الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التغيير الاجتماعي و معدلات الجريمة في العراق

رفعت احمد علي

2022 / 1 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يأتي هذا المقال ردا على سؤال تم طرحه في صفحة محطات ومنارات في تأريخ شرطة العراق حول أسباب الزيادة والانتشارفي العنف الإجرامي في العراق، و قد جعلت عبارة التغيير الاجتماعي هذه بادئة لعنوان مقالي معللا بها سبب هذا الارتفاع و الانتشار،،،


التغيير الاجتماعي ومعدلات الجريمة في العراق


يشهد المجتمع العراقي كغيره من المجتمعات الأخرى تغييرا اجتماعيا على جميع جوانب الحياة الملموسة وغيرالملموسة وبصورة غير مسبوقة. وهذا التغيير هو بالطبع تغيير فرضته طبيعة الحياة الجديدة بأدواتها الحديثة مثل الانفتاح و الاعلام الحديث والانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي. ولا يختلف كل متتبع ومهتم بالشأن الاجتماعي العراقي على ان هذا التغيير بدأ يؤثر على عادات و ثقافات و تقاليد بعض الناس والجماعات والمجتمعات الى جانب تأثيره على التنشئة الاجتماعية و أسلوب الحياة الامرالذي يقتضي فهم عميق للموضوع لما يكتسبه من أهمية في مجال حدوث المشاكل الاجتماعية التي تساعد على انتشار الانحراف والعنف الإجرامي وذلك مع تنوع العادات والقيم والأفكار الناتجة عن ديمومة و استمرارية التغييرات الاجتماعية و التحولات الإقليمية و الدولية. فعلى الرغم من ان الغرض من وسائل الاعلام هو نشر الوعي في المجتمع و توسيع ثقافة الأفراد عبر تقديم المعلومات و الأخبار التي تساعدهم في المجالات المعيشية والحياتية والغرض من وسائل التواصل الاجتماعي هوتسهيل عملية تواصل الناس فيما بينهم و تبادل الأفكار و المعلومات و المشاعر الا ان بعض موادها او محتواها أصبحت مؤخرا تمثل تهديدا من خلال بث الكراهية و العنف ومن خلال نشر معلومات مغلوطة و أفكارمخالفة لمنظومة العادات والتقاليد او مخالفة لما اعتاد عليه المجتمع العراقي من قيم أخلاقية واجتماعية والتي تشكل هويته الامر الذي قد يتسبب عاجلا او آجلا في تدمير المجتمع العراقي ككل (لا سمح الله)، بعد تدميررأسماله الاجتماعي و الرمزي وهو المواطن لانه بدأ يتعامل و يتفاعل مع هذا المحتوى و حتى بدأ البعض التأثر به و الاعتماد عليه في الحصول على أفكار جاهزة والتي أصبحت مصدرا رئيسيا لمعلوماته عن مختلف القضايا اليومية البسيطة وحتى المعقدة او المصيرية. هذا، والمقال ليس الان بصدد نقاش جميع هذه الأمور والكثير غيرها- مثل الظواهر الاجرامية التي فرضته ظروف العصر و متغيراته السياسية و الاقتصادية- وأنما يناقش بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالجريمة فقط، ويناقش تأثيرها في تغيير مسار الجريمة. ولكن قبل الخوض في هذه المناقشة أرى ان هناك حاجة لصياغة تعريف مؤقت لمفهوم التغييرالاجتماعي يصف مشكلة بحثنا بدقة ، فالتغيير الاجتماعي وبأختصار هوعملية نقل سلوكيات وظواهر وأنماط حياتية جديدة يقوم بها او