الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العلاقة بين الأنظمة الاستبدادية والدين في الوطن العربي

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 4 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يمر الوطن العربي من محيطه الى خليجه الان بفترة تاريخية أقل ما يقال عنها انها فترة الاستبداد والتخلف والتحنط العقلي والفكري، هذا الواقع البائس والميؤوس منه لم يكن منسجما لا مع الماضي العربي الإسلامي ولا حتى مع العهد الجاهلي ولا مع الحاضر وما يعرفه من تطور في العلوم والتكنولوجيا وحقوق الانسان والديمقراطية ولا مع المستقبل وتطلعات الأجيال من أجل حياة أكثر رفاهية واطمئنان.
الدول العربية القائمة الان لا هي دول دينية كما يطالب به جماعة الإسلام السياسي أو كما تنص عليه دساتيرها " الإسلام دين الدولة " وإن كان هذا المفهوم غامضا ويحتاج إلى توضيح من المعروف للجميع أن معظم القوانين وضعية وتختلف عن الشريعة رغم تنصيص الدستور على دين الدولة ، فلا أثر للدين فيها سوى في المساجد، فمن السهل أن تسمع الوعظ الآن تقريبا من الجميع بعد ان حفظوا بعض الآيات القرآنية وقليلا من الأحاديث النبوية يوظفونه حسب مصلحتهم الشخصية لا حسب مصلحة الأمة ، وأنت تعرف انحرافهم الأخلاقي أو المالي أو السلوكي، فترى جُلَّهم يمارس عليك هواية المزايدة والنفاق الديني ، لا عجب طبعا أن يتكاثر في بلادنا الدعاة والخطباء والمفتون والوعاظ والمرشدون الأخلاقيون ، فالوعاظ جعلوا من الدين مصدرًا كبيرًا للاسترزاق وسلطة في الوقت نفسه، فتجد وعاظا ومشايخ يتقاضون أموالاً بالملايين، لبيع ولائهم ومظلتهم الدينية للحكام حتى يستقر حكم الظلم والنهب تحت اسم الدين وأمثلة ذلك كثيرة للأسف. جاءت الديانات السماوية لمحاربة الظلم والاستبداد واحقاق الحق والدفاع عن المظلومين فحول هؤلاء الوعاظ الدين إلى تبرير الظلم والاستبداد.
منذ أن ظهر ما يُعرف بالإسلام السياسي ردت الأنظمة باستخدام الدين لخدمة السياسة بشكل لافت، وبدأ ذلك بالسيطرة على المساجد، ومنح منابرها للون معين ينادي بطاعة ولاة الأمر، ورفض الخروج عليهم، وصولا إلى منع انتقادهم في العلن، وانتشر هذا الخطاب، وحصل على دعم مالي وأمني رهيب، ليس على مستويات محلية، بل على مستويات إقليمية ودولية، حتى رأيناه يسيطر على مساجد في دول غربية أيضا.
وبالرغم من محاربة الأنظمة العربية، بشكل عام، للإسلام السياسي والجماعات الإسلاميّة وملاحقتها للمتطرفين وعدم تهاونها معهم، يمكننا القول وبنظرة سريعة على سياساتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة أنها، بشكل أو بآخر، شجّعت الدين وكرّست التطرف الديني بوعي وتخطيط مدروس.
يكفينا النظر إلى واقع الإعلام في الدول العربية، على سبيل المثال لا الحصر، لندرك كيف سيطرت الأنظمة العربية عليه ووجهته بما يعزّز النظرة الدينيّة التراثيّة، ويخدم مصالح النخب الحاكمة في آن معاً ومدى إحكام الرقابة على دور النشر والكتب المستوردة والصحافة، وإخضاع المؤسسات الثقافية لمؤسسات حكومية بيروقراطية لا تفهم معنى الثقافة ولا تدرك أهميتها المجتمعيّة.
وعلى الصعيد التربوي، لم يكن الوضع بأفضل مما هو عليه مما سبق، فلقد فشلت المدرسة في رسالتها المرجوّة وبدلاً من نشر الفكر النيّر والروح النقديّة ساعدت على نشر الفكر التعصّبي والقَدري وتحوّلت المدرسة، خاصةً في الأنظمة الشمولية، إلى مؤسسة تدجين وتهجين وترويض العقول لخدمة الاستبداد السياسي والديني.
فحتّى حين حاربت هذه الأنظمة العربية الإسلام السياسي وانتصرت عليه، أبقت على البيئة الملائمة لنشوئه وازدهاره وعودة أفكاره مرّة أُخرى بأسماء وهيئات جديدة مختلفة، وأبقت الأرضيّة الخصبة لاستمرار التعصب الديني والكراهية الدينية.
الحقيقة التي لا يمكن أنّ تغيب عن ذهن أحد هي أن الأنظمة العربية لم تتعامل يوماً مع شعوبها كمواطنين وإنما كرعايا، وعمدت إلى توظيف النصوص المقدسة والمقولات الدينية لتأكيد شرعيتها وترسيخ سيطرتها.
