الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اللغة العراقية ومفهوم الدلالات ح4

عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)

2022 / 1 / 18
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تطورت اللغة تبعا للمستجد الضروري وتراكم الخزين المشترك من الكلمات التي لا ترتبط بنظام تكويني موحد ولا ملامح خاصة في سيرورتها، مع مرور الزمن أصبحت هناك مجموعات من الألفاظ التي تشكل نوعا محددا من المفاهيم وبدأت الأشتقاقات من تلك الألفاظ تتبلور مستندو إلى التجربة فقط، سقط منها ما كان غير ملائم وغير المهم ونشطت الألفاظ كثيرة التداول بين الأفراد للضرورة طبعا، لتتصدر المشهد اللغوي دون أن تجد رابطا حقيقيا بينها في أول الأمر، السياق العام لتلك المجموعات مرتبط بالحركة والتواصل فقط ولما تظهر بعد ألفاظ خارج الأهتمام الطبيعي بين الأفراد، هذه المرحلة الثانية من تكوين اللغة يتداخل بها المحلي مدعوم بالتجربة مع الطبيعي الكوني، وبدأ الفرز ليس على مستوى ونوعية التواصل بل أيضا على مستوى الكيفية التي ينطق أفرادها ما يتواصلون به أو ما يكثر أستعماله، وبدأت مرحلة أضفاء ما يعرف بهوية الكلام الجزئية ولكنها تبقى بالشكل العام لغة حسية أكثر منها لغة مركبة و تتميز بالبساطة وغياب التعقيد ولكن أيضا بالتنوع والتعدد.
هذا الفهم ليس جديدا ولا مبتكرا بل يترافق تأريخيا مع تفكير الإنسان عن معنى الكلام وتفسيره له في مراحل نضج لاحقة، بدأها الفلاسفة أولا لأنهم الأكثر قدرة على تفكيك الأفكار وفحصها ودراستها، ومن هنا فالتأريخ المعرفي يحفظ لنا تلك المحاولات التفسيرية التي حاول الإنسان من خلالها التنظير في أمر اللغة وكيف ولدت ونشأت، وإن كان هناك أتجاهين رئيسيين في ذلك، الأول يرى أن اللغة ولدت كمعطى فطري ملازم لوجود الإنسان العاقل وقدرته على التعبير، من هذه النظريات نظرية الغريزة الكلامية التي تشرح نشأة اللغة على النحو الآتي "إن كل إنسان مزود بغريزة خاصة كانت تحمل الإنسان على التعبير عن كل مدرك حسي، أو معنوي بكلمة خاصة ولذا اتحدت المفردات والتعابير عند الإنسان الأول، وأنه بعد نشأة اللغة لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة فانقرضت" وقد قال بهذه النظرية الفرنسي رينان والألماني مولر وهما عالما لغة جليلان.
هذه النظرية وإن كانت تشمل مبدأ الفطرية التكوينية على أنها الأساس الفعلي لولادة اللغة لكنها أنهت الغريزة الفطرية بعد أكتمال المنظومة اللغوية في فترة لاحقة، وهذا برأي خلل معرفي في فهم الفطرة فهي لا تتوقف عند نقطة معينة ولكن تتحول إلى ما يعرف أولا بتأصيل اللغة وثانيا تستمر في قدرتها على الأبتكار المتجدد مع تغير الظروف والحاجات، كما أن اللغة لا يمكن الجزم بأنها أكتملت وأصبحت نظاما ثابتا وهذا لم يقل به أحد من علماء اللغة ولا دارسيها، اللغة كما قلنا هوية تتطور مع تطور مستلزمات الهوية الإنسانية وتأخذ شكلها من شكل المنحنى التطوري لوضع الفرد والمجتمع، فقد تحولت اللغة إلى أبواب ومسارات تعكس طبيعة المجتمع المتغيرة لذا فهي في مسيرة لا تتوقف تبعا للغريزة المستجيبة لكل تأثير داخلي أو خارجي قادر على جرها إلى مدارات جديدة.
