الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الواقع بأذهاننا

عثمان بوتات

2022 / 1 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أًلعلّة الأولى بين الأسطورة وفلاسفة الطبيعة

من أهم المواضيع الجدلية التي انشغل بها الفلاسفة عبر التاريخ هي تلك التي تميز بين الرؤية العقلانية-التأملية من جهة، والرؤية الحسية-التجريبية من جهة أخرى، وتفضّل إحداهما على الأخرى في سياقٍ إبستمولوجي. تلتقي الرؤيتين في إشكال وحيد ومتشعب متعلق ب" معرفة حقيقة الأشياء؟ "، وتفترق في طرحها الخاص. وما لاشك فيه، أن لكل طرح مرجعه الفكري المضبوط والممتد عبر سياق تاريخي طويل، ما سنراه قبل أن نخوض الجدلية بشكل مباشر. الآن سننطلق من سياق أنطولوجي عام ونتعرف بشكل سطحي على أهم تصورات فلاسفة الإغريق حول أصل الوجود.

سنبدأ رحلتنا مع فلاسفة الطبيعة -قبل سقراط- بصفتهم أول من بدأ فعل التفلسف، وأول من قدم وصفاً أنطولوجياً لماهية وأصل الوجود؛ " الواحد بدل المتعدد "، وبهذا فالفلاسفة الطبيعيين قد واجهوا الفكر الأسطوري السائد آنذاك ( الميتوس ) بفكرة أن للوجود أصل واحد ( اللوغوس ).

يعد طاليس من أول الرافضين، إذ لم يكن أولهم، لتصور الأسطورة للوجود. وقد اعتبر في المقابل الماء أصل كل الأشياء، ويقول في هذا الشأن؛ أن الماء هو المكون الأساسي التي انبثقت منه الأشياء، فمن جموده يتكون التراب ومن انحلاله الهواء.

بعد طاليس.. يقدم تلميذه أناكسيماندر مفهوم جديد في هذا الشأن، يسمى الأبيرون ( Apeiron ) أو اللامتناهي، ويعتبر أناكسيماندر هذا الأخير هو أصل كل الموجودات، باعتباره مادة غير معينة ولا محدودة كماً وكيفاً.

رغم التصورات السابق ذكرها وأمثالها بنفس القيمة، إلّا أنه لم يتم التعمق بمفهوم الأنطولوجيا إلّأ فيما بعد مع الفيلسوفين المعاصرين لبعضهم القادمين:

هرقليطس صاحب فكرة أن النار أًصل الوجود، قد اشتهر من جانب أخر برؤيته الجدلية والتي دافع عنها طيلة حياته؛ سميت بالتغير الحتمي أو وحدة التضاد. لقد ميز هرقليطس بهذه الرؤية بين العقل والحواس، واعتبره الوسيلة الوحيدة لاٍدراك القانون الثابت للطبيعة والكون، سماه ال " اللوغوس ". وباعتبار العقل جزء لا يتجزأ من العقل الاٍلهي " اللوغوس "، فهو يرى أن من الضروري الاٍتحاد معه لبلوغ حقيقة وأصل الوجود.

وأما باريمندس فقد كان أكثر تعمق في تصوراته ذات البعد الميتافيزيقي-الأنطولوجي والمتعلقة بأصل الوجود. باريمندس قد تجاوز في طرحه تلك العلل المادية التي قدم سابقيه؛ على أن هناك انبثاق مادي للوجود وبداية، وبدل ذلك قدم تصور خاص سمي ب" وحدة الوجود ".
تقتضي رؤية وحدة الوجود على أن الوجود واحد، ثابت، ليس له بداية ولا نهاية.. هو موجود، وما هو موجود لا يمكن إلّا أن يوجد، وأما اللاوجود ( العدم ) فهو ليس موجود ولا يمكن إدراكه. وهي رؤية عقلانية محضة تبلغ بالعقل وبالتأمل، ومعرفة يقينية برأي باريمندس، بينما المعرفة الطبيعية فهي ظنية، حسية، وخادعة. وبهذا فباريمندس يفصل في سياق إبستمولوجي بين المعرفة العقلية الثابتة من جهة، والظنية الحسية من جهة أخرى.

