الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مراجعات في فكر أرسطو

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2021 / 12 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

ولد أرسطو حوالي عام 384 قبل الميلاد في مملكة مقدونيا اليونانية القديمة، حيث كان والده الطبيب الملكي للعائلة المالكة، وامتدت رحلة حياته حتى العام 322 قبل الميلاد. وقد يستقيم اعتبار أرسطو الفيلسوف الأكثر تأثيراً على الإطلاق في سياق الفلسفة اليونانية وما بعدها، ولقد تحلى خلال سيرة حياته بألقاب متواضعة مثل "السيد"، وببساطة "الفيلسوف"، كانت إحدى وظائفه الكبرى هي تعليم الإسكندر الأكبر، الذي غادر بعد وقت قصير وغزا العالم المعروف آنذاك وبنى أكبر إمبراطورية عرفتها البشرية.
درس أرسطو في أثينا، وعمل مع أفلاطون لعدة سنوات، ثم وسّع نشاطاته بمفرده. ولقد قام بتأسيس مركزاً للأبحاث والتدريس يطلق عليه "ليسيوم" وتم تسمية المدارس الثانوية الفرنسية، الليسيه، على شرف هذا المشروع التاريخي العظيم. وكان أرسطو يحب أن يمشي ويتجوّل أثناء تعليم ومناقشة الأفكار. وتم تسمية أتباعه بالمشائين. والعديد من كتبه هي في الواقع مذكرات المحاضرات التي كان يلقيها لطلابه.
ولقد كان أرسطو مفتوناً بكيفية عمل الأشياء حقاً. كيف ينمو فرخ المُضْغة إلى البويضة؟ كيف يتكاثر الحبار؟ لماذا ينمو النبات بشكل جيد في مكان واحد، وبالكاد ينمو في مكان آخر؟ والأهم من ذلك، ما الذي يجعل حياة الإنسان والمجتمع بأسره تسيير على ما يرام؟ بالنسبة لأرسطو، كانت الفلسفة تتعلق بالحكمة العملية الواقعية. وفيما يلي أربع أسئلة فلسفية كبيرة قد أجاب عليها:

1. ما الذي يجعل الناس سعداء؟
في كتاب الأخلاق النيقوماخية - حصل الكتاب على اسمه تيمناً بابنه الذي قام بتحريره، وهو نيقوماخس. وضع أرسطو لنفسه مهمة تحديد العوامل التي تؤدي إلى إدراك الناس لحياة جيدة، أو عدم إدراكهم ذلك. وأشار إلى أن جميع الأشخاص الطيبين والناجحين يتمتعون بفضائل مميزة، واقترح بأنه علينا أن نجتهد لتبئير وتكثيف وتحديد ماهيتها، حتى نتمكن من تعزيزها في أنفسنا ونحترمها في الآخرين.
كما لاحظ أرسطو أن كل فضيلة تبدو وكأنها مزية في وسط نقيصتين. إنها تشغل ما قد أسماه بـ "المتوسط الذهبي" بين الطرفين القصويين للسمة. على سبيل المثال، في الكتاب الرابع من أخلاقياته، تحت العنوان الساحر "الفضائل والرذائل الحوارية"، نظر أرسطو إلى الأساليب التي يكون فيها الناس أفضل أو أسوأ عند التحدث إلى بعضهم البعض، وكمثال على المتوسط الذهبي أشار إلى مثلث التهريج، الفطنة، الفظاظة، حيث تمثل الفطنة المتوسط الذهبي بين النقيصتين.
إن التعرف على كيفية إجراء محادثة جيدة يعدّ أحد المكونات الأساسية للحياة الجيدة، كما شدد على ذلك أرسطو. فبعض الناس يُخطئون لأنهم يفتقرون إلى حس الدعابة المتقن: وهذا هو العطب بعينه ممثلاً بـ "شخص ما لا فائدة منه لأي نوع من أنواع التواصل الاجتماعي، لأنه لا يسهم بشيء" مفيد وذي قيمة. ولكن البعض الآخر يحملون الفكاهة إلى أبعد من اللازم إذ "لا يمكن أن يقاوم المهرج نكتة، ولا يضبط نفسه، مدفوعاً لأن يتمكن من إثارة الضحك ويقول أشياء لا يحلم بها رجل الذوق العالي". لذلك الشخص الفاضل هو في الوسط الذهبي في هذه المنطقة: شديد الذكاء ومتمعاً بالكياسة واللباقة.
وفي دراسة استقصائية رائعة عن الشخصية والسلوك، يحلل أرسطو "القليل جداً"، و"الكثير جداً"، و"المناسب تماماً" حول مجموعة كاملة من الفضائل. لا يمكننا تغيير سلوكنا في أي من هذه المناطق بسهولة ويسر. لكن التغيير ممكن، في نهاية المطاف. يقول أرسطو إن الخيِّر الأخلاقي هو نتيجة العادة. إنه يستغرق وقتاً، وممارسة، وتشجيعاً. لذا يعتقد أرسطو أن الأشخاص الذين يفتقرون إلى الفضيلة ينبغي أن يُفْهَمُوا على أنهم بؤساء أكثر من كونهم أشراراً. إن ما يحتاجون إليه هو عدم توبيخهم أو رميهم في السجن، ولكنهم بحاجة إلى معلمين أفضل والمزيد من التوجيه.

