الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


آلهة البدو : الجزء الثاني 3 من 5

اسماعيل شاكر الرفاعي

2022 / 3 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الامة الدينية والامة الحديثة
3 -
الامة الدينية هي مجموع الافراد المؤمنين بما جاء به رسلهم من معارف ، ولا يدخل في عدادها : كل من كذب هذه المعارف وكفر بها ، حتى لو كانوا من نفس الجذر القومي ومن العشيرة نفسها ( قرأنا في سورة المسد هجاء لابي لهب عم النبي ، ولزوجته حمالة الحطب في بواكير الاسلام الاولى ) .
الامة الحديثة تجاوزت في تعريفها لذاتها هذا المفهوم الديني - الملي ، وشملت بالانتماء اليها جميع الناطقين بلغة الامة ، ويشتركون بالانتماء الى تاريخ الامة والى ارض الامة وثقافتها ( وزاد عليها المتشددون قومياً الاشتراك بجذر قومي واحد ) : واضعة قاعدة أساسية من قواعد الدول الحديثة المتمثلة بتساوي أفرادها امام القانون ، هذا التساوي الذي عجل بولادة اعظم مفهوم أنتجه التاريخ السياسي الاوربي ؛ مفهوم المواطنة . فالأمة الحديثة لا يقتصر وجودها على الافراد المؤمنين بأطروحات عصر التنوير : عصر حقوق الانسان ، بل شملت بالانتماء اليها حتى غير المؤمنين بمفاهيم عصر التنوير عن : الدولة والانسان : نتيجة إقرار الامة الحديثة : لمبدأ الحريات : حرية الضمير وحرية الاعتقاد والتعبير والتجمع .
تشد أعضاء الامم الدينية الى بعضهم عصبية الاعتقاد بعالم الغيب ، وعصبية التمسك بالشرائع التي جلبها لهم انبياؤهم من عالم الغيب : تنظم هذه الشرائع كل شئ في حياتهم : معاملاتهم وعباداتهم ، وعلاقتهم بسلطة النبي او الخليفة الذي يقودهم ، كما تنظم علاقتهم بالأقوام والقبائل في محيطهم وبالدول المجاورة لهم . وهذه الهيمنة للشريعة على كل نشاط يزاوله الناس في الحياة : لا تسمح للامة الدينية بالتشريع لحياتها .
ويعد التشريع للذات واحداً من المعارك التاريخية الكبرى الممتدة منذ اربعة قرون ، وقد حسمتها اوربا لصالح الحداثة الفكرية والسياسية على مستوى بناء دولة المؤسسات ومستوى الحقوق والحريات ، عندما قررت : ان الشعب مصدر السلطات وليس الدين ورفعت عن الدولة ما يشير الى ديانتها .
في البلدان الاسلامية يعد التشريع للذات بعيداً عما هو مقرر سلفاً في الشريعة : عصياناً صريحاً لمشيئة الرب ، ويفسر المسلمون هزائمهم في حروبهم الخارجية بانها عقاب آلهي على ابتعادهم عن تطبيق الشريعة وانفتاحهم على التشريع البشري ، وان استمرار مقاتلو الحروب الأهلية في العراق واليمن وسوريا وليبيا ، بعد 2011 : بقتل بعضهم البعض ، هو ناتج من نتائج ايمان المقاتلين بأن قتل الآخر المختلف طائفياً ضروري لاستعادة سيادة الله على البشر الذين ابتعدوا عن سيادته عليهم بابتعادهم عن تطبيق شريعته التي بعثها اليهم مع النبي محمد ، مع ان القتل من اجل الوصول الى السلطة : هو واحد من المفاهيم الثابتة في ( علم ) السياسة الاسلامي لا جدال فيه ، وهو دليل مادي ملموس على ان الامة الاسلامية لم تبلغ سن الرشد بعد كما بلغته الكثير من الامم - بعد الثورة الصناعية - التي اختارت صندوق الانتخابات حكماً في الوصول الى السلطة وتخلت عن السيف .