يمتلكها أفراد او مجموعات في مجتمع ما لإحداث تغيير في العوامل التي تؤثرعلى الأشياء السائدة التي يقوم بها او يمتلكها أفراد او مجموعات في مجتمع اخرلأسباب ترجع إلى عدة من العوامل المجتمعة، بعضها بيولوجي وبعضها نفسي واجتماعي وثقافي واقتصادي وسياسي. و قد تؤدي هذه العملية الى ظاهرة التغييرالكلي، و التي تعني اندثار السلوكيات او الظواهر القديمة لتحل محلها السلوكيات و الظواهرالجديدة. و ليس من الضروري ان تندثر السلوكيات و الظواهرالأصلية ولكنها تبقى مع السلوكيات و الظواهر الجديدة فيؤدي الى ظاهرة التغيير الجزئي عن طريق اندماج السلوكيات و الظواهر الجديدة مع السلوكيات او الظواهر القديمة مفرزة بذلك مزيج من السلوكيات، الذي يعني ان الفرد او المجموعة تكتسب سلوكيات او ظواهرلا ارتباط بينهما ولا وجه شبه. و في كلا الحالتين تتم عملية التغيير خلال فترة زمنية قد تطول و قد تقصر؛ قد يكون التغيير بطيئا و غير ملحوظ و قد يكون سريعا يتم ادراكه حدوثه بصورة مباشرة على ارض الواقع. هذا و قد لا تحدث عملية انتقال السلوكيات الجديدة الى أفراد او مجتمعات أخرى مطلقا وذلك في حالة عدم تغييراو في حالة ثبات العوامل التي تؤثر على الأشياء او القيم السائدة. ولان الجريمة ظاهرة اجتماعية لا يخلو منها أي مجتمع و بسبب بروز هكذا مهيمنات سلوكية وتنوعها وذلك مع تنوع المشاكل، بعضها سياسيي، و بعضها اقتصادي وثقافي ونفسي، برزت جرائم لم تكن موجودة من قبل مما جعلنا نشعروكأننا في مجتمع غير ذلك الذي نشأنا و تعرعرنا فيه، حيث بدأنا نسمع عن ما يمكن تسميته جرائم القتل العائلي او جرائم قتل ذوي القربي كأب يقتل ابنه أوابن يقتل أباه و/أوامه او زوجة تقتل زوجها، وكذلك جرائم اغتصاب الأطفال وجرائم سرقة او بيع الأعضاء البشرية و جرائم الاتجار بالبشر، والجرائم المرتبطة بالمخدرات، و جرائم النصب والاحتيال والابتزاز الالكتروني، وجرائم سرقة المعلومات والبيانات الشخصية (لغرض إيذاء سمعة الضحية مثلا) وغيرها، وكذلك برزت أنماط محددة من الأساليب او السلوكيات الإجرامية المستحدثة ادخلها فئة من المجرمين الى مجتمعنا العراقي من خلال تقليدهم لنماذج إجرامية سائدة في جميع الدول المتقدمة في العالم من منطلق ما اطلقت عليه تسمية "الحداثة الإجرامية" حيث يظهر تقليد الجرائم من خلال بعض السلوكيات الإجرامية مثل تشويه او و تعذيب الضحية في جرائم القتل والاغتصاب والحرق والنحر والشنق، وكأن الايذاء النفسي و الجسدي هو المعيار الثابت، وكذلك بدأنا نسمع ايضا عن بعض السلوكيات المنحرفة ادخلها فئة من المنحرفين اخلاقيا الى مجتمعنا مثل ظاهرة تبادل الزوجات، ظاهرة اشتهاء الجنس المثلي، ظاهرة اشتهاء تغيير الجنس، ظاهرة التصوير الجنسي، فضلا عن انتشار ظواهر اجتماعية مستحدثة مثل الانتحار، والانتهاكات والتجاوزات التي تحدث ضد القوانيين و الأعراف والقيم، و كذلك ظاهرة الاعتداء على الموظفين في محل عملهم والمكلفين بخدمة عامة (مثل أفراد الشرطة او الأطباء او المدرسين).