2. لأجل ماذا يوجد الفن؟
كان الفن الرائج في ذلك الوقت "التراجيديا" والتي تعني المأساة. شاهد الأثينيون مسرحيات دموية في مهرجانات جماعية تُعقد في مسارح ضخمة في الهواء الطلق. وكَتَبَ أرسطو دليلاً لكيفية كتابة المسرحيات بطريقة رائعة، وهو الشعراء. إنه ممتلئ بنصائح رائعة: على سبيل المثال، أشار إلى وجوب التأكد من استخدام نقطة تحول، وتغير في الحظ، عندما تنتقل الأشياء - بالنسبة للأبطال - من رائعة إلى فظيعة. إن لحظة الإدراك - لحظة الكشف الدرامي، عندما يدرك البطل فجأة أن حياته تسير على نحو خاطئ - هي في الواقع كارثة ولب الحبكة التراجيدية.
ولكن لأجل ماذا تكون المأساة في الواقع؟ ما هو الهدف من جعل المجتمع كله يحتشد لمشاهدة أشياء مروعة تحدث لشخصيات الأدوار الرئيسية؟ مثل أوديب - في مسرحية سوفوكليس - الذي يقتل والده عن طريق الصدفة، ويتزوج من أمه، ويكتشف أنه فعل هذه الأشياء المهولة، ويفقأ عينيه في ندم ويأس. وجواب أرسطو هو التنفيس. والتنفيس هو نوع من التنظيف الوجداني والعقلي نتخلص فيه من الرواسب السيئة في ذواتنا. وفي هذه الحالة، ننظف عواطفنا ووجداننا على وجه التحديد، من ارتباكاتنا حول مشاعر الخوف والشفقة، ونعيد ضبط بوصلتها عبر التفكر فيها والتدقيق فيها واستخلاص عبرها من قصص الآخرين، وعبر كشف ملامح القسوة في ذواتنا وتعرية الحقيقة بأننا قساة في كثير من الأحيان، ولا نشعر بالشفقة حيث يجب علينا ذلك، أو أننا عرضة للمخاوف المبالغ فيها أو لا نخاف بما فيه الكفاية. تُذكرنا المأساة بأن الأشياء الفظيعة يمكن أن تصيب الأشخاص المحترمين والمرموقين والعظام والعاديين على حد سواء، بما في ذلك أنفسنا. فالخلل الصغير حينما لا يتم الالتفات له يمكن أن يؤدي إلى حياة كاملة تتفكك وتذوي. لذا ينبغي أن يكون لدينا المزيد من الرحمة أو الشفقة لأولئك الذين ذهبت أعمالهم سُدى وحيواتهم هباء منثوراً على نحو فادح. إننا بحاجة إلى إعادة تعلمنا لهذه الحقائق الجوهرية بشكل جماعي وعلى أساس تراكمي يسعى لتوطيد تلك الأفكار في أذهان ووجدان البشر. إن مهمة الفن، كما رآها أرسطو، هي جعل الحقائق العميقة عن الحياة تعلق وتترسخ في أذهاننا.