تنوء الامة الدينية تحت ثقل سلطان موروثها الذي قيد حركتها وتفكيرها ، وجعلها تعيش حالة من الخوف الدائم خشية ان لا تجئ قراراتها منسجمة مع الشريعة ومشتقة منها ، فتشعر بالإثم . ويتولد الشعور بالإثم حين لا يجد الفقيه قرينة في نصوص دينه المؤسسة كالقرآن واحاديث النبي : لما يواجهه في الحاضر من ظواهر جديدة ، فهو لا يستطيع مثلاً ان يقيس وسائل النقل الحديثة ( وهي صناعة بشرية ) بوسائط النقل الحيوانية كالبعران والحمير ( وهي صناعة آلهية ) التي لم يوجد سواها في عصر النبوة ، كما لا يمكن له ان يقيس العالم الإلكتروني الافتراضي ( البشري ) بما منحته الطبيعة ( وهي من مخلوقات الله ) لجغرافية يثرب التي كانت الحياة تجري فيها وفق الموروث والعرف الخالي تماماً من إشراف العلم وتنظيمه لحياة الناس اليومية ، ومن ضمنها انعدام توفر أي شرط من الشروط الصحية ( لم يتوصل بدو المدينة في عصر النبي محمد الى تضمين خارطة بيوتهم مرافق صحية ، ولم يساعدهم المهاجرون المكيون على هذا الكشف ، مما يعني ان المهاجرين المكيين لم يكونوا على مستوى حضاري ارفع من اهالي يثرب - المدينة ، رغم اتصالهم بحضارتي فارس وبيزنطة عن طريق التجارة ، وكان عمر بن الخطاب يشرف على خروج النساء مساء لقضاء حاجاتهن ، ولردع من يتحرش بهن .. دراسات المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي هامة لهذه الفترة من تاريخ الدعوة المحمدية ، خاصة للفترة المحصورة بين هزيمة معركة أحد والخندق ) والخشية والخوف من الآثم ، تجعل من التردد وعدم الحسم في اتخاذ القرار : سمة ثابتة من سمات الامة التي يتحكم الدين في قراراتها في عصرنا الحديث . وقد برز هذا الخوف والتردد بعد اتصال الحضارة الصناعية المباشر بنا بعد غزو نابليون لمصر عام 1798 ، ونظرة فقهاء الأزهر نظرة شك وريبة الى منتجاتها ( كالتلغراف والحاكي القديم " الفونوغراف " والراديو والتلفزيون ، وحتى حنفية الماء في قصة مشهورة من عهد محمد علي باشا والي مصر في القرن التاسع عشر ، ) ولم ينظروا اليها نظرة إيجابية ويبيحوا استعمالها الا بعد حين . انه من الإجحاف بحق هذه الامم اذا طرحنا بوجهها سؤال الماذا : لماذا ايتها الامة الدينية المقدسة تأخرت قروناً عن النهوض من سباتك الطويل فسبقك الأوربيون ، اما فكرت بان السبب يكمن في تغييرهم للمنهج الذي كانوا يعتمدونه في البحث عن الحلول للتحديات التي تواجههم : من الاعتماد على الغيب ومحاولة استجلاب عطفه لمساعدتهم في حل مشاكلهم -عبر الدعاء والتضرع والنذور - الى الاعتماد على الذات عبر استخدام منهج البحث العلمي في تطوير الاقتصاد وامتلاك القوة . ايتها الامة الاسلامية المقدسة : لا يمكن لك ان تحددي نوع المشاكل التي تواجهينها ثم تضعين الحلول الناجعة لها ، وانت ترتجفين خوفاً من اتخاذ قرار المبادرة ، لقد بادر الأوربيون ولم يبالوا باحكام الماضي التي نظروا اليها على انها مجرد قيود تحدرت اليهم من الحضارات الزراعية والرعوية والبطريركية : تحرروا من سطوته ، ومنحوا حرية عريضة لمبادرات علمائهم وشبابهم وخيالهم وسعادتهم ، وحرية أعرض لتحرير اجسادهم من عبوديتها لأحكام الماضي ، واعادة امتلاكها من قبل كل فرد من افراد الامة . فبعد الثورة الصناعية 1750 لا يمكن الوصول لحلول ناجعة لأي نوع من انواع التحديات التي تواجهها الامم : اذا لم يكن علمياً ومستلاً من منهج الثورة الصناعية .
فارقت امم اوربا خوفها وقلقها وترددها حين اختارت بعد الثورة الفرنسية 1789 التأسيس لذواتها كأمم حديثة : بالتشريع لحياتها باستقلال عن لاهوت مسيحية القرون الوسطى ، لكن الامة الاسلامية ظلت مستمرة الى اليوم ، تعيش على نفس الوصايا الدينية كما كانت تعيش عليها قبل 1400 سنة ، يجدد لها الخطباء هذه المعارف الدينية ، ويذكرونها بها كل أسبوع : وفي هذا التثقيف الجماعي الأسبوعي تتراجع قوانين الدولة ويتلاشى وجودها في وعي المسلمين العام ، لان خطيب الجمعة معني بمناقشة قوانين شريعته ، وليس قوانين الدولة ، وهو يتحدث عن