها الوسائل لتنفيذ ذلك. والكليدونية الجديدة هي المستعمرة الفرنسيّة الوحيدة الّتي عرفت ما يُسمّى ب"المحميّة". ولمّا سمح قانون 1919 لكلّ تابع بطلب التمتع بالمواطنة في كلّ المستعمرات الأخرى وجب أن ننتظر سنة 1932 بالنّسبة إلى كليدونيا الجديدة. لكن لم يحظ بذلك أيّ كاناكي قبل سنة 1957 . والإدارة، وقد اكتوت بنار تمرّدي الشّعب الكبريين، تخشى أن يتسلّح الكاناك بوسائل تحرّرهم لذلك ركّزت شبكة من المدارس كثيفة نسبيّا للمراقبة أكثر منها لتكوين الشّباب. ومن ثَمّ كان التّعليم الدّيني هامّا لكنّه ذو مستوى هزيل ولذلك فُرض التّخاطب باللّغة الفرنسيّة. وحول هذه النّقطة الأخيرة يمكن الحديث عن الفشل لأنّ أكثر من %33 من الكاناك يتكلّمون اليوم على الأقلّ لغة محلّيّة.
معركة محافظة دوما على راهنيّتها:
تغيّرت طريقة تنظيم المدرسة الاستعماريّة وتصوّرها حسب البلدان.غير أنّ بعض الأمثلة المتنوّعة والتي انتقيناها من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسيّة الشّاسعة تبيّن أنّ جيل فرّي وخلفه لم يركّزوا أبدا على قدم المساواة "مدرسة الجمهوريّة" والمدرسة المخصّصة "للأهليين". وما أبعد هذا عن ذاك إن على مستوى عدد المتمدرسين المحدود، وإن على مستوى محتوى الدّروس الضعيف، وإن على مستوى العراقيل العديدة الّتى وُضعت لمنع أيّ تطوّر يتجاوز التّعليم الضّروري الصّرف لاستغلال اليد لعاملة وتأطير الشّعوب.
إنّ التّدريس باللّغة الفرنسيّة الّذي فُرض على الأطفال لم يكن انحرافا بيداغوجيّا فحسب بل كان وسيلة للغزو والهيمنة والاستغلال الاستعماري .
إنّ الالتحاق بهذا التّعليم محدود الجودة، وهو يقدّم على أنّه إحدى" المحاسن" الكبرى للاستعمار والمركّز على حاجات المؤسّسة الاستعماريّة، صالح لتشريع هذه المؤسّسة، في المستعمرات كما في المتربول. وقد نُظر إليه على أنّه وسيلة لضمان" تهدئة المستعمرات" كما كتب المناضل الكبير المناهض للاستعمار فرانز فانون(4)، غير أنّ هذا النّظام التّربوي الاستعماري لم ينجح في منع تطوّر روح المقاومة لدى الشّعوب المستعمرة الّتي لم تقبل طمس تاريخها، وثقافتها والاستغلال المشطّ الّذي تعرّضت له.
وهذه المعركة لم تتوقّف مع الاستقلالات. فالفرنكفونيّة والمدارس الفرنسيّة في الخارج صيغت اليوم كالأمس في شكل اتجاهات للتّأثير الفرنسي تساعد على فتح أسواق والمحافظة عليها، وعلى تحالف إدارة استعمارية جديدة وضروريّة مع الامبرياليّة. إنّ الانتقاء التّدريجي لفتح الجامعات في المتربول الّتي عرفت بالارتفاع الجنوني لنفقات التّسجيل المطلوبة من الطّلبة الأجانب وبالخصوص الأفارقة يدخل في هذا الإطار، إطار تكوين نخبة سياسية واقتصاديّة وثقافيّة وفيّة [للاستعمار].
إنّ الهيمنة الثّقافيّة تظلّ مكوّنا من الهيمنة الاستعماريّة الجديدة الّتي تمادت الامبرياليّة الفرنسيّة في ممارستها في مستعمراتها القديمة والمستعمرات الّتي لا تزال تحتفظ بها على حدّ سواء.
الصفحات 30/31/32/33.
