الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جرّبنا الأنظمة الإسلامية 1300 سنة وفي القرن الأخير جرّبنا الأنظمة القومية والماركسية وكلها لم تلبي الطموحات فما هو الحل؟.

عبد الحميد فجر سلوم
كاتب ووزير مفوض دبلوماسي سابق/ نُشِرَ لي سابقا ما يقرب من ألف مقال في صحف عديدة

(Abdul-hamid Fajr Salloum)

2022 / 1 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


جرّبنا الأنظمة الإسلامية 1300 سنة وفي القرن الأخير جرّبنا الأنظمة القومية والماركسية وكلها لم تلبي الطموحات فما هو الحل؟.
1ــ
نحنُ في دولنا ومُجتمعاتنا العربية والإسلامية، حُكّاما وأحزابا ومذاهِبا وأديانا ونُخَبا ومثقفين، وغير ذلك، بأمسِّ الحاجة لثقافة الحوار، واحترام الرأي الآخر مهما كانت التناقضات..
فالبديل عن الحوار هو القتال والاقتتال، وهذا يعني أنّ الأقوى يقضي على الأضعف، وهكذا سوف تستمر الحروب وسفك الدماء إلى الأبد..
وعلينا أن نُدرِك أن القوة هي مفهومٌ نسبيٌّ جدا في الحياة، فمن كان قويا بالأمس يمكن أن يكون ضعيفا اليوم.. ومن هو قويٌ اليوم قد يكونُ ضعيفا في المستقبل.. فلا يتملكنَّ الغرور أحدا..
أليس هذا هو تاريخ الأمم والشعوب؟. كل شيء في الحياة نسبيٌّ وقابلٌ للتغيير، والمُطلَق هو في السماء فقط..
فإلى متى ستحكمنا عقلية القوي والضعيف بين بعضنا بعضا، البعيدة عن لغة المنطق والعقل والحوار والتي تشبه شريعة الغابات فقط؟.
2 ــ
بالصدق والوضوح والصراحة والمُصارَحة تُبنى الدول وتتقدم، وتزدهر الشعوب، وليس بالتعتيم وقلبِ الحقيقة، وكبتِ وخنقِ وإقصاء أو تهميشِ الرأي الآخر..
نعم هنا يجب أن نبحث عن سرِّ تخلفنا عن الغرب، وليس في مؤامرات الغرب..
الغربُ لم يكُن حاضرا حينما كانت موقعة الجَمل وصفِّين وكربلاء التي لم ننتهي من آثارها بعد، ولن ننتهي في ظل هذه العقول المتعصبة والمُؤثِّرة التي نراها اليوم سواء في أوساط أهل السُنّة والجماعة، أم في أوساط أهل الشيعة..
والغربُ لم يكُن حاضرا حينما انقسمنا إلى سُنّة وشيعة، وإلى مذاهب وطوائف متعددة، وأفتينا ضد بعضنا، وحوَّلنا الإسلام إلى صراعات دموية فيما بيننا لأجلِ السُلطَة..
الغربُ درس تاريخنا واكتشفَ عِلَلُنا وأمراضنا ولَعِبَ عليها وعمَّقها، ولكن أين هي عقولنا؟.
3ــ
حينما تقدم العرب والمسلمون ووصلوا إلى الأندلس في عهد الأمويين، لم تكُن حينها كل هذه الطوائف الإسلامية المُتناحِرة، وكل هذه المذاهب المُتفرِّقة.. فإن أردتم أن تحكمنا الآيديولوجيات الدينية فعودوا إلى إسلام بِلا مذاهب.. وإلّا ادرسوا تاريخ الغرب واستفيدوا من تجاربهِ وكيف وضع حدّا لصراعاته الطائفية الدينية الدموية بعد اتفاقِ، أو صِلحِ ويستفاليا عام 1648 الذي أرسى نظاما جديدا في أوروبا، مهّد لاحقا إلى ما يُعرفُ بــ (العَلمانية) أو فصل الدين عن الدولة، ثُمَّ قيامُ أنظمةِ حكمٍ ديمقراطية تؤمنُ بالتعددية والبرلمانات المُنتخَبة بشكلٍ حرٍّ، وتداوُل السُلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وقيم حقوق الإنسان العصرية، وقوة المؤسسات والقوانين والدساتير، وفصل السُلطات، واستقلالية القضاء، وتكافؤ الفُرص..