و لذلك نحن نتساءل: هل هناك نظرة مبالغة فيها اوانطباع غير دقيق (لكنه بالطبع يبقى انطباعا محقا و جديرا بالنقاش حتى لو لم يكن دقيقا) لمعدلات الجريمة وانتشارها في مجتمعنا أم ان جهاز الشرطة العراقية الآن بات اكثر شفافية وانفتاحا من ذي قبل واكثر إظهارا للقضايا الحساسة و للظواهر الإجرامية في المجتمع؟ والإجابة الواضحة على هذا السؤال جاءت من وزارة الداخلية العراقية التي أعدت احصائية رسمية بالجرائم المسجلة في العراق لعام 2021 والتي بينت انخفاظ إعداد جرائم القتل العمد و الخطف بشكل ملحوظ عام 2021 قياسا بعام 2020. و بعد الاطلاع على هذه الإحصائية يمكنني ان استنتج (اذا اعتبرنا ان العدد الكلي لسكان العراق هو 40 مليون نسمة) ان لكل 100000 نسمة من سكان العراق وقعت 35 جريمة عام 2021، و هذا بحد ذاته يعتبر إنجاز كبير لجهاز الشرطة العراقية اذا ما قارنا معدلات جرائم العنف مع معدلات ذات الجرائم في الدول المجاورة للعراق والتي تشهد استقرارا سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و نفسيا مثل تركيا 39.62(85 مليون نسمة تقريبا)، ايران 49.38 (85 مليون نسمة تقريبا)، الاْردن 39.96 (11 مليون نسمة تقريبا) و في الدول المتقدمة في العالم مثل الولايات المتحدة الامريكية 47.81 (332 مليون نسمة تقريبا) وروسيا 39.99 (146 مليون نسمة تقريبا) و فرنسا 51.99 (65 مليون نسمة تقريبا) و المملكة المتحدة 46.07 (68 مليون نسمة تقريبا)، السويد 48 (11مليون نسمة تقريبا)، إيطاليا 44.85 (60 مليون نسمة تقريبا). وبالرغم من هذا الإنجاز الا ان المشكلة تكمن في وجود تباين كبير يصل الى ± النصف بين إعداد الجرائم المرتكبة و الجرائم المكتشفة في كل جزء من أجزاء العراق، وهو يبدو لي ان بعض المشكلات الاجتماعية القت بظلالها على بعض جرائم القتل كما في باقي القضايا الجنائية. وعليه أقول ان سبب هذه الجرائم قد يكون:

1. استسهال ارتكاب الفعل الإجرامي
2. انتشار السلاح (السلاح الناري و الأسلحة البيضاء) و سهولة اقتنائه
3. انتشار المخدرات (تداول، ترويج، تعاطي، ادمان)
4. الرغبة في استخدام العنف و القوة في حل الخلافات الشخصية و العائلية
5. انتشار مشاهد العنف اللفظي والجسدي والتعبيري على مختلف وسائل الاعلام والبرامج التلفزيونية