أما المدرسة الفلسفية التي ذكرنا قدرتها على الفهم والتفكيك والفرز والتوصيف والتنظير فهي معنية بسؤال مهم في أصل نشأة اللغة وعلة وجودها وإن كانت تتفق في جميع مدارسها على فكرة الضرورة، فهم ينظروا إلى نفيي علاقة نشأة اللغة باكتمال نضج الحنجرة أو القشرة الدماغية أو العمليات العصبية التي صاحبت قدرة الإنسان على النطق أي يستبعدون نظرية التطور والأرتقاء اللغوي التي هي إنعكاس جزئي من نظرية دارون ويركزون على مبدأ الطبيعية أكثر من كون العملية مهاراتية محكومة بسياق تطور ونشوء الإنسان، إنهم يتحدثون عن الإنسان كاملا إنسان معرفي ناطق قادر على تسمية وفرز ما حوله من مظاهر ومكونات، بل ما اهتم الفلاسفة بدراسته هو ما إذا كانت اللغة منحة إلهية صاحبت الإنسان منذ بدء الخليقة بأعتبار أن الإنسان ولد هكذا أو على الأقل ما يعرف بالإنسان الآدمي، أم أنها اجتهاد مهاري بشري محض وليد الحاجة والرغبة في التفاعل والاستئناس.
فبين قياسية أرسطو في هذا الاتجاه القائل إن اللغة كائن طبيعي ولد مماهيا لقياسية الإنسان أصلا الذي خلق وفقا لنموذج محدد ومقيس ومتكامل في طبيعته، لذلك فهي بالنتيجة قياسية ومنطقية في أصل تكوينها، أي أن اللغة اتبعت نمطا منطقيا في تسمية الأشياء بمسمياتها طبقا لقياسات عقل الإنسان ضمن مفهوم كون الإنسان ناطق معرفي له أعتباراته القياسية التي لا يمكن أن ينفك عنها، وهي بالمناسبة قريبة في الفهم إلى بعض تفاصيل المدرسة الفطرية لكنها لا تنفي التوقف وإن كانت حبست مفهوم التطور بالقياس فقط، فلو كان الإنسان قياسيا بهذا المقدار لما تعددت اللغة وتنوعت وكنا أمام لغة قياسية واحدة على الأقل، وأن قصة اللغة بأكملها إنما هي اجتهاد للإنسان فهو من سمى المسميات وفقا لاستخداماتها أو وظيفتها أو انطباعه عنها.
أما الأفلاطونية الوضعية التي تنفي القياسية وتشير في موضوع ولادة اللغة إلى البيئة والفطرة والتفاعل ما بينهما، فهي تمنح تفسيرا أكبر وتعليلا أوسع في فهم الولادة والنشأة، أعتمدت هذه المدرسة منهج أفلاطون وتولى زعامتها كراتيس، وتُرجع هذه المدرسة نشأة اللغة إلى الفطرة الإنسانية أي أن الأسماء انبثقت في ذهن الإنسان بشكل فطري تفاعلي وإنعكاسي للذات البشرية التي تفسر وتحاول أن تفهم ما يدور حولها وتعليل ذلك بردة فعل ما أو بتصرف حسي أو عقلي يتراكم مع الزمن وعمق التجربة، فهو حين رأى شيئا ما أخبرته غريزته أن ذلك الشيء يدعى كذا أو أن دلالته كذا فيعبر عنها فطريا بما يتوافق مع معطى حاضر أو مبتكر.
تعددت الأجتهادات الفكرية والمعرفية التي تفسر والتي تشرح ماهية اللغة ومن أين بدأت خاصة مع وجود أفكار أخرى تبنت مفهوم السبق والأصالة التي تعني أن الإنسان ولد وفي فمه لغة وعلى لسانه مفردات محددة مسبقا، وأقصد بها النظرية الدينية بعمومها التي تحكي أن الإنسان وقبل أن يكون كائنا أرضيا كان يتكلم ويعرف الأسماء والمسميات لأنه مبرمج أصلا أن يكون لغويا، وقد لقيت هذه النظرية رواجا واسعا بين العلماء اليهود والمسيحيين والمسلمين أستنادا لإيمانهم الديني بأن الله هو من علم الإنسان، وبذلك ينفون بشرية اللغة وتكونها الطبيعي التطوري مع الزمن والحاجة، فهم قياسيون بهذا الحال، حيث جاء في التوراة "والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول، وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له آدم، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة وطيور السماء ودواب الحقل، في الإنجيل ذكر أن "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ"، أما في الإسلام المحمدي فقد ورد في القرآن (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (سورة البقرة آية 31).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سماء صفراء تغطي عدة دول عربية... والعواصف الرملية تتسبب بحال


.. الانتخابات اللبنانية: من الخاسر ومن الرابح؟ • فرانس 24


.. ماريوبول باتت على وشك السقوط بالكامل.. فهل السيطرة عليها قد




.. بعد الانتخابات البرلمانية.. لبنان أمام مشهد سياسي جديد مختلف


.. أحمد العبود: الولايات المتحدة هي التي تدير المشهد داخل ليبيا