هنا تكمن كل الأسرار في تقدُّمِ هذا الغرب.. وهنا يكمن خلاصُ شعوبنا العربية والإسلامية..
4ــ
العلمانية تعكس مفهوم التساوي بِالمُواطَنة والحقوق والواجبات بغضِّ النظر عن الدين والمذهب والعِرق والجِندر( أي ذكَر أو أنثى)، وعلى حرية الرأي والتعبير والمُعتقَد، ولا يستطيعُ أحدٌ أن يُلغي الآخر، ودُورُ العبادة مفتوحةٌ للجميع، والعمل السياسي مُتاحٌ أمام الجميع، حتى للأحزاب التي تحمل أسماء دينية، شرطَ عدم المساس بعَلمانية الدولة، وعدم خلطِ الدين بالدولة..
هذا ما تحتاجهُ بُلداننا وشعوبنا، وليس أنظمةُ حُكمٍ تقومُ على أساسِ مذهبٍ دينيٍ واحدٍ، وتُهمِّشُ الآخرين أو تقصيهم..
5ــ
هناك من يتحمسون كثيرا لبعض الأنظمة الإسلامية في منطقتنا، ويعتقدون أن هذا الصراع العنيف في الإسلام طبيعي جدا وسوف يستمر للأبد، لأنهم يعتبرونهُ صراعا بين الخير والشر، وبين الشركِ والإيمان.. واعتبروا أن الشرّ يتجسّدُ في تلك الطائفة أو الدولة، وأن الخير يتجسّدُ في هذه الطائفة أو الدولة..
هنا يكمنُ الخطر الأكبر، في هذا العقل الطائفي الإقصائي الشمولي المُتعصِّب الذي مازالَ مُعشعِشا في تلابيب عقولنا وأدمغتنا على مدى 1400 عام.. العقلُ الذي يُصنِّف الإسلام ذاتَهُ إلى جناحي خير وشر، أحدهما مؤمن والثاني منافق وكافر.. وكل ذلك كان نتيجة دوافع شخصية وصراعات شخصية لأجلِ السُلطة، ولا علاقة للإسلام به..
هذا نعيشهُ في هذا الزمن، فكل من يخالفني الرأي سأنعتهُ بالعمالةِ والخيانة والزندقة والفُحشِ والفساد، دون أي محاكمات قضائية عادلة، مع أنهُ قد يكون من حلفائي حتى الأمس، وكنتُ أُثني على نضالهِ ووطنيتهِ حتى الأمس، وقد يكون هو الصح وأنا المُخطئ..
وهكذا كل تقييماتنا شخصيةٌ نابعةٌ من دوافع شخصية بعيدة عن العقل والمنطق وحتى القانون.. والمسألة في رُمّتها تُلخَّصُ في عبارة واحدة: من هُو معي ومن هو ضدِّي؟.
تصنيف المسلمين إلى جناح خير وجناح شر، هو اعترافٌ بأن الإسلام ليس صالحا ليكون نظام حُكمٍ في أي دولة.. وهذا تعدٍّ على صلاحيات الإله الخالق، فهو وحدهُ صاحب هذا الحق في تصنيف المسلمين، وغيرهم في الحياة، إلى أشرار وأخيار، وإلى مؤمنين وكُفّارا..
اتركِوا صلاحيات الإله للإله ولا تتعدُّوا عليها.. أترِكوا المحاسبة لله في الدار الآخرة، فهو لم يعطي أيٍّ منكم تفويضا بِمحاسبة الناس على عقائدهم الدينية ونواياهم، وهُم في الحياة الدنيا.. والأخلاق ليست مشروطة على التربية الدينية، وليست محصورة بها، هذه عنصرية..
6ــ
هناك من سيقولون، لقد جرّبنا الأنظمة القومية، والماركسية، في أعقاب الاستقلالات الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية، على مدى أكثر من سبعين عاما من الزمن، وفشلت.. ولكنهم يتجاهلون أن هذه الأمة جرّبت أنظمة الحُكم الإسلامي على مدى 1300 عامٍ من الزمن، فماذا كانت النتيجة؟.
هل خلى تاريخ تلك الدول يوما واحدا من الحروب والدماء والقتل والإقصاء والإلغاء والمجازِر، وحتى بين أهلِ الحُكم أنفسهم، وبين أفراد عائلةِ الخليفة نفسها؟. هذا موثَّقٌ في التاريخ..