لقد كان ومازال تحالف السلطة السياسية والسلطة الدينية من أقوى آليات التحكّم والترويض للإنسان العربيّ، ففي الوقت الذي كانت تقوم مؤسسات النظام الحاكم العربي بحرمان الناس من أبسط حقوقهم السياسيّة والاقتصاديّة وحق المشاركة في اتخاذ القرارات المصيريّة، كانت مؤسساته الدينيّة تقوم بحرمان الناس من أبسط حرياتهم الاجتماعيّة والانسانيّة والفكريّة.
ولا هي دول علمانية حيث تعود إشكالية العلمانية في الوطن العربي إلى التصورات الخاطئة التي تتخذ من العلمانية شكلاً واحداً معادياً للحرية الدينية. وهي التصورات التي عززها الاستبداد، والتدين الرسمي وفساد النخب العلمانية العربية.
تستند الانطباعات والتصوّرات حول العلمانية في العالم العربي إلى ممارسات قمعية في الدول العربية، تعود جذورها إلى الاستبداد السياسي لا العلمانية.
يحتاج أيُّ نقاش عربي إلى تفكيك المسألة العلمانية من زاويتين: الأولى هي المقاربة العلمانية للحريات الدينية؛ حيث انصبّ جُلّ الالتباس والاهتمام العربي، والثانية هي علاقة العلمانية بالتشريع السياسي في دول ذات أغلبية مسلمة تؤمن أن الإسلام مصدر أساسي للتشريع. والحقيقة أن الكثير من الأدبيات في العالم العربي عجزت عن تفكيك زاوية النقاش الثانية حين انشغلت بالأولى، بما فيها جماعات الإسلام السياسي التي لم تقدّم أجوبة كاملة وواقعية في هذا السياق على الرغم من وصول بعضها للحكم.
وإن كان الاستبداد السياسي هو العلامة الأبرز في المنطقة العربية، فإن تواطؤ "الإسلام الرسمي" المدعوم والمتحكم به من قبل الدولة على توفير المبررات الدينية و"الأخلاقية" لتدعيم الاستبداد يزيد من تعميق أزمة الديمقراطية والحريات في المنطقة، ويُسيء بالضرورة إلى نزاهة الفكرة الدينية،
وكأن تاريخنا العربي الإسلامي أبى ألا ان يعيد علينا تجاربه المأساوية التي تقدس الحاكم وتركع له وما زال شعر ابن هانى الأندلسي في مدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله يردد على مسامعنا في مساجدنا وفي وسائلنا الإعلامية الرسمية الى اليوم ولا شيء تغير في الوطن العربي من قهر وذل وخضوع وقابلية للاستعمار حسب مالك بن بني:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار …. فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد …. وكأنما أنصارك الأنصار
إن أي أمة يُقال فيها كلام كهذا هي أمة مقضي عليها بالفناء، فلا غرابة أن يقال إن هذا الشعر كان نذيرًا بفناء دولة العرب في الأندلس.
لن يستقيم حالنا إلا أذا قلنا للمسؤول الأعور انه اعور في وجهه وللفاسد انه فاسد وللص انه لص وليس:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار …. فاحكم فأنت الواحد القهار.
طالما استمر المنافقون و ّ الشياتون "والمطبلون يلصقون صفات الألوهية بالمسؤول فلن تقوم لنا قائمة ولن نرتقي ونتقدم، فمن ينافق المسؤول والحاكم هو أكثر سوءا منه لأنه يزين له سوء افعاله.
ما يجعل الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لتحريرالانسان العربي من الذل والخضوع للحكام الفاسدين وتحريره من الالتباس في علاقة الدين والدولة في العقل العربي، إلى جانب دراسة فرص كون العلمانية بمعناها الماثل في حيادية الدولة واستقلال المؤسسة الدينية حلاً ناجعاً لثنائية الاستبداد الديني والسياسي في العالم العربي.
يواجه النظام السياسي العربي مشكلة تأسيس السلطة وتحديدها، خاصة ما يتعلق بإيجاد التوازن بين الحريات المدنية والسياسات الأمنية، وتيسير روابط التماهي بين الشعب ومؤسسات الدولة المرغوبة، وهي مسألة صعبة تثير قضايا حقوق المواطنة وطبيعة السلطة السياسية.