3. لأجل ماذا يكون الأصدقاء؟
في الكتابين الثامن والتاسع من الأخلاق النيقوماخية، يحدد أرسطو ثلاثة أنواع مختلفة من الصداقة: فهناك صداقة تأتي عندما يبحث كل شخص عن المتعة، فهاهنا يكون اهتمامه الرئيسي في سعادته الخاصة، وفرصة اللحظة البهيجة التي يقدمها الشخص الآخر. ثم هناك الصداقات التي هي بالفعل معارف إستراتيجية، حيث يستمتع الناس بصحبة بعضهم البعض فقط بقدر ما لديهم آمال في الاستفادة المادية أو المعنوية منها.
وبعد ذلك، ثمة الصديق الحقيقي. إنه ليس شخصاً مثلك تماماً، ولكنك تهتم به بقدر اهتمامك بنفسك. فأحزان الصديق الحقيقي هي أحزانك. وأفراحه هي أفراحك. وهذه الصداقة تجعلك أكثر عرضة للجرح، من أي شيء يمكن أن يصيب هذا الشخص. لكنها تقويك بشكل كبير أيضاً. فتتخلص من المدار الصغير جداً لأفكارك ومخاوفك بعد توسعته ليشمل الفضاء العقلي والروحي في حياة الشخص الآخر، وتصبحان معاً أكبر وأذكى وأكثر مرونةً وأكثر إنصافاً. إنكما تتشاركان الفضائل وتلغيان عيوب بعضكما البعض. إن الصداقة تعلّمنا ما يجب أن نكون عليه: إنها، في الواقع، أفضل جزء من الحياة.

4. كيف يمكن للأفكار الخوض في عالم مزدحم؟
كما هو حال الكثير من الناس، ذُهِلَ أرسطو بحقيقة أن أفضل حجة منطقية وعلمية لا تفوز دائماً في النقاش أو تكتسب شعبية. أراد أن يعرف لماذا يحدث هذا، وما يمكننا فعله حيال ذلك. كان لديه الكثير من الفرص للملاحظات. وفي أثينا، تم اتخاذ العديد من القرارات في الاجتماعات العامة، غالباً في آغورا، ساحة المدينة، حيث يتنافس الخطباء مع بعضهم البعض للسيطرة على الرأي العام.
تكشف أرسطو الطرق التي يتأثر بها الجمهور والأفراد بالعديد من العوامل، ولاحظ أيضاً بأنهم لا يتأثرون كثيراً أو على الإطلاق بالمنطق أو حقائق القضية. إنه أمر مثير للسُّخْط من وجهة نظر أرسطو، ولا يستطيع الكثير من الناس الجديين تحمله، ولذلك فهم يتجنبون السوق والنقاش العامي. كان أرسطو أكثر طموحاً من ذلك الميل الانعزالي، فقد اخترع ما لا يزال نطلق عليه فن الخطابة؛ أي فن جعل الناس يتفقون معك. لقد أراد أشخاصاً عميقي التفكير وجادين وحسنيّ النية لكي يتعلموا كيف يكونوا مقنعين للوصول إلى أولئك الذين لا يوافقونهم بالفعل.
إنه يضع بعض النقاط الخالدة في فن الخطابة: عليك أن تهدئ من مخاوف الناس، وعليك أن ترى الجانب العاطفي من المسألة التي تناقشها، وعليك أن تجعل الأمر ممتعاً لأن فترات الانتباه قصيرة، وقد تضطر إلى استخدام الرسوم التوضيحية والأمثلة لتوضيح وجهة نظرك.
وقد يستقيم القول بأن إعادة الاعتبار لفكر أرسطو يكتسي بأهمية مرهفة في زمننا الراهن. فاليوم، لا تبدو الفلسفة كالنشاط الأكثر عملية وواقعية وعقلانية؛ وربما هذا لأن العقل الفلسفي المعاصر لم يول اهتماماً كافياً لنتاج وفكر أرسطو العميق والثري.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| البرلمان الفرنسي يقف دقيقة صمت حدادا على ضحايا زلزال ت


.. تركيا عرضة للزلازل؟ ما السبب الجيولوجي لذلك؟




.. نواب جمهوريون يهتفون ضد بايدن خلال خطابه: -أنت كاذب-


.. ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال في سوريا وتركيا لأكثر من 8900 قتي




.. جثث عالقة تحت الأنقاض.. وارتفاع عدد القتلى إلى 8900 في سوريا