هذا وعندما نقول ان عدد الجرائم الغير مكتشفة في العراق مرتفع جدا، فبالتأكيد نحن نتحدث عن:
1. ضعف الإمكانيات المادية و البشرية التي تساعد القوة الشرطية في تنفيذ القانون و الحد من الجريمة والتي قد اتاحت الفرصة لاستسهال الجريمة. و اعني بالإمكانيات المادية هنا، الوسائل والإمكانيات العلمية الحديثة التي تمكن رجل الشرطة من أداء واجبه بفعالية و اقتدار. و اعني بالإمكانيات البشرية هنا ايضا، رجل الشرطة، وما يمتلكه من خبرات و مهارات فنية و إدارية وسلوكية اللازمة لآداء عمله بكفاءة و اقتدار. و من الواضح ان التدابير و الوسائل التقليدية التي تستخدمها الشرطة العراقية سواء كانت في التدريب او في تتبع المجرمين و تضييق الخناق عليهم في العمليات الشرطية و في إدارة مختلف القضايا الجنائية وقفت عند هذا الحد مما يدل على انها أصبحت محلا للشك في قدرتها على الوفاء بالغرض المقصود. وبعبارة أخرى، ان عالم الجريمة الجنائية اليوم تغيربشكل كبيربعد تطور وسائل الاتصالات و المعلومات ودخولها في كل تفاصيل الحياة اليومية والشخصية، فالمجرم يتطور بتطور العلم و تطور القيم الاجتماعية و المجرم اليوم بدأ يستخدم العلم و التكنولوجيا لإخفاء اثره او تغيير شكل بصمته او تغيير ملامح وجهه او هيئته او تسهيل فرصة ارتكاب الجريمة مثلا، وبعد استخدام الوسائل العلمية و التكنولوجية للأغراض الاجرامية، فلم يعد بمقدورالوسائل و التدابير التقليدية ان تمنع حدوث الجريمة بصورة فاعلة. وهذا بالطبع لا يعني ان الوسائل التقليدية فقدت قيمتها كليا لمجرد ان المجرمين يواجهون جهاز الشرطة بوسائل علمية او حديثة مضادة، لكن الذي يمكن قوله هو ان جهاز الشرطة العراقية يحتاج دائما الى تطوير قدراته التي يجب ان توازي قدرات المجرمين بل و يحب ان تتجاوز قدراتهم. وهنا اود ان أؤكد ان جهاز الشرطة العراقية بأعتباره اول جهاز في الدولة العراقية لمنع الجريمة لا يمكن ان يكون بعيدا عن التطور العلمي في استخدام التقنيات الحديثة في مكافحة الجريمة و الوقاية منها.
2. تراجع وضعف المؤسسات الاجتماعية في نشر التوعية المجتمعية بين جميع فئات المجتمع للوقاية من الجريمة المتمثلة بضعف السيطرة الاجتماعية وانتشار الفوضى الاجتماعية. ان غياب المؤسسات الاجتماعية الفاعلة مع غياب التخطيط الملائم في المؤسسات الحكومية المعنية (مثل المؤسسة التعليمية، المنظومة القضائية، المؤسسة الإعلامية، المؤسسة السجنية والعقابية، مؤسسة الرعايا الاجتماعية و غيرها) في التعامل الحقيقي مع المشكلات الاجتماعية والمشاكل الناتجة عن ديمومة و استمرارية التغييرالاجتماعي هو احد العوامل التي قد تقف حجر عثرة في وجه ضبط الظواهرالإجرامية المنتشرة في المجتمع العراقي.

و خلاصة القول في ذلك، ان امن المجتمع و استقراره لا يقومان فقط على تنفيذ القانون، انما يقومان أيضا على التفكير لأيجاد حلول لهذه المشكلات الاجتماعية و الظواهر الجنائية وهذا يتطلب العودة الى اهل الاختصاص والدراية (في علم النفس الجنائي/الاجتماعي، علم الجريمة، علم الاجتماع، العلوم الجنائية والقضائية والشرطية) لغرض دراستها و فهم علاقتها حتى يتم رسم سياسية جنائية تتعامل مع التغيير في مسار الجريمة في العراق. ولهذا يمكن القول ان التطور العلمي و التقني في مكافحة الجريمة هو نتاج التطور في علم الجريمة، علم الاجتماع، علم النفس سواء من الجانب القانوني او النفسي او الاجتماعي وان الجريمة ظاهرة اجتماعية حيث يمكن تحليل جميع ظواهر العنف الإجرامي و السلوكيات المنحرفة في ضوء إجراءات هذه العلوم.

وقبل ختام هذا المقال أريد أن أقدم بعض المقترحات الموضوعية و القابلة للتطبيق التي قد تفيد او تساعد في ضبط الجريمة بشكل عام و الحد من انتشار العنف الإجرامي بشكل خاص على المدى القريب والمتوسط والبعيد وعلى ستة مستويات والتي سوف أتناولها بصورة مختصرة:

1. على المستوى المادي، التحديات الجنائية الحالية والمستقبلية تتطلب:
أ‌. تعزيز القدرات الفنية في مجال النقل و المواصلات والقادرة على ملاحقة الجريمة ومتابعتها و كشف ابعادها عن طريق:
(أولا). إستحداث قسم للشرطة الجوية (بمستوى جناح من الطائرات العمودية/ الهليكوبتر) و دمجه مع مديرية شرطة النجدة، يكون واجبه قيادة و ارشاد شرطة النجدة الأرضية لضمان الدقة والسرعة في كافة العمليات الشرطية.
(ثانيا). توفير و سائل الاتصالات المتطورة والأجهزة الالكترونية الحديثة للأغراض المتعددة.
ب‌. القدرات الفنية في مجال التعامل مع الجرائم عن طريق:
(اولا). توفير أجهزة تنبوء الجرائم و تقدير الخطر و تقدير التهديدات الاجرامية
(ثانيا). توفير أجهزة التصوير الأرضي البعيد و التصوير الجوي في حالة تحقق (أولا) أعلاه.

ت‌. القدرات الفنية في مجال الأدلة والتحقيق الجنائي عن طريق:

(اولا). استحداث قسم للطب العدلي الجنائي و ربطه بمديرية تحقيق
الأدلة الجنائية لوزارة الداخلية مع توفير كافة مستلزماته من
مختبرات جنائية (لفحص السموم و المواد الكيمياوية والمخدرة ، اثار
المقذوفات ، DNA و غيرها) يختص في التحقيقيات في
الجرائم الجنائية الغامضة و الجرائم الحساسة التي تثير كثيرا من
اللغط و الشكوك بسبب احتمالات الخطأ و الصواب في التشخيص.
(ثانيا) توفير معدات التصوير الجنائي الحديثة و توفير أجهزة المضاهاة الإلكترونية الخاصة بمطابقة الأصوات، الصوروالرسومات الجنائية والمخطوطات وكذلك البصمات.

ث‌. قدرات التسليح عن طريق:
(اولا) توفير الأسلحة الخفيفة سريعة الاطلاقات و بعيدة المدى و حسب
نوع و طبيعة العمليات الشرطية.

2. على المستوى البشري، التحديات الجنائية الحالية والمستقبلية تتطلب:

ا. وضع معايير دقيقة لأختيار رجل الشرطة وأعداد برامج تأهيلية وتدريبية من قبل متخصصين في علم النفس و علم الاجتماع و علم الجريمة و علوم الشرطة و التدريب البدني.
ب. تدريب رجل الشرطة وتأهيله ورفع قابلتيه سواء في فترة الإعداد و قبل وبعد دخول المسلك عن طريق تزويدهم بخبرات فنية، وإدارية، وسلوكية وتنمية قابلياتهم و معلوماتهم بكل ما هو جديد في مجال العلوم الشرطية.
ت. إعداد دورات التدريب الاختصاصي في مختلف التخصصات الجنائية و لمختلف دوائر و هيئات الشرطة لرفع جودة الاداء في العمل الشرطي.
ب. الاستفادة من تجارب وخبرات الدول ذات المعدلات المنخفضة في الجريمة (مثل قطر، سلطنة عمان، تاي وان، أرمينيا، جورجيا، اليابان، ألمانيا، سويسرا، كرواتيا) في مجال مكافحة الجريمة خاصة فيما يتعلق بجرائم القتل وجرائم الاحتيال و جرائم المخدرات و غيرها وبما يتناسب مع ظروف المجتمع العراقي عن طريق عقد اتفاقيات في مجال عمل الشرطة او التعاون و تبادل الخبرات التدريبية مثلا.