الهـــــــوامـــش:
* La métropole فضّلنا استعمال عبارة المتربول على عبارة المركز لتقريب المعنى لذهن القارئ. المعرّب
1) جيل فرّي (1832-1893): محام ورجل سياسة فرنسي، تقلّد عدّة مناصب سياسيّة وتحمّل عدّة مهام من قبيل نائب جمهوري في المجلس التّشريعي (1869)، ومحافظ السان )seineورئيس بلديّة باريس... لكنّه عُرف بأهمّ الإصلاحات الّتي أدخلها على التّعليم العمومي مثل اللائكيّة والمجانيّة والطّابع الإجباري للتّعليم الابتدائي ونشر التّعليم الثّانوي العمومي للفتيات (1880-1881)، وكان له دور كبيرفي توسّع السّياسة الاستعماريّة الفرنسيّة (استعمارتونس، مدغشقر، احتلال الكونغو الوسطى...)- المعرّب
2) يعتبر منظّرو الإشباع الّذين كان كونراد لورنز رائدهم أنّ الاتّصالات الأولى تترك بصمة محدّدة تشدّ الحيوان الصّعير إلى من يُعطونه بسخاء - الكاتب
3) ليوبولد سيدار سنغور (1906-2001): رجل دولة وشاعر سينيغالي، أوّل رئيس للسينيغال من سنة 1960 إلى سنة 1980، سافر إلى باريس سنة 1928 وتجنّس بالجنسيّة الفرنسيّة سنة 1932، بدأ نشاطه السّياسي كنائب عن السينغال في الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة، ويُعدّ من مؤسّسي الفرنكفونيّة. يعبّر شعره، في لغة عالمة وسليمة، عن حبّه لأرض الوطن وتقاليدها وللمزارعين الّذين يقطنونها ويرتقي أحيانا إلى مصاف الملحمة للتغنّي بعظمة الزّنوجة والأمل في مصالحة كونيّة بين الأجناس – المعرّب.
4) فرانز فانون (1925- 1961): فيلسوف وكاتب، وعالم اجتماع، وعالم نفسي ومفكّر وطبيب الأمراض النّفسيّة، من مواليد جزر الأنتيل (Les Antilles وهوأرخبيل في أمريكا الوسطى يمتدّ في شكل قوس دائري من مدخل خليج المكسيك إلى سواحل المكسيك...)، اعتبر نفسه جزائريّا وانخرط في النّضال الوطني في سبيل استقلال الجزائر. كان طبيب الأمراض النّفسيّة بمستشفى البليدة (الجزائر). طُرد من الجزائر فواصل نشاطه الطبي والسّياسي بتونس، وتحاليله السوسيولوجيّة والسّياسية للاستعمار وأخطار الاستعمار الجديد، كما درس الظّواهر المتّصلة بطمس هوية السكان الأصليين في فترة الاستعمار. هو أحد مؤسّسي التيّار العالمثالثي وأحد رموز الفكر المناهض للاستعمار. من مؤلّفاته: بَشَرَة سوداء، أقنعة بيضاء1952- السنة الخامسة للثّورة الجزائريّة 1959- معذّبو الأرض 1961- في سبيل الثورة الإفريقيّة. المعرّب.
Source : Revue Rupture numéro 1, janvier 2021/ L’éducation en système capitaliste. https://www.pcof. net








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوركينا فاسو: عسكريون يعلنون إقالة قائد المجلس العسكري الحاك


.. روسيا تستخدم حق النقض وتمنع مجلس الأمن الدولي من تبني قرار ي


.. دول غرب أفريقيا تدين الانقلاب الجديد على السلطة في بوركينا ف




.. بنوك تركيا تتخلى عن نظام التسديد المالي الروسي -مير-


.. موجز الأخبار - التاسعة صباحا 01/10/2022