والحالة العربية مازالت بعيدة كل البعد عن مثل هذه الأطر النظرية وتجسداتها العملية. ولا يُمكن انكار ما يجري داخل أغلب الدول العربية من استقطاب طبقي اجتماعي وسياسي، بين فئات تحتكر السلطة والثروة وطبقات فقيرة مُعدمة، معزولة ومهمشة، لا يُلتفت إليها إلا في فترة الدعاية الانتخابية، واستدرار التعاطف والتذلل لضمان الأصوات. وهذا الواقع السياسي وإن كان في جزء منه نتاج تأثير سياسة العولمة والرأسمالية المتوحشة، التي تجاوزت كل الحدود التقليدية، وأنتجت بدورها استقطابا اجتماعيا وسياسيا على الصعيد العالمي، وفق منطق التدخل القسري في شؤون الدول، من خلال الأذرع المالية، والمؤسسات السياسية، والضغوط الدبلوماسية التي تلخص إرادة الهيمنة، لا يمكن مع ذلك استثناء مسؤولية الأنظمة التسلطية العربية، التي ساهمت في تكريس التخلف والتبعية، وعملت طوعا كحكومات زبائنية ترتهن بإرادة الأجنبي، ولا تخدم مصالح الدولة الوطنية، أو تهتم بمطالب الشعوب في الحياة الكريمة.
الخطاب الديمقراطي المسوّق عربيا مجرد خطاب استهلاكي ديماغوجي يُلهي الجماهير ويسيرها كالقطيع نحو الحظيرة.
وظلت أحلام التنمية وتغيير واقعهم مجرد خيال جامح يراود أذهانهم، إن المشكلات نفسها مازالت قائمة. ومع ذلك يتبعون سياسة المناورة والتسويف، ويلجأون إلى القمع والاعتقالات في بعض الأحيان، وتضاعف نسب الفقر نتيجة غياب الدولة وانعدام الرؤى والمشاريع التنموية، أخْذا في الاعتبار أن النظام الديمقراطي الذي لم يغادر أطر المتاجرة والتسويق الدعائي عربيا، بالأمس واليوم هو من أنجح الأغطية النظرية لصيانة الاستبداد السياسي، لدى نُظم الحكم في البلدان العربية، وهو المستهجن فلسفيا منذ تنظيرات أفلاطون قديما، التي اعتبرته من بين الأنظمة الخمسة الضالة والفاسدة. فهو ينشأ في رحم الاستبداد وينتهي إلى الطغيان، وما بينهما استبداد مقنن بمفاهيم وشعارات زائفة ومظللة لأغلبية لا تدرك حقيقة الطغمة التي تسيطر على مصائرها، فالديمقراطية في وجه من وجوهها لعبة الأغنياء، لتلهية الغوغاء، خاصة عندما تنشئ آليات للاستبداد والعنف «الشرعي» يصعب على الناس العاديين ادراكها في أغلب الأحيان. والنتيجة محسومة باسم «الشرعية الشعبية الموهومة» سواء باشر الشعب حقه الانتخابي أو لم يباشره.
الخطاب الديمقراطي المسوق عربيا مجرد خطاب استهلاكي ديماغوجي يُلهي الجماهير ويسيرها كالقطيع نحو الحظيرة، فالنظام الفردي الاستبدادي متجذر في الذهنية الحاكمة، وعَقَبَة الذهنية التي تنزع إلى السلطوية الشاملة هي التي تُعرقل مشروع الحياة المواطنية الحقيقية، وبالتالي ما يُدْعى أنه «ديمقراطية» في البلاد العربية كلها لا يتعدى إمكان ديمقراطية مستبدة ومخاتلة يتقاسم فيها أقلية الحكم، إن لم تكن في يد متسلط واحد يجود بالفتات على بعضهم ليضمن ألسنتهم في سوق الدعاية وتجميل الصورة. وطبائع الاستبداد المتوارث تزيد القطيعة بين الدولة والمجتمع، وترتد بفضلها حتما ثقة الناس في الحُكام، ليحدث الخلط في تمثل مفهوم الدولة، وبالتالي تنامي اللجوء إلى العنف من الطرفين، ويؤولُ الأمر إلى احتباس ديمقراطي يترك حالات الإرباك قائمة في كل حين، وهو الأخطر ضمن ديناميكية حياة الشعوب التي لا تشعر بالطمأنينة إزاء حاضرها ومستقبلها في آن. والخضوع لمسؤولين محليين فاسدين يرغبون في فرض واجب الطاعة بشكل انتهازي حقير يُفقد الشخص كرامته ويدفعه إلى التذلل والمحاباة، وهي معادلة مستهجنة لدى فئات واسعة تبعث بإشارات الرفض تجاه سياسات الإجحاف، ولمن يسيئون استخدام السلطة ولا يملكون إرادة التغيير بما تعنيه من إصلاح المؤسسات وإنجاز مشاريع تنموية من شأنها تقليص البطالة والحد من الفقر، وإعادة ثقة الناس في السياسة والسياسيين.
للمقال مراجع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: عناصر من حركة طالبان ينتقلون من ساحات المعارك إلى المد


.. هل اللجوء للقضاء هو آخر خطوة قبل المواجهة الشيعية - الشيعية


.. الإطار التنسيقي في العراق.. تعرف على مكوناته السياسية والمذ




.. الشرطة تقول إن مسلما هو المشتبه الرئيسي بجرائم قتل أثارت قلق


.. قلوب عامرة - د.نادية عمارة تجيب عن سؤال بخصوص { زوج المطلقة