3. على المستوى الأكاديمي و البحثي، التحديات الجنائية الحالية و المستقبلية تتطلب:
أ‌. استقطاب حملة الشهادات العليا في اختصاصات علم الجريمة، علم الاجتماع، علم النفس الجنائي او الاجتماعي او علم نفس الشخصية و الذين لديهم بحوث منشورة و نتائجها قابلة للتطبيق على ارض الواقع والتعاقد معهم للاستفادة من خبراتهم في رسم سياسية جنائية بالتعاون مع اهل الاختصاص في المسلك.
ب‌. مفاتحة وزارة التعليم العالي و البحث العلمي على تشجيع طلبة الدراسات العليا في اختصاصات علم النفس الجنائي وعلم الجريمة و علم الاجتماع على اختيار بحوث ذات طابع بحثي عملي ميداني يخدم الواقع العراقي الاجتماعي و الجنائي مثل تلك التي تتعلق مثلا بالجوانب العقلية و النفسية و الاجتماعية و الانفعالية للمجرمين و المنحرفين او المحكومين والتي يمكن الاستفادة من نتائجها او توصياتها لخدمة الواقع الاجتماعي-الجنائي العراقي.
ت‌. تشجيع الأكاديمين و الباحثين للوقوف عند كل ظاهرة إجرامية او اجتماعية ودراستها على حدة و اجراء دراسة عليها و ذلك بتحديد الأسباب الحقيقية التي تقف وراء كل ظاهرة و العمل على حلها او الحد من انتشارها واعلام و عرض النتائج على وزارة الداخلية للاستفادة منها عمليا.
4. على المستوي الاجتماعي، التحديات الجنائية الحالية و المستقبلية تتطلب:

أ‌. تشكيل هيئة دائمية (6-8) تضم في عضويتها شخصية عشائرية، قاضي، رجل دين، أكاديمي او باحث متخصص في علم الجريمة او الاجتماع او علم النفس، و مواطن متعلم يمكن الوثوق به، واجبها النظر في المشكلات الاجتماعية البسيطة و المشاكل الشخصية الصغيرة (بعد موافقة المشتكي) التي تصل الى مكتب شكاوي المواطنين في وزارة الداخلية للمساعدة في حلها او الفصل فيها.
ب‌. تشجيع عمل مديرية شؤون العشائرعلى إقامة مؤتمرات عشائرية دورية لتعزيز الجهود في مكافحة الظواهر الاجرامية و في تمكين جهاز الشرطة على تنفيذ القانون و السيطرة على انتشار السلاح و الفوضى. ان العلاج العشائري له دور مهم في السيطرة الاجتماعية و المحافظة عن القيم الصحيحة ومواجهة انتشار الفوضى والسلاح اللتان اصبحتان تهددان التركيب البنائي للمجتمع العراقي، حيث ان هذه المشكلة لا بد من التصدي لها بمشاركة الجميع من منطلق قول رسول الله (ص) كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
ت‌. دعم الشرطة المجتمعية على تنظيم النشاطات الاجتماعية والبيئية والرياضية الدورية في المجتمع العراقي لتعزيز روح المواطنة و الانتماء للعراق وتنمية الجهد التطوعي لمساعدة الآخرين.


5. على مستوى العقابي و الإصلاحي، التحديات الجنائية الحالية و المستقبلية تتطلب:
أ‌. مفاتحة الجهات ذات العلاقة والتأكيد على ضرورة تنفيذ احكام الإعدام بحق الإرهابيين و المدانيين بجرائم قتل جنائية والذين اكتسبت أحكامهم الدرجة القطعية لان في ذلك أهمية في إظهارعدم التهاون في تطبيق القانون وفي هيبة الدولة و ليكون رادعاً ومناسباً لجرائم القتل، وغيرها، وللسير نحو دولة القانون والتأكيد على هيبة الدولة وقدرتها على منع انتشار الجريمة والمخالفات والانحراف. ان عدم تنفيذ العقوبة او التأخر في تنفيذها ربما سيخلق مشكلة اجتماعية لما سيخلق من حزن اذى لعائلة المجني عليه، ولأحبائه وللآخرين، مما قد يضطر اهل المجني عليه باخذ الثأر والانتقام الامر الذي يفتح الباب امام دوامة من القتل و القتل المضاد و قد يمتد الامر في ازهاق أرواحا بريئة.
ب‌. تفعيل العلاقة بين جهاز الشرطة و غيرها من الجهات الفاعلة في قطاع القضاء و العدالة و دائرة الإصلاح الاجتماعي.
ت‌. تفعيل نظام الرقابة النموذجية الداخلية والخارجية في المؤسسات القضائية و العقابية لحماية السجناء والنزلاء والموقوفين من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة حتى لا يتولد لديهم شعور بالكره او الحقد ضد الدولة او الإحساس بالظلم و الاضطهاد او عدم الرحمة او الإحساس بالتمييز الاجتماعي او غياب العدالة.