على نقيض فكرة الثبات، يعتبر هرقليطس أن الأشياء في الطبيعة دائما في تغيير وتحوّل إلى ضدها. وتكون بهذا فكرة التغيير مرتبطة مع التضاد بالضرورة، كما تتحول الزهرة في الطبيعة من حيّة إلى الذبول، ثم الموت ( تحول الزهرة الحية يؤدي إلى موتها، وبالتالي نقيض ما كانت عليه ). بالرغم من هذا فهرقليطس يؤكد بجانب باريمندس على وجود شيئ ما ثابت لا يتغير، وإدراك هذا الشيء، أي معرفة حقيقته، يتم بالعقل. ومنه فهو يعتبر أن المعرفة التي تُدرك بالحواس هي معرفة ناقصة ونسبية، لكن ما تدرك بالعقل منها هي الثابتة.

مقاربة إغريقية لجدلية العقلاني والحسي

انعطف فيما بعد مركز التفكير إبستيمولوجياً، وبدأ السؤال عن وسيلة المعرفة؟
ذهب رائد السوفسطائيون بروتاغوراس فيما بعد ( الحقبة السقراطية ) على أن المعرفة التي تنقل لنا الحواس هي المعرفة الأحق، حيث يقول أنّ " الإنسان مقياس الأشياء جميعًا ". ويقصد بقوله هذا؛ أنّ الحواس هي المعيار الوحيد لتحديد ما يوجد وما لا يوجد، وبها فقط تكوّن لدينا صورة للأشياء.

يذهب الفكر السوفسطائي في نفس تيار هرقليطس فيما يتعلق بتحوّل الأشياء داخل الطبيعة، و أبعد من ذلك حينما يطبق هذه الرؤية ( النسبية ) على الإنسان. وبهذا فالسوفسطائيون يوجهون فلسفتهم نحو الإنسان بدل الطبيعة وما فوقها. لنحاول فهم ما جاؤوا به.

باعتبار أن الإنسان الفرد من يحدد حقيقة الأشياء، سنجد أن الأشياء المتناقضة متساوية القيمة لدى كل فرد في مجتمع وزمن مختلف. وتصبح بذلك حقيقة الأشياء نسبية تتوقف على الفرد في بيئته وزمنه، ومن ثم فلا وجود لمعرفة ثابتة.معنى ذلك؛ أنك قد تجد شيئًا جميل عند أحد وقبيح عند الآخر في الوقت ذاته -أو في وقت آخر-، ويصبح هذا الشيء جميل وقبيح، أخلاقي وغير أخلاقي، عادل وظالم... أي ليس له قيمة أو حقيقة ثابتة، بل تتغير قيمته باستمرار. وأبعد من ذلك، فقد تجد هذا الشيء الجميل بالنسبة لشخص ما يتحول لنقيضه ( قبيح ) لدى نفس الشخص.

فلسفة السوفسطائيون قد تعرضت للنقد من قِبل سقراط وتلميذه أفلاطون، باعتبارها فلسفة لا تهدف لشيء في سياقها سوى السفسطة ( السفسطة هي حيل لغوية وحوارية تنسب للسوفسطائيون نفسهم ). وأفلاطون كان أكثر من عارض السوفسطائيون في رؤيتهم، ولاسيما في طريقة حوارهم؛ إذ يعتبرها رؤية بعيدة عن الحقيقة وغايتها المتسمة بالفردية المحضة غاية هدم وتضليل لا أكثر.

يؤكد أفلاطون في المقابل، على أن كل ما هو محسوس ماديًا قابل للتحول وخاضع لتأتير الزمن، وآجلاً أم عاجلاً سيزول. ومن هذا المنطلق يميز بين عالم المحسوس ( المادي ) وعالم الأفكار ( عالم المثل )، ومن تمّ يستنبط نظريته عن المحاكاة ( Imitation ).
يقصد أفلاطون بالمحاكاة، عامةً، أن ما نعيشه ونستشعره بحواسنا في هذا العالم ما هو اٍلّا محاكاة أو تجسيد لما هو موجود في عالم المثل -عالم الأفكار-، ويقسِّم بهذا الوجود وحقيقته لثلاث عوالم مختلفة الدرجات:
1-عالم المثل، حيث توجد الحقائق المطلقة والأزلية.
2-عالم الحس، وهو الواقع الذي نعيشه.
3-عالم الفن، وهو العالم الذي يحاكي فيه الفنان عالم الحس اٍلى لوحة فنية، شعر، أغنية، الخ...

وتربط بين هذه العوالم الثلاث علاقة محاكاة وتقليد. فمثلاً، عندما نرى قط في عالمنا المحسوس (2) فهو سبق ووجد في عالم المثل (1) كفكرة، وبالتالي فنحن لا نرى اٍلّا صورة محاكية لهذا القط. وإذا قام النحات بنحت أو الرسام برسم نفس القط في عالم الفن (3) فهو بدوره يقوم بمحاكاة صورة هي أصلاً محاكاة من عالم المثل، وكلما ابتعدنا عن عالم المثل كلما نبتعد عن الحقيقة.