وهناك من قتلوهُم لأنهم فضحوا هذا التاريخ، كما الكاتب المصري فرَج فودة، صاحبُ كتاب " الحقيقة الغائبة" ..
لماذا حتى نحكُم على أحدٍ بالقتل لأنهُ نشر كتابا يُخالفُ قناعاتنا؟. لماذا لا نتحاور معهُ ونقنعهُ أو يُقنِعُنا؟.
أسلوب القتل، والفتاوى بالقتل، هي قمّةُ الاستبداد والتعصُّب.. وبالاستبداد والتعصُّب لا تُبنى الدول والأمم والمجتمعات.. وهذا أكبرُ إساءة للإسلام أمام كل أصحاب الأديان الأخرى في هذا العالَم..
الغرب تآمر ويتآمر على الأحزاب والحركات اليسارية والقومية، ولكنهُ ضِمنا يُبارِك الأحزاب والحركات الدينية، لأنّ هذه تمزِّق المجتمعات على أسسٍ طائفية، وهذا ما تصبو إليهِ مشاريع التفتيت والتقسيم بالمنطقة.. وها هي اليوم المنطقة غارقة بالصراعات الدينية والتشرذم.. فلا نختبئ خلفَ أصابعنا وننكر ذلك، ونقول أن الصراع مع عملاء الإمبريالية والصهيونية وليس بين المسلمين..
هل اشتبكنا مع الإمبريالية والصهيونية أكثر من اشتباكنا مع بعضٍ كعربٍ ومسلمين؟..
ها هي قواعد أمريكا الإمبريالية وجنودها في كل المنطقة، فأين هي الحرب العسكرية، أو الشعبية لطردها؟.
وها هي إسرائيل تحتلُّ فلسطين والجولان وتشنُّ اعتداءات بشكل دائم حيثما تشاء، فأين هي الحرب العسكرية أو الشعبية لطردها خارج إطار الخطابات والتصريحات؟. لا أرى حروبا وصراعات دموية، إلا بين شعوب المُسلمين..
فمتى سنخرجُ من قوقعتنا الفكرية؟.
7ــ
بعد أن جرّبنا بالماضي كل أشكال الحُكم (إسلامية وقومية وماركسية) ولم تنجح في النهوض بالمجتمعات وتحقيق أهدافها وتطلعاتها وطموحاتها، أو في تحقيق المُساواة بالمواطَنة واحترام حرية الرأي والتعبير والاختلاف والعيش المُشترَك، وتداوُل السُلطة بشكلٍ حضاريٍ وسلمي، والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء..الخ.. فهل بقيَ أمامنا سوى نماذج أنظمة الحُكم الديمقراطية الغربية العَلمانية؟.
لِماذا مسموحٌ أن نأتي بكلِّ شيءٍ من الغرب، ونستفيد من تجاربهم في كل المجالات، ما عدا مجالات الحُكم؟.
ألَم تنهض بعض الدول الإسلامية لأنها طبّقت نماذجَ حُكمٍ قريبةٍ من الديمقراطيات الغربية، ويتمُّ فيها تداول السُلطة، بشكلٍ حضاريٍ؟.
لماذا لا تستفيدُ عموما الدول الإسلامية الملَكية الوراثية، من تجربة ماليزيا ويكون لديها دساتيرا كما دستور ماليزيا، وإقامة ملَكيات دستورية ديمقراطية تمثيلية والفصل بين السُلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية؟.
لماذا لا تستفيدُ الدول الإسلامية الجمهورية، من تجربة أندونيسيا في الحُكم وإقامة أنظمة حُكم نيابية، والسماح بحرية تشكيل الأحزاب المتعددة مهما كانت مبادئها متناقضة، ويُترَكُ الخيار للشعب؟.
لماذا لا تستفيدُ من تجربة تركيا والباكستان، وحتى بنغلادش، في الاحتكام دوما لصناديق الاقتراع وتداوُل السُلطة من خلال نتائج الصناديق، وبشكلٍ تعددي وحرٍّ ودون أي إقصاء، لأيٍّ لونٍ كانَ، ومهما كانت التناقضات والخلافات الحزبية والسياسية، ولا نجدُ مُعارضين هاربين خوفا من البطش والاعتقال؟.