6. على المستوى الإعلامي، التحديات الجنائية الحالية تتطلب:
أ‌. السيطرة على ما تنقله وسائل الاعلام المرئي من مواضيع تأجج العنف و المشاكل الاجتماعي ( صور و فيديوهات للضحايا او الجناة) التي قد تأجج العنف و المشاكل او الأضرار بعوائل الضحية او الجناة.
ب‌. السيطرة على المحتوى الإعلامي (أفلام الرسوم المتحركة ، ألعاب الفيديو، العروض التلفزيونية) الموجهة للأطفال و المراهقين و الشباب والتي تحتوي على مشاهد للعنف الجسدي او اللفظي او التعبيري او سلوكيات عدوانية يستخدم فيها الضرب و الصراخ و الشتم للحيلولة دون جعل هذه الفئة من الإعمار التأثر بهذه الأفعال و السلوكيات.
ت‌. السيطرة على محتوى العروض التلفزيونية (الأفلام و المسلات) و تقليل مشاهد القتل و الدماء لعدم جعل المجتمع والأجيال القادمة ان تستسيغ مثل هذه الأفعال و السلوكيات.
ث‌. انتقاء القنوات الفضائية و البرامج العلمية و الثقافية البعيدة عن العنف و الابتذال والإسفاف والتي تسهم في المحافظة على الهوية الاجتماعية العراقية.
ج‌. تفعيل شعبة الجرائم الالكترونية لرصد و سائل التواصل الاجتماعية التي تؤجج العنف بين الناس و كذلك للسيطرة على المحتوى المنشور على صفحات التواصل بما لا يتسبب في تأجيج مشاكل اجتماعية بين فئات المجتمع.
هذه بعض المقترحات لمكافحة الجريمة و الوقاية منها، وقد كان عرضي مقتصرا على المقومات المادية و البشرية، أما المقومات التنظيمية و التشريعية، وما لها من تأثير على معدلات الجرائم الغيرمكتشفة فالوضع هنا يختلف ويحتاج تفصيلا نؤجل طرحه في مناسبة مقبلة – إن بقيت الحياة وان لم تبقى فأسألكم (الفاتحة والدعاء).

في النهاية يمكن القول أن جهاز الشرطة وحده لا يمكن ان يرسم السياسات الجنائية وإعداد الخطط لمواجهة الجريمة في ظل التغييرات الاجتماعية والتحولات الجنائية الإقليمية و الدولية الا بمساعدة مؤسسات المجتمع بمختلف أنواعها و اشكالها للمحافظة على الهوية القيمية والأخلاقية العراقية من الانفلات الاجتماعي و من هيمنة المجرمين و الجريمة على المجتمع العراقي.


الشكروالتقديرموصول لوزارة الداخلية العراقية لأعتمادها مبدأ الشفافية في الإعلان عن معدلات الجريمة المرتكبة والمكتشفة في العراق لعام 2021 والتي تتيح الفرصة امام الباحثين والأكاديميين والمختصين للمشاركة في التعبيرعن ارائهم و تقديم مقترحاتهم المختلفة خدمة للصالح العام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن ستعلن عن تعهدات عسكرية جديدة خلال قمة الناتو


.. الصفدي للجزيرة: القضية الفلسطينية مفتاح الحل لتحقيق الأمن في


.. فلسطين.. القسام تعرض صورا للأسير الإسرائيلي هشام السيد




.. فرنسا تدرس العودة إلى توليد الكهرباء بالفحم


.. بايدن: دول حلف النيتو ستعزز تدفق المعدات وستوفر مساعدات لأوك