الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


آلهة البدو / الجزءالثاني / 5من 5

اسماعيل شاكر الرفاعي

2022 / 3 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مفهوم كبير الآلهة

في الأزمنة البعيدة ، لم تكن السياسة مستقلة عن الدين بأهداف منفصلة خاصة بها . كان الطموح السياسي لكل دولة - مدينة يتمثل في مد نفوذها لأبعد من حدودها الزراعية والسياسية ، والسيطرة على باقي دويلات / المدن ، وتكوين شكل آخر للدولة يمتد على مساحة جغرافية مترامية الأطراف متنوعة التضاريس : جبال وسهول وصحاري ووديان وبحار ، بعد ان كانت مساحتها تمتد على مساحة سهل زراعي لا اكثر ، كما كان حال دويلات المدن السومرية في بلاد ما بين النهرين ، ودويلات المدن اليونانية لاحقاً . وكان الغطاء الآيدلوجي لهذا الطموح السياسي يتمثل بمفهوم : كبير الآلهة القادر على كل شئ : على الخلق ، ومنح الخصوبة للأرض المزروعة ، وما يتفرع عن هاتين الصفتين من صفات الخير والجمال والعدل والرزق الوفير ، وكبح الفيضان ودرء مساوئه ، ومنح النسيم العذب ، وانزال المطر في موسمه وتنظيم جريان المياه بإقامة السدود وشبكات الري . وهكذا تمت صياغة كبير الآلهة بهذه الصفات النفعية وتسويقه في سوق المنافسة السياسية في الشرق الاوسط : تمهيداً لنفوس سكنة المدن الاخرى للقبول به كبيراً لآلهتهم ، وتهيئتهم سياسياً لتقبل فكرة : الدولة الكبيرة التي تضم العديد من دول - المدن في اهابها .
كبير الآلهة { آمون رع في الحضارة المصرية القديمة ، أنو كبير آلهة السومريين ، مردوخ عند البابليين ، وآشور كبير آلهة الآشوريين ، وبعل في بلاد الشام ، واهورا مزدا عند الزرادشتيين والاخمينيين ، زيوس في الحضارة الإغريقية ، جوبيتير عند الرومان ) تقليد ديني شرق أوسطي ، يشير وجوده الى أسبقية وجود دولة - المدينة على أشكال الدول الاخرى ، وانه كان الغطاء الآيدلوجي الذي استعمله : الكهنة - الملوك في التأسيس لأشكال جديدة من الدول التي تضم مدناً كثيرة ( اي مع مفهوم كبير الآلهة ولدت الامبراطوريات ) فمثلاً زحف جيش مدينة : كيش الى جميع المدن السومرية وضمها ، فأصبحت الدولة تضم عدة مدن . في هذا التقليد الديني والجيوسياسي يكون كبير الآلهة هو الاقوى في مجمع الآلهة ( والمجمع وجد لدى جميع الحضارات القديمة قبل ان ترفع الأديان السامية الثلاثة شعارها عن وحدانية الله وقتل المشركين وكل من لا يؤمن بهذه الوحدانية ) اذ كان الكهنة ينسبون كل ظاهرة طبيعية لإله في مجمع الآلهة ، فيقولون : هذا اله الرياح وذاك اله الأمطار واله الخصب والجمال والحرب .. وهكذا ، وهكذا ، ولكن جميع ظواهر الكون تنقاد بسهولة لكبير الآلهة لانه خالق كل شئ ، ومانح النظام والانسجام للطبيعة والكون : كما تقول ملاحم الخلق السومرية والبابلية وملاحم اخرى صينية وهندية ويونانية ، ودائماً يخوض كبير الآلهة الصراع مع قوى الشر ، ما عدا الفارسية التي ركزت على صراع النور والظلمة . والفكرة الأخلاقية ولدت في الشرق الاوسط مع ولادة فكرة كبير الآلهة والحرب من اجل الامبراطوريات : وليست الفكرة الأخلاقية مقصورة على الحضارة المصرية القديمة كما يرى برست في كتابه : فجر الضمير . اذ ان الآخرة والحساب والإله العادل متضمنة جميعاً في فكرة : كبير الآلهة ألذي يوزع عدالته على الارض قبل يوم الحساب الآخروي ووسيلته الى ذلك : الحرب التي يتوجه