الشريعة بطريقة المنذر بالمصير الأسود الذي سيلاقيه يوم القيامة كل من لا يلتزم بها . نحن هنا نواجه يومياً وكل أسبوع نشاطاً دعوياً منظماً يعرف أهدافه : يبدأ بالهجوم على قوانين الدولة ( طبعاً على الحديثة منها تلك التي تريد استرجاع كرامة الانسان وحقه في العيش كإنسان ) وإحلال قانون الشريعة محله ، للوصول الى قمع تكون وعي يلح على ضرورة وجود أمة حديثة في وعي الناس . ومن يلاحظ الشعارات المرفوعة من قبل المحتجين والمتظاهرين : يكتشف التأثير الكبير لهذا النشاط الديني في عدم حضور المعنى الحديث للامة في الشعارات المرفوعة ، فحتى في انتفاضة العراقيين العظيمة في تشرين 2019 ، كان شعار الدولة المدنية : غامض وغير محدد، وهو تهرب من رفع شعارات الدولة الحديثة : المتمثلة بالعلمانية والمواطنة وحقوق الانسان . كما ان شعارهم عن استعادة الدولة اكثر غموضاً لانه يوحي وكأن دولة حديثة كانت قد تكونت في العراق ثم اختطفتها سلطات الدولة التي تكونت عقب السقوط والاحتلال عام 2003 . في حين ان سلطات الدولة في العراق قبل 2003 ، كما هي اليوم : عشائرية وطائفية وعنصرية .
لم يتحدث خطيب صلاة الجمعة عن دولة فيها قانون حديث يجب ان يعاقب من ينتهكه ( والعجيب ان الكثير من البث الحي لخطابات مثقفينا عبر الفيديوهات : تتهرب من التركيز على الدور المركزي لقانون الدولة في التنمية المستدامة للمجتمعات المتخلفة ، وتتهيب من توجيه النقد لمنهج خطيب الجمعة ، ولا تنتقد قصور الشريعة في مسألة استخدامها لمفهوم الذمي ، ومناداة انصارها بتطبيق الجزية ، اضافة الى نظرتها المهينة للمرأة ، وفلسفتها اللاإنسانية في توزيع الإرث ) كما لو كان خطيب الجمعة يتحدث عن دولة اخرى في كوكب آخر لها قانونها الخاص الذي يقوم على حلال وحرام الشريعة : وفي هذا يحط متعمداً من قانون الدولة ( البشري ) ويعلي من شأن قوانين الشريعة الآلهية ( المقدسة ) . فيؤثر هذا النشاط الدعوي تأثيراً سلبياً على تكوين وعي سليم عن مفهوم : المواطنة الذي لا تتكون دولة حديثة على وجه الارض من دون حضوره الفاعل في الوعي والممارسة اليومية لمؤسسات الدولة ولمجتمعها . وهكذا ظل وعي الناس السياسي : وعياً ملياً طائفياً ، هزته انظمة مجالس القيادات العسكرية في مصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا ، ولم تستطع اجتثاثه ، اذ استطاعت هذه الانظمة بما اقدمت عليه من انجازات ثورية في الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم وقرارات وطنية وسيادية اخرى ، ان تأخذ القسم الاعظم من الشعب الى جوارها ، ولكنها فشلت في ان تديم العلاقة معه وتكسبه بشكل دائم ، بتحويل مشاعره واحاسيسه السياسية صوب التأسيس لولاء وطني عبر ادارة الصراعات المجتمعية سلمياً عن طريق الآليات الديمقراطية .
تداخل السياسي بالديني في وعي الجماهير العام : وتداخل الوعي الطائفي بالوعي الوطني ، يحرم الشعوب العربية من تكوين وعي وطني مستقبلي مستقل عن مفاهيم الخطاب السياسي المجلوب لها من خارج تجاربها الواقعية ، ويجعلها مجرد وجود يتكرر حضوره في الشعارات وفي الأغاني وخطب المناسبات والاناشيد الحماسية ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل حدد الإسلام نظاما واضحا للحكم أم أن فكرة الخلافة هي اجتها


.. نحت وجوه 108 نيجيريات اختطفن قبل 8 سنوات على يد مسلحي -بوكو




.. البابا فرانسيس يشبه معاناة الأوكرانيين بعملية نازية خلال الح


.. موازين - مفهوم الدولة في الإسلام مع المفكر أبو يعرب المرزوقي




.. الثقافة الهيلنستية التي غيرت العالم - الدكتور خزعل الماجدي