لنتعمق أكثر في العلاقة بين عالميّ المثل والحس.. لنبقى في مثال القط الموجود في عالمنا، ونتساءل: لماذا كل القطط متشابهة؟ ما الذي يجعلنا نقول أنّ هذا القط قط؟ لابد من أن يكون هناك شيئاً مشترك بين كل القطط، ما يجعلنا متأكدين أنه قط وليس عصفور مثلاً؟ وحتى لو مات هذا القط المعني في عالمنا، فهل يعني ذلك أن فكرة القط ستموت كذلك؟ لا بالطبع. وهذا ما يقصد أفلاطون حينما يقول أن فكرة الشيء توجد سابقًا في عالم مثالي ( ميتافيزيقي )، وما نراه في عالمنا هذا ما هو اٍلّا انعكاس لما يوجد فيه، حيث يكون هذا القط مجرد حقيقة من الدرجة التانية، ناقصة، وخاضعة للتغيير والزوال والموت، وبعيدة عن الحقيقة الأولى الثابتة.

ومن ثم فأفلاطون يدحض الرؤية التي تقول بأن الحقيقة تدرك بالحواس. ويؤكد في المقابل على أن العقل هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ حقيقة الأشياء الكونية والثابتة.

قدم أفلاطون مثالاً موضحاً فيه رؤيته المتعلقة بتنائية الحقيقة والوهم؛ " أسطورة الكهف " ( Platos Cave ). في هذه الأسطورة توضح لنا الصورة التي كان يعني أفلاطون بعالم المثل، والفرق بين الحقيقة والوهم.


كهف أفلاطون

تحكي الأسطورة أن جماعة من الناس قد أمضوا كل حياتهم في كهف، بحيث يكونوا مكبلين من جميع الجهات بأغلال، ومتجهين نحو جدار. هذا الجدار الموجود أمامهم يُعكس به ظلال لمجموعة من الأشياء بالخارج ورائهم ( من طبيعة، وكائنات، الخ... ). هذه الظلال التي يرون هي كل ما رأوا وتحدثوا عنها طيلة حياتهم.. لاحقاً سيتحرر أحد المساجين من الأغلال، وسيقوم بالخروج من الكهف.. سيتفاجئ هذا السجين السابق بالواقع الذي أمامه، وينصدم.. لكنه سيتأقلم مع مرور الوقت. وعند هذا الحد سيستوعب أن ما كان يظنه حقيقة، ما هو إلّا انعكاس للحقيقة والعالم الخارجي. بعد هذا سيعود لرفقائه الذين لا زالوا قابعين بالكهف، ويدعوهم لاستكشاف العالم الحقيقة وترك أوهامهم؛ إلّا أنهم سيواجهونه بالسخرية والرفض، وفي مرحلة أبعد سيعتبرونه مصدر خطر، ويريدون إزالته.

بجانب أن أسطورة أفلاطون هذه كانت ذات بعد إبستيمولوجي في الجوهر، موضحةً رؤيته حول المحاكاة؛ إلّا أنها كانت تنتقد بطياتها النظام الأثيني السائد آنذاك، والذي واجه أستاذه سقراط بالإعدام إثر أفكاره التي تناقض الفكر الأسطوري عن الوجود. ما أراد أفلاطون الإشارة له بهذه المقاربة؛ أن رحلة الفيلسوف تقتضي أن يتحرر من الأفكار الجاهزة، والبحث عن الحقيقة بنفسه. وهذا ما ليس بالسهل، فرحلة الفيلسوف تشترط التأقلم مع الحقيقة، وتحمل مهاجمة وسخرية العامة. فهل إذن بإمكان أي شخص الخوض في هذه الرحلة؟ هل يقدر أي شخص على الخروج من العالم الوهمي، المحسوس، والمتغير، ومواجهة الحقيقة؟ أم لا يقوى على ذلك، ويفضل القبوع بالكهف؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما الأوضاع في إدلب السورية والمناطق المحيطة بها بعد الزلزال


.. الكارثة في تركيا التي خلفها الزلزال أكبر مما هو متوقع وما هو




.. بداية تنازلات الحكومة الفرنسية في مشروع إصلاح نظام التقاعد؟


.. الجمعية الوطنية الفرنسية تناقش مشروع إصلاح نظام التقاعد وسط




.. في شمال غرب سوريا.. الزلزال المدمر يضاعف معاناة السكان ويعقد