بها دائماً ضد : الشر فيوقع به الهزيمة ، وفكرة الهزيمة في الحرب مغلفة بغلاف اخلاقي كعقوبة آلهية ، والنصر في الحرب يكون دائماً مكافأة لقوى الخير . وبمرور السنين تداخلت فكرة العقوبة السماوية ( عقوبة كبير الآلهة ) بالفكرة الأخلاقية ، فاقترنت نتيجة الحروب في وعي شعوب منطقة الشرق الاوسط : بما كان قد قرره كبير الآلهة ، وليس بما ارادت اطراف الصراع لها ان تكون ، حتى وان كان احد اقطاب الصراع قد امتلك خططاً تعبوية جديدة مبنية على ادخال أسلحة جديدة ومهارات قتالية جديدة ، كما ان الكوارث والأوبئة ارتبطت منذ القدم في وعي شعوب المنطقة بانها نتيجة طبيعية لما تقترفه تلك الشعوب من آثام . كانت جميع الامبراطوريات التي قامت في المنطقة ذات آيدلوجية دينية تنطلق من تصدير مفهوم كبير الآلهة الى دول - المدن المجاورة وتكوين امبراطوريات مترامية الأطراف . وقد ورث بدو الجزيرة العربية هذه الآيدولوجية الدينية في مرحلة متأخرة ، وأسسوا إمبراطوريتهم الاسلامية في ضوء منها : لقد اصبح الله هو كبير الآلهة ، ولم يكن كذلك قبل ( حروب دولة الرسول *) لقد فرض الله عبادته على قبائل اخرى ، وأزاح طقوس عبادة آلهتها ، ولم يتم ذلك من غير حروب ، ومن غير هزيمة ونصر . وقد تعزز هذا المنهج في تكوين الامبراطوريات الاسلامية بعد حروب " الردة " ، وبعد مقتل عثمان وانفجار القتال العنيف الذي جرى بين صحابة النبي في " الفتنة الكبرى " ، فنبذ الفقهاء مفهوم " الشورى " ، واستبدلوه بمفهوم : التغلب ، ومنح شرعية الحكم للشخص الذي ينتصر في الحرب الأهلية الداخلية للمسلمين . وهكذا منح الفقهاء لمعاوية بن ابي سفيان شرعية الحكم لتغلبه في الحرب ، وكذلك اسبغوا الشرعية على قراره حين جعل الخلافة وراثية . وقد استمر هذا المنهج حاضراً في تكوين دول الاسلامية الى يومنا هذا ، وهذا يشير الى ان شعوب منطقة الشرق الاوسط لم تستطع كسر نزوع السياسة الى استغلال الدين : وظلت تعتاش فكرياً على خليط من افكار زراعية ورعوية بدوية . هذا الخليط الفكري لا يمكن كسره الا بدخول شعوب المنطقة : بوابة الحضارة الصناعية بغطاء فكري جديد غير ديني ، أي من غير مفهوم : كبير الآلهة ، ولا بد وان تكون طريقة ولوج بوابة الحضارة الصناعية قريبة الشبه من الكيفية التي ولجت بها الشعوب الاوربية بوابة هذه الحضارة : اذ قاموا باستبدال رؤية " كبير الآلهة " و " صحيح الدين " في بناء دولهم الحديثة : برؤية سياسية تقوم على نقد هذه الافكار ، بل ونقد عموم الموروث ، وكل ما يقيد حرية الانسان . فيما ظل قيام الدول وسقوطها في الشرق الاوسط : مستمراً بالانطلاق من مفهوم : كبير الآلهة ، وما زال وكلاء كبير الآلهة يلعبون الدور الرئيسي في التحشيد العسكري ، وتأسيس الجيوش ، كما هو واضح من تأسيس المملكة العربية السعودية ، والجمهورية الاسلامية في ايران بعد ثورة 1979 .

انتهى الجزء الثاني من مقال : آلهة البدو ، ويليه الجزء الثالث .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد 12 عاما على اكتشاف رسائلها... تدشين لوحة تذكارية تكريما


.. زيلينسكي في سلفيانسك وروسيا تتعهد بتحرير دونباس | #رادار




.. عامل -دليفري- عراقي يبكي بعدما سُرقت دراجته عقب دخوله المسجد


.. بعد أن اصطحبه صديقه إلى المسجد مشجع أرجنتيني يعلن إسلامه في




.. مختلف عليه - هل ممارسة الطقوس الدينية هو من أجل إثبات الهوية