هناك دولٌ إسلامية نجحت في تجاربها السياسية ولم تُطبِّق الشريعة الإسلامية في الحُكم(ولا يوجدُ فيها مُعارِضون هاربون)، وهناك دولٌ فشلت، لأنها لم تُتِح المجال لكافة الآراء والأفكار والاتجاهات والتوجهات أن تأخذ دورها، ويُترَك الاحتكام للصناديق..
الإسلام دين وليس دولة ولا يوجد في القرآن الكريم ما يقول أنه يجب أن يكون دولة.. وتنظيمُ مجتمعٍ إسلاميٍ محدودٍ، ورعويٍ بسيطٍ، في المدينة قبل 1400 عام وبمسائل تتعلقُ بالزكاة والأكل والشرب، وغيرها، ويُسيَّرُ بالفتاوى، هذا لا يعني أن الإسلام كان نظام دولة ويجب أن يستمر نظام دولة..
وأصلا مفهوم الدولة نشأَ لاحقا بعد صِلحْ ويستفاليا، ولاعلاقة له بذاك الزمن.. ومقولة الإسلام "دين ودولة" تُنسَبُ لمؤسِّسي الأخوان المُسلمين، وغايتها هي التوظيف السياسي للدين.. وهذه المقولة تُفقِد الإسلام كل معانيه وقيمهِ الروحية، ليتحوّل إلى عملٍ سياسي لا علاقة له بالروحانيات، ويتمُّ توظيفهُ لغايات سياسية.. وهذا ما حصلَ، ويحصل..
8ــ
طيلة زمن ما يُعرَفُ بالدول الإسلامية، كانت الفرقة والعداوات والحروب والقتل والمسبات والشتائم، وشريعة الأقوى.. وما زالت هذه حتى اليوم.. فبعض مشايخ الشيعة يشتمون أهل السُنّة ورموزهم على الفضائيات( إحداها في لندن) ويصبُّون جام غضبهم على السلفية الحنبلية (الوهابية) ويكفِّرونها..
ومشايخ الحنبلية السلفية يُكفِّرون أهل الشيعة..
بل حتى أن بعض مشايخ الشيعة يُكفِّرون بعض الطوائف المحسوبة على الشيعة.. وفي تسجيلٍ علنيٍ لشيخ شيعي، وكان وزير أوقاف سابق في بلادهِ، يهاجمُ إحدى الطوائف السورية المحسوبة على الشيعة، ويتّهم أبنائها بالفساد والفاحشة، بالجُملَة، ودون تمييزٍ بين واحدٍ وآخر، بل وكأنّ الفساد والفاحشة له هوية مذهبية أو حصريٌ بطائفةٍ بعينها..
بل ذاك الشيخ ذاتهُ، ولستُ أنا، من تحدّث بإسهابٍ، وفي ذات التسجيل، عمّا أسماهُ مشروع "شيعي" في المنطقة..
ابحثوا عن هذا الأمر في غوغل وسوف تجدونه..
هذا هو العقل الديني، يعتقد أنهُ وصيا على البشر.. وهذا غير مقبول.. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..
9ــ
كل العصبيات الدينية تقود أخيرا للفاشية الدينية.. ومن هنا كان تركيزي دوما أننا نحتاج للأنظمة الديمقراطية العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة، واقتصار دَور رجال الدين على دُورِ العبادة ونشر مكارم الأخلاق في المُجتمعات والابتعاد عن العمل بالسياسة، وعن الخلط بين الدين والدولة..
طبعا هذا لا يعني أن أنظمة الديمقراطيات العلمانية والليبرالية في الغرب، هي المُثلَى، فلها سلبياتها وعيوبها، ولكنها تبقى حتى اليوم أفضل وأنجح أشكال الحُكم..
نحتاج كثيرا للحوار الحضاري وقبول الرأي الآخر وبشكلٍ أدبيٍ وأخلاقيٍ، بعيدا عن لغة الشخصنات والشتائم..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دعوة للأصدقاء المتابعين على اليوتيوب لحضور محاضرة اليوم 29 /


.. أورتيغا يهاجم الكنيسة الكاثوليكية وماناغوا تطرد سفيرة الاتحا


.. مصرلماذا أثار إعلان دار الإفتاء جواز نقل الأعضاء من ميت إلى




.. فتوى دينية رسمية تدعم توجها حكوميا مصريا لتقنين التبرع بالأع


.. حتى الشبابيك تأتي من خارج سوريا.. هل تُساهم العتبات الشيعية